العنوان توصيَات النَدَوة الإَسلاٰميّة العالمية الرابعة المنعقدة بمقر رابَطة العَالم الإسلامي بمكة المكرمة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أكتوبر-1976
مشاهدات 71
نشر في العدد 319
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 05-أكتوبر-1976
من ١ - ٣ ذي الحجة ١٣٩٥ هـ
٤ - ٧ ديسمبر ١٩٧٥ م
أولًا في موضوع:
«الحج وأهدافه»
إذا كان الإنسان محدود التصور والمعرفة بصورة تعوقه عن الإحاطة بالغاية والهدف في الحوادث الكونية «الأوامر القدرية» ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾. (البقرة: ٢٥٥).
فإن من المعقول أيضًا عدم إمكانية إحاطته بغايات وأهداف الأوامر الشرعية ومن بينها عبادة الحج والعمرة، ولكن الإنسان مع ذلك يمكن أن يتصور بعض الحكم والغايات المقصودة من هذه العبادات أما استنباطًا من النصوص الشرعية واستفادة من الممارسة العملية والخبرة بالثمرات العظيمة التي لا تزال تظهر نتيجة لأداء هذه العبادة، وذلك على النحو المرضي فيما يأتي:
قال تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾. (الحج: 28-27).
دعا الحق تبارك وتعالى رسوله الكريم إبراهيم الخليل إلى أن يدعو الناس إلى أداء الحج وأوضح أن الهدف والغاية من ذلك اجتماع الناس في مكان وزمان معينين ليشهدوا منافع لهم دينية ودنيوية ومن هذه المنافع:
۱- تعميق معاني التوحيد وتقوى الله وذكره والاستجابة لدعوته بتعميق هذه المعاني في نفوس الحجاج، وتذكيرهم بها، وذلك عن طريق الممارسة الفعلية لشعائر الحج وهي رموز محسوسة تجسم المعاني السامية من الإخلاص لله وإفراده التوجه والقصد ومغالبة الهوى والشيطان قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. (الحج: 32).
وقال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۗ فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ۗ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾. (سورة الحج: 35).
وقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾. (البقرة: 197).
وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (199) فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. (البقرة: 200-198).
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. (سورة البقرة: 203).
كما أن ممارسة هذه الشعائر تؤكد بطلان أوهام الحياة التي تعود الناس على التعلق بها وتكشف زيفها إذ تتجلى في ممارستها الحقيقية الكبيرة وهي افتقار العباد جميعًا إلى الله الغني الحميد، فتلغى الفروق المصطنعة الناشئة عن مظاهر الغنى بالمال أو السلطة أو الجاه أو المنصب أو الحسب. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. (فاطر: 15).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. (الحجرات: 13).
٢- التعرض إلى رحمة الله وفضله ونفحات بره وكرمه وإتاحة الفرصة لينال المسلم رضا ربه بالتجائه إليه وحده، وإفراده بالتوجيه والمقصد وإخلاص العمل له، وعبادته في بيته الذي جعله مثابة للناس وأمنًا. قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾. (سورة البقرة: 198).
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم «من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه».
٣- تحقيق الامتثال المطلوب من المسلم كسبب ونتيجة لرسوخ العقيدة في نفسه.
٤- إظهار معنى الأخوة والمساواة بين المسلمين فعلًا لا شعارًا.
٥- تعويد المسلم على تحمل المصاعب والمشاق والصبر عليها في سبيل تحقيق هدف سام.
٦- تعرف المسلم بأحوال إخوانه المسلمين من مختلف الأقطار واللغات والأجناس والاتصال بمشاكلهم والتشاور والتعاون معهم لحل هذه المشاكل.
٧- إيجاد رابطة حسية بين المسلمين وصولًا إلى الوحدة الإسلامية الكبرى بما تتيحه هذه الرابطة من تعارف وتآلف وتسامح تجاه الاختلافات الشكلية الناتجة عن اختلاف الجنس والبيئة وظروف الحياة.
