; الحرية بين الانضباط والانفلات | مجلة المجتمع

العنوان الحرية بين الانضباط والانفلات

الكاتب محمود غزلان

تاريخ النشر السبت 30-أبريل-2011

مشاهدات 60

نشر في العدد 1950

نشر في الصفحة 44

السبت 30-أبريل-2011

  • السياسة جزء من ديننا مرتبطة بـ مبادئنا وأخلاقنا.. فلنتمسك بسياسة الأخلاق.
  • التدرج في التغيير سنة من سنن الكون.. والثورة لا تعني الخروج على الضوابط الشرعية والأخلاقية
الحرية قيمة عظيمة وهبها الله تعالى للإنسان، ولا تكتمل إنسانيته إلا بها، وتركه الله حرا مختاراً حتى في قضية الإيمان ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيِّنَ الرَّشْدُ مِنَ الغَي ﴾ (البقرة: ٢٥٦)، ﴿وقل الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فليكفر﴾ (الكهف: ٢٩)، والحرية ليست مطلقة حتى لا تعتدي على حقوق الآخرين وحرياتهم، ومن ثم جاءت مبادئ الأخلاق والآداب والأعراف والتقاليد وسنت التشريعات والقوانين لتنظيم العلاقة بين الحريات والمسؤوليات والحقوق والواجبات بين أفراد المجتمع وبينهم وبين السلطات الحاكمة لضمان العدل والاستقرار سبيلًا للتقدم والنهوض.

ولكن كثيراً ما تجاوز الأقوياء حدودهم واعتدوا على حريات الضعفاء، وأبرز مثال لذلك هو استبداد الحكومات وطغيانهم على شعوبهم، وممارسة الظلم والفساد بكل صوره وأشكاله، واعتادت الشعوب أن تصبر وتحتمل وتختزن مشاعر الغضب، حتى إذا فاض كأسها انطلقت ثورتها تسقط الأنظمة وتطيح بالفاسدين وتطهر المؤسسات وتطالب بالقصاص من القتلة والمجرمين، وهذا كله واجب محمود يتفق عليه الجميع، بل قامت إمبراطوريات غلبت حق الفرد على المجتمع فانهارت، وقامت أخرى غلبت حق المجتمع فسحق الفرد فانهارت أيضاً لأنهما ضد الفطرة.

بيد أن هناك أمورًا نحذر من الوقوع أولها: هو نسيان الله وعدم الاعتراف بفضله ونسبة التغيير كله إلى النفس، فتتضخم الذات، ويذوب التواضع ويحل محله الكبر والعجب، وكلنا يعلم حديث رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»، وقوله : «ثلاث مهلكات: شح مطاع وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه»، وقديما قال يوسف بن الحسن للجنيد : «لا أذاقك الله طعم نفسك؛ فإنك لو ذقته مرة ما رأيت بعدها خيرا قط».

وثانيها هو استمرار الغضب، فالغضب -كما يقال - أعمى، وهو يدمر ويهدم، وهذا

قد يكون مطلوباً أثناء الثورة، ولكن استمراره يضر ولا ينفع، وما أحكم قول الشيخ الشعراوي يرحمه الله : «الثائر هو الذي يثور ليهدم فساداً ثم يهدأ ليبني أمجادا»، فمن حكمة الطبيب أن يبتر العضو الفاسد من الجسد، أما أن يبتر كل الأعضاء فليس ذلك من الحكمة في شيء، لذلك ينبغي تحكيم العقل والمصلحة إذا كنا نريد التغيير، فيتم تغيير الفاسد والطالح، أما الدعوة والسعي لتغيير الصالح المجرد شهوة التغيير؛ فأمر ينكره العقل السليم... وقديماً قال الأستاذ البنا يرحمه الله: «الجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة، ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة».

كما أن التدرج في التغيير سنة من سنن الكون وسنن الشرع، فالله عز وجل خلق الكون في ستة أيام، وكان قادراً على خلقه في لحظة واحدة، وحرم الشرع الخمر على ثلاث مراحل والربا على ثلاث مراحل، وكان قادرا على تحريمهما بكلمة واحدة، وهذا ما أكده أمير الشعراء شوقي حيث قال مخاطباً النبي ﷺ:

داويت متئدا وداووا طفرة                    وأخف من بعض الدواء الداء

ثالثها: هو الثورة على الاستبداد ثم ممارسته على الآخرين، من ذلك أن الشورى تفرض على صاحب كل ذي رأي أو كل مجموعة لها رأي أن تذهب به إلى أصحاب القرار وفق النظم المتبعة، وناقشهم حول هذا الرأي أو هذه الآراء ثم يترك لهم اتخاذ القرار بالآليات الديمقراطية على أن يكونوا

على استعداد لقبول الرأي الآخر والنزول عليه إذا كان رأى الأغلبية، أما أن يهرع كل صاحب رأي إلى الصحف والفضائيات ليذيع على الملأ رأيه، ويشيع أنه مختلف مع المؤسسات الشرعية والواقع القائم، وأنه معارض له حتى يقال: إنه من الإصلاحيين، ويتخذ من هذا الأسلوب وسيلة لممارسة الضغط على أصحاب القرار الفرض رأيه عليهم، أو أن يدعو المحاولة حشد آخرین دون أن يعلموا حقيقة الأمر وتفاصيله لتكثير السواد والأعداد للإيحاء بوجود احتقان وانشقاق بغية الإكراه على النزول على الرأي فهذا ليس من مبادئ الإسلام ولا الأخلاق ولا الشورى ولا الديمقراطية، بل ولا الحرية في شيء.

رابعها: أن الثورة لا تعني الخروج على الضوابط الشرعية والمبادئ والأخلاق والآداب العامة، فالعلاقة بين الرجال والنساء والشباب والفتيات لها ضوابط شرعية من حيث طريقة الحديث، وغض البصر، وعدم الخلوة وجدية التعامل ورفض التباسط .. وهذه لا يجوز تجاوزها تحت شعور أن الثورة هدمت كل الموانع، ومهدت لعهد ووضع جديد يتسم بالحرية من القيود، وهذا لا يقول به مسلم ولا مسلمة، فالحرام والحلال ثابتان إلى يوم القيامة، لا تنال منهما شهوات ولا شبهات كما أنه من المبادئ الأخلاقية المقررة احترام الصغير للكبير ورحمة الكبير بالصغير؛ «ليس منا من لم يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعلم لعالمنا حقه».

خامسها:  أن الثورة لا تعني التحرر من الروابط والهياكل التنظيمية والتربوية.. فإذا كانت هناك قلة تطالب بإلغاء «الأسر» بدعوى الحرية، فهؤلاء لا يعرفون التاريخ ولا المنهاج ف الأسر» لم تكن ضرورة تضييق، وإنما أنشأها الأستاذ البنا في مناخ من الحرية كبير، رغم وجود الاحتلال البريطاني، كما أن «الأسر» إنما أُنشئت كمحاضن تربوية تعمق التعارف والتفاهم والتكافل وتمثل اللبنة الأولى في بناء الجماعة، كما أن منهجنا إنما يقوم على تربية المجتمع على مبادئ الإسلام، ولن يتغير المنهاج بتغير الظروف والأحوال، وكيف يتغير والرسول ﷺ اعتمده سبيلًا لإقامة المجتمع والدولة من بدء الرسالة حتى منتهاها؟ ولا ريب أن هذا كان توجيهًا من الله، وإذا كانت بعض «الأسر» لا تحقق أهدافها في ظل التضييق في العهد البائد، فالحل لا يكون بحلها، وإنما يكون بإصلاحها والالتزام بمناهجها بجدية وحماس؛ حتى نصل إلى الغايات المرجوة منها، ومن ثم يجب علينا أن نجمع المفرق لا أن نفرق المجمع.

ثم إن العقد شريعة المتعاقدين، فلو تم عقد صحيح بين متعاقدين في ظل مناخ ل الله سيئ؛ فإن العقد يعد سارياً إلى مدته، بينما لو تم عقد باطل ولو في زمن بعثة الرسول ﷺ لبطل العقد لفساده رغم سلامة وصحة المناخ.

 وأخيراً، فإننا نعمل لله، ولن نتحصل على معيّته - سبحانه - إلا بمرضاته وطاعته والسياسة هي جزء من ديننا، مرتبطة بمبادئنا وأخلاقنا، فإذا أردنا أن نتحرر فعلا فلنتحرر من أخلاق الساسة الشائعة الآن، ولنتمسك بسياسة الأخلاق التي قررها الإسلام، كما يجب علينا أن نتقرب إلى الله بطاعته وحسن عبادته، ونقتدي في كل ذلك برسولنا ، ونتخلّق بمكارم أخلاقه، فذلك هو الكفيل بتحقيق النصر والحفاظ عليه؛ ﴿إن تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ (محمد ٧)

الرابط المختصر :