العنوان فتاوى المجتمع (العدد 606)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-1983
مشاهدات 132
نشر في العدد 606
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 01-فبراير-1983
حكم الشرع في الصعق والضرب قبل الذبح
«ما الحكم الشرعي في أكل لحوم الغنم والبقر، التي يستعمل معها الصعق بالكهرباء أو الضرب بالمطرقة على الرأس، بغرض شل حركة الحيوان ومقاومته لعملية الذبح وهي الطريقة المستعملة في كثير من البلاد الغربية؟ وهل يجوز للمسلمين استعمال هذه الطريقة؟ وما الحكم في سائر الحيوانات المأكولة من الدواجن وغيرها؟
مجموعة من أبناء المسلمين في أوروبا»
وقد أجاب على السؤال الشيخ محمد سليمان الأشقر بقوله: الطريقة الشرعية في التذكية تقتضي ذبح الحيوان في الحلق بقطع المريء والحلقوم والودجان، وهما عرقا الدم الذاهبان إلى الرأس، والمضروب من الحيوان هو المسمى بالموقوذة، فإن الوقذ في اللغة شدة الضرب،والموقوذ من الحيوان له ثلاث أحوال:
الحالة الأولى: أن يموت من الضرب، ولا يذكي قبل موته فهذا حرام أكله، لأنه ميتة موقوذة محرمة بنص القرآن.
الحالة الثانية: تكون الضربة غير قاتلة، وإنما هي ضربة محتملة لو ترك الحيوان بعدها فلم يذبح، فإنه يعود إلى نشاطه وحياته العادية فهذا النوع إذا لحقه الذابح أثناء شل حركته لسبب الضربة فذبحته حلال لا شك فيه.
الحالة الثالثة: أن تكون الضربة قاتلة بحيث لو لم تذبح الحيوان فإنه يموت من أثر ذلك الضرب وهذه الحالة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يدرك الذابح الحيوان وهو في النزع الأخير فيذبحه، فلا يحرك يدًا ولا رجلًا ولم يطرف يعينه، فهذا لا يحل أكله إجماعًا.
القسم الثاني: أن يدرك الذابح الحيوان ليذبحه، وفيه بقية حياة بحيث عندما يذبحه يمضع بذنبه أي يبدي شيئًا من المقاومة أو الحركة وينهر الدم.
ففي هذا القسم خلاف بين العلماء لما فيه من الاشتباه فمنهم من ذهب إلى أنه يحل بما ذكرنا من الذبح، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة، وروي عن الإمام أحمد وهو القول الصحيح في مذهب الإمام مالك وهو الأشهر من مذهب الشافعي.
وأستدلوا بقول الله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (سورة المائدة: ٣) فإن الله تعالي استثنى من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع استثنى منها ما أدركت ذكاته، ولا يرجع الاستثناء إلى ما قبلها وهو الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، لأنها لا تعمل فيه الذكاة.
واستدلوا أيضًا بما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن امرأة أصيبت شاة لها فأدركتها فذبحتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كلوها.
والقول الآخر في هذا القسم أنه لا يحل بالتذكية أيضًا، وهو قول آخر للإمام مالك وقول أبي يوسف من الحنفية ورواية عن الإمام أحمد.
ونحن نرى الأخذ بظاهر الآية والحديث المذكور، وأن هذا القسم حلال إذا ذكي على الصفة المذكورة.
حكم أكل الحيوان المصعوق أو المضروب إذا ذكي بعد الصعق أو الضرب:
ونحن لذلك نرى أن الحيوان إذا صعق بالكهرباء أو ضرب بالمطرقة على رأسه وكان من شأن ذلك الصعق أن الضرب يقتله في الحال فهو حرام لو ذكي، لأن التذكية تكون قد وردت على الميتة، والميتة لا تحل بالذكاة.
فإن كانت الضربة أو الصعقة قاتلة، ولكن يتأخر زهوق روحه مدة فجرت الذكاة في تلك المدةـ وأبدى الحيوان شيئًا من المقاومة أو رد الفعل كحركة اليد والرجل وأنهر الدم، فالذبحة حلال.
وأولى بالحل من هذا أن تكون الضربة أو الصعقة غير قاتلة يعود الحيوان إلى نشاطه وحياته المعتادة بعد فترة.
حكم استخدام طريقة الصعق أو الضرب قبل الذبح:
من المستحب في شريعة الإسلام أن يكفل الذابح للحيوان أقصى ما يمكنه من الراحة وتخفيف الألم رفقًا به، وامتثالًا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث الشريف «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته».
فعلى هذا ثبت علميًا أن صعق الحيوان أو ضربه بالطريقة المستعملة في بعض البلاد الغربية أخف ألمًا وأكثر راحة للحيوان من ذبحه دون استعمال هذه الطريقة فلا مانع من استعمالها أن سلمت من شبهة ذبح بعض الحيوانات وهي ميتة من شدة الصعق أو الضرب، وإن ثبت علميًا أن الذبح أحد ألمًا من ذلك الصعق أو ذلك الضرب فينبغي العمل به.
حول عالم الجن
نسمع آراء متناقضة عن الجن وتصرفاته وإيذائه للإنسان، فهل الجن له كيان خاص به؟ وهل هو مثلنا- كبني آدم- مكلف، وهل الرسول صلى الله عليه وسلم اتصل بهم؟ وهل هم يتناسلون؟ وما الفرق بينهم وبين إبليس؟!
السيد عبد الله بن سن- أبو ظبي- الإمارات
وقد أجاب الأخ الدكتور محمد حنيف العوضي- الباحث في الموسوعة الفقهية- على هذا السؤال بما يلي:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله، أقول وبالله التوفيق: من الغلط البين مقارنة عالم الجن بالإنس، وعالم البحار بعوالم السماء، وعالم البر بعالم ما تحت الثرى، وأن نقارن بين «بروتو بلازما بالياماموت والديناصورات» وعالم الجنين بعالم الشيخوخة... إلخ
فلكل كائن حي نواحيه وبيئته وسنته «ولله في خلقه شئون» فالقوانين الطبيعية التي تحكم وتسيطر على الكائنات المجهرية الدقيقة في قاع المحيطات، لا تنسحب على المخلوقات القطبية، والعكس صحيح.
فلكل كائن قوانينه وعالمه الخاص به، ولا يجوز القياس بغيره ﴿فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ ۚ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ۚ﴾. (سورة النور: ٤٥) والجن والملك- مثلًا- لا يعلم سر نشأتهما وصفة ماديتهما، وكون الجن من نار، ولكنه أي نار؟!
وثبت علميًا أن كل شيء يدرك بالحاسة التي خلقت وهيئت لإدراكه، ويستحيل على حاسة أخرى أن تحس بعالم لم تهيأ له! فالبصر لا يرى إلا المبصرات المخلوقة لها فقط، وهكذا فقط بقية الحواس لها خصائصها ومجالها، وكذلك الجن له عالمه الخاص به غیر عالم الإنس، وهو مكلف كما نحن مكلفون وقد أخبرنا الله سبحانه في سورة الجن بقوله ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ (سورة الجن: ١-٢) وهذه السورة تدور حول الجن وقبولهم الإيمان واستراقهم للسمع واطلاعهم بعض الأسرار، والتفافهم حول النبي صلى الله عليه وسلم عند سماعهم القرآن.... إلخ
وفي سورة الحجر يقول سبحانه ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾ (سورة الحجر: ٢٧) أي من قبل آدم خلقنا الجان. قال المفسرون: «عنى بالجان هنا «إبليس» أبا الجن لأن منه تناسلت الجن، فهو أصل لها كما أن آدم أصل للإنس» ونستنبط من هذه الآية أيضًا أن خلق الجن سبق الإنس، حيث عاثوا في الأرض فسادًا وسفكوا الدماء.