٨- تحقيق هدف الإسلام من دعوته إلى اجتماع الناس للتعارف والتعاون بينهم في أماكن محددة يوميًا في الصلوات الخمس وأسبوعيًا في صلاة الجمعة وسنويًا في صلاتي العيدين، وعالميًا شاملًا في موسم الحج.
٩- إظهار شخصية الإسلام الفريدة المتميزة في شعائره ومناسكه في هذا المؤتمر السنوي الكبير.
العقبات التي تعوق تحقيق أهداف الحج:
إن أهم عقبة تعوق تحقيق أهداف الحج هي عدم وعي الحجاج بحقيقة الحج وصورته الصحيحة وأهدافه الكبرى، فجهل كثير من الحجاج بصورة الحج الصحيحة، وعدم مراعاتهم لآدابه، وعدم عملهم على الأخذ بالأسباب التي تهيئ لهم الانتفاع بالحج والتقيد بالصورة الصحية. كل ذلك وغيره مما يعوق ومراعاة الآداب الشرعية والأخذ بأسباب النظافة وتنزيه المشاعر عما لا يليق بها، ومراعاة الوسائل الصحية. كل ذلك وغيره مما يعوق تحقيق أهداف الحج الكريمة.
وإن كثيرًا منهم يتعرضون لأن يكونوا عالة وكلا على غيرهم بعدم الأخذ برخصة الله لهم حيث أعفى من الحج والعمرة من لا تتوافر له شروط الاستطاعة سواء من الناحية البدنية أو المالية.
وهؤلاء وأمثالهم يسيئون إلى مجموع الحجاج ويسببون لهم مشاكل كثيرة اجتماعية وصحية واقتصادية.
وقد قال الله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. (آل عمران: 97).
وقال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾. (البقرة: 197).
وقد ذكر في سبب نزول هذه الآية أن قومًا من العرب كانوا يأتون من غير زاد فيتعرضون لسؤال الناس فأمر الله مريد الحج بالتزود.
الوسائل التي تساعد على تحقيق أهداف الحج:
إن من أهم الوسائل في تحقيق أهداف الحج توعية الحجاج قبل قدومهم إلى الحج بصفة خاصة بهذه الأهداف ويمكن التوصية في هذا المجال بما يلي:
١- دعوة الحكومات المختلفة إلى تخصيص برامج خاصة ببيان أحكام الحج وآدابه وبكيفيته وأهدافه تنشر قبيل موسم الحج بوسائل الإعلام المختلفة: الصحافة والإذاعة والتلفاز ويقوم على هذه البرامج أشخاص متخصصون، ويمكن أن تقوم رابطة العالم الإسلامي بمبادرة في هذا عن طريق وضع خطط برامج نموذجية بالجهات المسئولة في الحكومات المختلفة لتنسيق تلك البرامج.
۲ـ تكوين لجان خاصة في الحكومات المختلفة يكون مهمتها العناية بالحجاج وشئونهم ووضع الخطة الكاملة لتحرك قوافل الحجيج في الدول المختلفة منذ خروجها حتى عودتها، ومتابعة هذه الخطة، وتطويرها.
٣- إقامة تجمعات للحجاج قبل سفرهم إلى الأماكن المقدسة لمدة محدودة يعني فيها بتوجيههم وتبصيرهم واطلاعهم على الصورة الواقعية الصحيحة للحج كما هو الواقع في بعض الأقطار.
4- إنتاج أفلام سينمائية تعرض فيها الصورة الواقعية للحج وتوضح الطريقة الصحيحة لأدائه وتنبه إلى الأخطاء الشائعة في ممارسة الحجاج لشعائرهم، إن الصورة المرئية ولا سيما في مجتمعات تغلب فيها الأمية تكون غالبًا أكثر وسائل الإعلام فعالية وتأثيرًا.
٥- تضمین دروس التربية الدينية في المدارس في الأقطار الإسلامية المختلفة توجيهًا إلى الناحية السلوكية في الحج وما ينبغي أن يأخذ الحاج به نفسه من آداب عن أداء هذه الشعيرة.
٦- حث الدول الإسلامية على إرسال وفود من شبابها لتأدية فريضة الحج ليكونوا دعوة طيبة للنور والحق بين زملائهم لأنفسهم ومرشدين وأعين متحمسين في شعوبهم.
٧- الاستفادة من تجارب وخبرات بعثات الحج بعقد ندوة سنوية في نهاية الحج يشترك فيها رؤساء هذه البعثات وبعض الأشخاص العاملين فيها لتقييم الكيفية التي تم بها الحج والممارسات التي طبقت فعلًا والتشاور حول المشاكل الناجمة ووضع الحلول المناسبة لها.
ويمكن أن تقوم رابطة العالم الإسلامي بمبادرة في هذا الشأن فتعقد أول ندوة من هذا القبيل في هذا العام ويعد لها بالاتصال بهذه البعثات ودعوتها لهذه الندوة في نهاية الحج.
وبالله التوفيق....
ملحق رقم (۲)
قرار المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي في الدورة السابعة عشرة ١٣٩٥هـ / ١٩٧٥م
«الاستطاعة في الحج ومعالجة الازدحام»
١- أجمع المسلمون على أن الاستطاعة شرط لوجوب الحج وسنة العمرة أو وجوبها لقوله تعالى ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. (آل عمران:97).
فقد أوجب الحج على الناس وشرط في وجوبه الاستطاعة، والعمرة حج أصغر كما ورد في الحديث واختلف الفقهاء والأئمة في المراد منها في أمور، واتفقوا في أخرى كما يأتي.
٢- ثانيًا القدرة البدنية مشروطة في الاستطاعة عند الجميع، والمفلوج ومن لا يثبت على الراحلة الشيخوخة أو المرض - لا يجب عليهم الحج، صرح بذلك الحنيفة والشافعية، وقال به المالكية ضمنًا باشتراطهم إمكان الوصول لمكة إمكانًا عاديًا بلا مشقة فادحة.
ولا شك في أن سفر المريض مشقة عليه وعلى غيره بل خطر يهدد صحته أو حياته وقد يهدد صحة أو حياة الآخرين من الحجاج وغيرهم وخصوصًا إذا كان مرضه معديًا قد يتسبب في وباء، ومن المعلوم أن الشارع منعه من الانتقال في هذه الحالة، فإن بريء المريض أو شفي المجنون انتقل إلى حكم الاستطاعة، أما الشيخ العاجز فعليه أن يحج عنه من ينوب عنه إن كانت له الاستطاعة المالية ولم يحج حتى عجز.. والأصل في هذا حديث الخثعمية في حجة الوداع إذ قالت: «يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج قد أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة أفاحج عنه؟ قال: نعم». (رواه البخاري وغيره من حديث ابن عباس رضى الله عنهما).
٣- وثالثًا القدرة المالية.. وهي مشروطة في الاستطاعة عند الجميع لقوله تعالى: «وتزودوا» كما ذكر في أسباب النزول وفسر به وحتى لا يكون كلا على غيره بحيث يكون مالكًا للزاد الذي يكفيه لذهابه وإيابه من مؤونة وكسوة وأجرة ركوب برًا وبحرًا. وأن يكون هذا الزاد فاضلًا عن حاجته الأصلية وحاجة أهله ومن تلزمه نفقته حتى يرجع فلا يكون مستطيعًا إن كان لا يملك إلا رأسماله ولو أنفقه وتزود به لصار بعد عودته عالة على المجتمع، قد فوت رأس مال تجارته أو آلات صناعته ورزقه، كما لا يكون مستطيعًا إن كان لو تزود بما عنده ترك أهله ومن تلزيه نفقته للهلاك والضياع والحاجة. وقد جاء في الحديث قوله عليه الصلاة والسلام «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول» (رواه أبو داود).
ولا يعتبر مستطيعًا من عليه دين لا يترك له الوفاء به فضلًا يكفيه لحجه ونفقة أهله حتى يرجع، فإن الدين هم بالليل ومذلة بالنهار، وقد جاء الوعيد الشديد لمن مات وخلف دينًا عليه لم يقضه. فقضاء الدين أولى من الحج ومقدم عليه.
٤- ومن القدرة المالية الراحلة يملكها أو عنده من المال ما يشتريها به اشترطها الحنيفة والشافعية والحنابلة، فمن كان لا يملك راحلة يستقل بها وحده، لم يكن مستطيعًا وقيد الحنابلة ذلك بما زاد على مسافة القصر. أما ما دونهما فيجب عليه المشي إن كان يستطيعه دون مشقة فادحة ومضرة محققة. والأصل في اشتراط الراحلة حديث أنس «قيل يا رسول الله ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة». (رواه الدار قطني، وصححه الحاكم والراجح إرساله، ورواه الترمذي من حديث ابن عمر وأنس وحسنه). وله طرق أخرى كلها ضعيفة واحتج شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بحجج قوية لتثبيت معناه. استنبطها من نفس آية وجوب الحج ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. (آل عمران:97).
٥- إلا من على النفس وعلى المال من شروط الاستطاعة. فإن خاف على نفسه الهلاك أو الضرر أو خاف على ماله التلف أو السلب والغصب لم يكن مستطيعًا وإن كان ذا سلطان يخشى الخلل في الحكم أو الفساد أو هجوم العدو وذلك لو سافر عد غير مستطيع.
٦- لا تسافر المرأة إلا مع زوجها أو ذي محرم من أهلها لما صح من حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعهما ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا معها ذو محرم فقام رجل فقال يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا فقال انطلق فحج مع امرأتك». متفق عليه وقالت المالكية والشافعية تسافر لأداء حجة الفرض مع زوجها أو ذي محرم أو في رفقة جماعة أمنت وهي مأمونة. ولا تسافر للنفل إلا مع زوجها أو ذي محرم.
٧- مما يجب علاجه ما يسببه الازدحام الشديد مع الجهل بالدين وفقدان الخلق القويم، وانتزاع الرحمة من قلوب بعض المسلمين من الضرر الشديد يلحق - خصوصًا بالعجزة من الشيوخ والنساء وضعفاء المؤمنين أثناء أداء المناسك كالسعي والطواف والرمي والإفاضة، وقد ترتكب أشياء لا تليق بالبلد الحرام ولا بالبيت العتيق كإلقاء القاذورات حول البيت أو فيه وكالمبيت فيه أو في الشوارع مما لا يشرف المسلمين ويؤذيهم في دينهم وصحتهم ودنياهم وقد أهابت الأمانة العامة في ندائها إلى ملوك ورؤساء الدول الإسلامية المؤرخ في الثالث من شعبان ١٣٩٥ هـ وأحست وشخصت الداء العليل ووضعت الدواء بوجوب مراعاة القدرة البدنية والمالية فيمن يصرح لهم بالحج مع توعيتهم وإرشادهم ومنع غيرهم لما يسببونه من حرج لأنفسهم وغيرهم.
٨- المجلس لا يقر منع من سبق له الحج عن القدوم لأداء الحج مرة أخرى على إطلاقه إذ قد يفتح ذلك الباب للحد من سبيل الله - والحج سبيل الله ولجريان العمل بذلك من عهد الصحابة إلى اليوم وإنما ترى أن تقع نوعية المسلمين وإفهام الذين سبق لهم أداء الفريضة أن الواجب قد سقط عنهم وأن لهم أن ينفقوا أموالهم في نشر الإسلام والدفاع عنه والجهاد في سبيل الله وأوجه الخير والنفع وقد أفتى البهلول بن راشد من تلاميذ مالك العباد الزهاد بمثل هذا لمن أراد أن يحج نفلًا.
وإن في إيثارهم إخوانهم الذين لم يحجوا بتسهيل الحج والتيسير عليهم طاعة. وإن من أصر منهم على العودة إلى الحج متنفلًا فليرجع بعد خمسة أعوام لما جاء في الحديث القدسي «أن عبدًا صححت له جسمه وأوسعت عليه معيشته تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد على لمحروم».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل