; «أنا خادم لسيدي ولست خادمًا للباذنجان» | مجلة المجتمع

العنوان «أنا خادم لسيدي ولست خادمًا للباذنجان»

الكاتب عبدرب الرسول سياف

تاريخ النشر الثلاثاء 02-يوليو-1996

مشاهدات 62

نشر في العدد 1206

نشر في الصفحة 39

الثلاثاء 02-يوليو-1996

هناك قصة مشهورة عند الشعب الأفغاني تحت عنوان: «أنا خادم لسيدي ولست خادمًا للباذنجان»، حيث يحكى أنه كان هناك خادم ذكي لأحد الأثرياء، وفي يوم من الأيام هيأ الطباخ وجبة شهية من الباذنجان أعجب سيده بها وبدأ يمدح الباذنجان، وحينما سأل خادمه: ما رأيك في الباذنجان، رد الخادم قائلًا: يا سيدي إنه من أحسن أنواع الخضار وفيه فوائد كثيرة و...و...، وبعد مدة هيأ الطباخ وجبة أخرى لكنها في هذه المرة أتعبت سيده وسببت له بعض المشاكل فبدأ يذم الباذنجان ثم سأل خادمه: ما رأيك في الباذنجان؟ فرد الخادم قائلًا: إنه مضر للغاية و... و...، فقال له سيده: كيف تقول فيه هذا اليوم؟ وقد قلت فيه من قبل ذلك إنه من أحسن أنواع الخضار وفيه ما فيه من الفوائد، فقال الخادم: «يا سيدي أنا خادم لسيدي ولست خادمًا للباذنجان»، أنا خادمك المخلص يا سيدي إذا قلت لشيء إنه جيد فهو عندي جيد وإذا قلت لشيء إنه سيئ فهو عندي سيئ، هكذا قصة بعض المسلمين مع الجهاد.

لا شك أن المسلمين المحبين للجهاد والمخلصين لدينهم وأمتهم والراغبين في استعادة عزتهم التليدة كانوا يرون الجهاد خير وسيلة في إحياء مجدهم الزاهر وخير طريق لتحقيق أهدافهم السامية فوقفوا مع هذا الجهاد الأفغاني المبارك بما كانوا يملكون وقفة رجل واحد، كل حسب استطاعته، فشاركوا بالنفس والمال والدماء والأشلاء والجهد والعرق، وساهم الصغير والكبير والذكر والأنثى حتى أن كثيرًا من النساء تبرعن بحليهن للمجاهدين، ومنهم من تعاطف مع الجهاد بأحاسيسه ودعائه وعواطفه وقلمه ولسانه، فضلًا عن كوكبة الشهداء والجرحى، فجزى الله الجميع عن الجهاد والمجاهدين خير الجزاء. 

هؤلاء المسلمون الغيورون ما زالوا يحبون الجهاد والمجاهدين، إلا أن أغلبهم يعتبون علينا كثيرًا، وحق لهم ذلك وعتابهم على العين والرأس، لكنهم إذا عرفوا حقيقة المشاكل الأخيرة، وأسباب الاشتباكات الداخلية والمآسي التي يعاني منها الشعب الأفغاني ورأوا بأم أعينهم الأيدي الخبيثة التي تعمل ليل نهار وراء هذه الأحداث المؤسفة فسوف يسحبون عتابهم، وإن كلامي هذا لا يعني تبرئة المجاهدين بصورة عامة لأن غفلة المجاهدين وأخطاء بعضهم وطموحات البعض الآخر لعبت دورًا كبيرًا في تدمير البلاد وإحباط المسلمين وإجهاض روح الجهاد وسحق ثمرته. 

ولكن مؤامرات الأعداء الذين كانوا يظهرون بمظهر الأصدقاء واليد الحانية على الجهاد الأفغاني أيام الغزو الروسي تشكل قرابة ثمانين إلى تسعين في المائة من أسباب هذه المآسي والآلام والجراح. 

أما أن بعض الجهات الرسمية في بعض الدول الإسلامية تنطبق عليهم قصة السيد والخادم والباذنجان فلأنها في بداية الجهاد انتظرت حتى يظهر موقف أمريكا من الجهاد الأفغاني، ولما رأت أمريكا أن عدوها الأول الذي كان متمثلًا في الاتحاد السوفييتي متورط في هذه المشكلة وأن الدب الأحمر وقع في فخ يصعب عليه الخلاص والنجاة منه بدأت تؤيد الجهاد الأفغاني وتتشدق بشرعيته الإسلامية ومساعي المجاهدين العادلة في تحقيق مصيرهم ورفع الظلم عن أنفسهم، وأخذت تشيد بذكر بطولات المجاهدين تأييدًا لمصالحها لا حبًا في الجهاد وأهدافه، فلما رأت بعض هذه الجهات الرسمية في تلك البلاد أن أمريكا تؤيد الجهاد والمجاهدين بدأت تصدر بيانات لدعم المجاهدين وتشجع الناس على جمع التبرعات للمجاهدين وتنسق مواقفها مع مواقف الأمريكان تجاه الجهاد والمجاهدين «إن لدي وثائق قوية تؤيد صحة ما أقول في هذا المجال سأضعها أمام الأمة الإسلامية الغيورة والشعوب الحرة الأبية في وقتها المناسب»، حتى وصل أمر التأييد إلى تشجيع الأفراد على الاشتراك بالنفس وفتح المجال للذاهبين إلى الجهاد، ولعل القراء يتذكرون أن بعضًا من هذه الجهات الرسمية كانت تعتز علنًا في كثير من المناسبات باشتراك بعض المنتسبين لهم في الجهاد معنا، وكانوا يسمون هؤلاء المجاهدين الوافدين على الجهاد أبطالًا ورجالًا.

لكن عندما بدا أمر الجهاد يتبلور وبدا الروس ينهزمون ويتقهقرون بدأ القلق يساور قلب أمريكا وخشيت أن يتحول هذا الجهاد إلى قوة عسكرية ويسفر عن تأسيس دولة مبنية على أشلاء المجاهدين وجماجم الشهداء فتعكس عزة الأمة وتعبر عن كيانها الحر المستقل ومجدها التليد من جديد، فانقلبت على عقبيها وبدأت تتهامس مع الروس ضد المجاهدين وأخذت تعمل بجد لقطف ثمار الجهاد وإقصاء المجاهدين وإيقاع أفغانستان في أيدي جهات غير مجاهدة عند انسحاب الروس، ولكنها فشلت في ذلك ودخل المجاهدون إلى وطنهم رغم جميع المؤامرات السرية والعلنية، وبدأوا محاولين تكوين حكومتهم والبدء بالإصلاح من الداخل رغم كل الظروف القاسية والأحوال العصيبة والإمكانيات الضئيلة والقدرات المتواضعة والتبعات الضخمة، عندئذ بدأت أمريكا تطعن في المجاهدين وتتآمر عليهم وتشير إلى أحبابها أن يضموا صوتهم إلى صوتها في هذا الطعن والتشويه وقلب الحقائق الناصعة مستخدمين في ذلك كافة الإمكانيات، فبدأت هذه الجهات تأتمر بأمرها بلا تردد وتطعن في المجاهدين وتحاول النيل من سمعتهم وتحول المجاهدين لأبطال في صحفهم وبياناتهم إلى إرهابيين أصوليين ومفسدين ومجرمين و... و... و...، وحينما نسألهم: لماذا تطعنون في المجاهدين بعد أن كنتم تمدحونهم وتعتزون بهم وتترنمون بأمجادهم وتشيدون ببطولاتهم؟ يجيبون بلسان الحال: «نحن خدم لسيدنا ولسنا خدمًا للباذنجان»، نردد ما تقوله أمريكا فإذا مدحت شيئًا نمدحه وإذا طعنت في شيء نطعنه. 

ولله الأمر من قبل ومن بعد والله أكبر والعاقبة للمتقين.

(*) مفكر وسياسي أفغاني ورئيس اتحاد إسلامي أفغانستان

الرابط المختصر :