وهناك صحابة من الجن- أسماؤهم مذكورة في كتاب الإصابة لابن حجر- هؤلاء حضروا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة يوم أن كان عنده عبد الله بن مسعود وخط له- أي لابن مسعود- النبي صلى الله عليه وسلم خطا وقال له: لا تتخطى هذا الخط، وذهب الرسول إليهم ودعاهم إلى الإسلام- دين الأنبياء جميعًا- وصالح بينهم حيث كان نزاع، وقد كان إبليس من الجن كما ذكر المفسرون، وهو من جنس يختلف عن الملائكة، ولإبليس خصائص جنس الجن، حيث يستطيع الطاعة والمعصية، ولقد كان يومًا ما طاووس بين الملائكة، يزهو بخيلاء بينهم، كان مختارًا ومختلفًا عن الملائكة التي لا تملك من أمرها إلا الطاعة.
﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (سورة التحريم: ٦)
ومما يجدر الإشارة إليه بهذا الصدد ما يلي:
١- الاختيار والدين، يدل عليهما ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (سورة الذاريات: ٦٥)
٢- ينسحب عليهم حكم الزواج حتى في الجن ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ (سورة الرحمن: ٧٤)
٣- يروننا من حيث لا نراهم على حقيقتهم ﴿يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ (سورة الأعراف: ٢٧)
٤- سبقونا في الخلق وهم من النار ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾ (سورة الحجر: ٢٧)
٥- وقد يؤذوننا ونؤذيهم- ربما المس- ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (سورة الجن: ٦) ﴿ لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ﴾. (سورة محمد: ٤)
٦- لهم القدرة على التشكل وقوة ما ليس للإنسان ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾ (سورة النمل: ٣٩)
٧- أرسل إليهم الرسل ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ (سورة الانعام: ١٣٠)
٨- يعاقب العاصي منهم ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (سورة السجدة: ١٣)
٩- يتناسلون ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي﴾ (سورة الكهف: ٥٠)
وهذه من أهم خلال الجن وأوصافه بالإيجاز، وينبغي أن نلمح هنا بعبارات مضغوطة بما يلي:
إن وجود قوى غير مرئية وغير ملموسة وعوالم خفية ، غالبًا أنشئ من مادة هذه العالم ومن عناصر أخرى نجهلها الآن- تتجلى لنا بآثارها- دون أن ندرك ماهيتها- تحيط بنا من كل جانب ومن كل صوب وحدب، فمثلًا: الكهرباء وأن عليها المغناطيسي الجاذبية... الأشعة «أشعة X» الحركة الزمن.
العقل... إلخ كل هذه أسماء لا مسميات ولا ماهيات، ونستفيد من بعض آثارها، ولكنها مستورة وغائبة عنا لا ندري حقيقتها ولا كنهها لأن حواسنا قاصرة عن إدراكها.
ذلك أن في الكون كائنات متنوعة وكثيرة نجهل ماهيتها وقد نعرف ونلمس آثار بعضها من حيث لا نراها ولا نلمسه ولا ندركه ولكنها موجودة فعلًا.
وتستخلص أنه ليس في وجود الجن- والمغيبات- ما يدعو للريب. ثم إن هذه الأمور من المغيبات التي أمرنا بالإيمان بها فلم يكلفونا- رحمة بنا- أكثر من ذلك.
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (سورة البقرة: ٣) هذه الآية وأمثالها- وهي كثيرة- لتدل دلالة واضحة أننا لا بد أن تؤمن بما جاء في الذكر الحكيم- مطلق الإيمان- سواء علمناه أم جهلناه، هذا هو الإيمان المطلق.
والله أعلم
الدكتور محمد حنيف العوضي- الباحث
في الموسوعة الفقهية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل