; البــاكستان.. مسيرة ربع قرن من الكفاح والبناء والمتاعب! | مجلة المجتمع

العنوان البــاكستان.. مسيرة ربع قرن من الكفاح والبناء والمتاعب!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أبريل-1971

مشاهدات 61

نشر في العدد 56

نشر في الصفحة 8

الثلاثاء 20-أبريل-1971

«مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد. إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحُمَى»

حديث شريف

معركة الدساتير في باكستان

حقيقة الأزمة ومصيرها

ظاهرة المشاكل المزمنة

دائمًا نحن نزرع وغيرنا يأكل

من مقتضى الإيمان الاهتمام بالباكستان

صباح السبت الماضي (17 -4 – 1971م) بثت إذاعة الكويت نبأ احتجاج رابطة العالم الإسلامي على الهند بسبب تدخلها في شؤون باكستان، ولقد عبر هذا النبأ أو هذا الموقف عن شعور المسلمين. كما ألزم كل مسلم بأن يتجاوب مع مسلمي باكستان وهذه الجريدة -انطلاقًا من حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي صدرنا به هذا المقال- تتجاوب مع مسلمي باكستان في محنتهم هذه.

الباكستان إلى أين؟

إن ما يجري في باكستان اليوم ليس شيئًا عاديًّا إنه موقف جد خطير له جذوره وتعقيداته وأحداث تنطوي على احتمالات بعيدة المدى والأثر في الحاضر والمستقبل وتحرك رهيب له صلاته بالقوى الدولية التي تريد إدارة شؤون العالم وأحداثه وَفق مصالحها تنمية وتأمينًا.

إذا كان للكوارث فوائد فإن أولى فوائد أحداث باكستان أنها أسقطت الأقنعة عن الوجوه التي تتحرك في الخفاء للتدخل في شؤون الدول -غير الذرية- واضطرت تلك الوجوه إلى الإعلان عن نياتها وعن اتفاقاتها المُبرمة في الظلام. وهي الحريصة على إظهار هذه الاتفاقات بمظهر الاختلاف والتنازع في المجال الإعلامي والسياسي والاستهلاكي.

إن الروس والأمريكان والغرب كله بصحافته ونشاطه الدبلوماسي والصهيونية العالمية -وموقف باكستان ضدها كان واضحًا قويًّا- والهند والصحافة التي تُمثّل هذه القوى في العالم العربي هؤلاء جميعًا انتقلوا من منطقة الظل إلى دائرة الضوء للعمل علانية ضد باكستان.

لماذا؟

لأن باكستان قامت على أساس الإسلام وهم يقبلون المساومة في كل أمر.

ويتساعون مع أي ملة «إلا الإسلام»، ولا مانع من أن يحكم ألمانيا الغربية حزب ديمقراطي مسيحي ولا مانع أن يتم هذا في إيطاليا، ولا مانع من أن يحكم قبرص قسيس، ولا مانع من قيام إسرائيل على أساس ديني -وقد قامت بعد قيام باكستان بعام واحد- لا مانع من هذا كله فالدين الذي يحرّم عليه الحكم هو الإسلام وحده.

ذلك سبب والسبب الثاني: أن باكستان بالضغط الشعبي المؤمن لم ترضَ بالعزلة عن العالم الإسلامي، وخاصة القسم العربي منه. وحاولت -رغم الصدود العربي- أن تقيم الجسور المتينة بينها وبين العالم العربي، وبديهي أن إصرار باكستان أو حرصها على تقوية العلاقات مع العالم العربي نابع من الإسلام لا من الإحساس القومي، فهناك فوارق كبيرة -من الناحية القومية بين الباكستان والعالم العربي- وقيام علاقة على أساس الإسلام بين دول تنتمي إليه أمر يجزع منه خصوم الإسلام ولا يرقبون فيمن يقدم عليه إلًّا ولا ذمة.

والتشجيع المستمر والمدعوم بكل وسيلة للحركات القومية والعنصرية والإحياء المتعمد للوثنيات القديمة التي قضى عليها الإسلام في عدة أقطار هذه المحاولات كلها تستهدف إعدام الرابطة الإسلامية بين شعوبه ودوله وإحلال الروابط القومية والعنصرية والوثنية محلها.

مثلًا: في الأسبوع المنصرم، وعقب نشاط دبلوماسي بين القاهرة وطهران أرجعت صحيفة عربية كبرى تحسن العلاقات بين البلدين إلى الأصالة المشتركة بين أعرق حضارتين في المنطقة -حضارة إيران وحضارة مصر- قامتا في المنطقة منذ أكثر من سبعة آلاف عام.

ورد الصلة والعلاقات بين مصر وإيران إلى ذلك التاريخ القديم مقصود به تجاهل الروابط الإسلامية وتخطيها عمدًا وبوعي، وهذه النظرية تطبق في مجال العلاقات بين المسلمين جميعًا.

ذلك سبب ثانٍ؛ والسبب الثالث للنقمة على باكستان هو: تزايد مد الحركة الإسلامية هناك. وخصوم الإسلام لا يخشون الإسلام النظري ولا إسلام الشعارات؛ ولكنهم يخشون الإسلام الحركي.

وفي الانتخابات الأخيرة أدركوا مدى نفوذ الحركة الإسلامية في باكستان ورصدوا نشاطها الدائب. وقوة الوعي الذي فجرته، ومن ثم حاولوا التدخل بكل وسيلة لجعل نتائج الانتخابات في غير صالح الحركة الإسلامية، ولكن يبدو أن هذه المحاولات لم تشبع طموحهم ولم تُلبِّ استعجالهم في الإتيان على الإسلام في باكستان، فعمدوا إلى تمزيق باكستان وإغراقها في مشاكل لا آخر لها لإعاقة نهضتها وإضعاف شوكتها ككل وتطويق الحركة الإسلامية وإرباك سيرتها -بالتالي- في هذه المشكلات.

ومشاكل مزمنة

ولئن كانت باكستان تعرّضت لهذه المتاعب لظروفها الخاصة فإنها في نفس الوقت شملتها الظاهرة الرهيبة التي تكونت أجزاؤها من عقبات وضعها الاستعمار في أكثر من وطن إسلامي.

ظاهرة إحداث فتنة مزمنة وحادة في أقطار إسلامية تعبق نهضتها وتستنزف مواردها وطاقاتها. وتمزق وحدتها بشريًّا وجغرافيًّا.

وسلك الاستعمار لبلوغ هذا الهدف طريقين:

الأول: إضعاف الإسلام أو قتل عقيدته التي تجمع المسلمين -على مختلف قومياتهم- في صف واحد وتجعلهم أمة واحدة ثم زاحم الفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية بثقافاته وأفكاره لتمزيق الوحدة الفكرية، وإنشاء مدارس متناقضة في التصور والتفكير والمنزع.

والطريق الآخر: بعث القوميات -بشكلٍ حاد- داخل القطر الإسلامي الواحد.

في العراق قامت مشكلة الأكراد كرد فعل للتعصب للقومية العربية.

وفي السودان صنع مشكلة جنوب السودان.

وفي نيجيريا أحدث فتنة بيافرا وأقام مأتمًا حين فشل مخططه هناك.

وفي باكستان صنع مشكلة كشمير ونشهد اليوم المحاولات المستميتة لتمزيق الباكستان وضرب وحدتها في الصميم.

و. و. و.

وهكذا شملت ظاهرة التفتيت وإحداث الفتن المزمنة. باكستان المسلمة بغية تأديبها على إظهار شعورها الديني ولإضعافها أمام الهند..

عدم اكتراث!

الباكستان -إذن- تواجه خطرًا أكيدًا وتهديدًا لكيانها وسيادتها ومع ذلك ساد الصمت العالم الإسلامي على المستوى السياسي وعلى المستوى الإعلامي معًا، أما الكلمات التي كتبت عن باكستان -على ندرتها- فقد اتسمت بالخجل والتردد وتناولت الأحداث باقتضاب وهي مفارقات تحتاج إلى دقة الوعي والتفكير والتفسير.

الاهتمام بأحداث فيتنام -وأحداث باكستان ليست أقل خطرًا منها- كبير ومستمر والانحياز فيه واضح وصريح الاهتمام بأحداث كمبوديا كان كبيرًا وواضحًا وهكذا.

المهم: من الملاحظ أن الاهتمام يتزايد بقضايا غير المسلمين، وإذا كان ثمة اهتمام بقضايا المسلمين فهو لكي تتجه الأحداث إلى نتيجة تتعب هذا الدين وأتباعه وتقر بها أعين الخصوم. إن عدم الاكتراث بأحداث باكستان. وما يتعرض له المجتمع الباكستاني موقف ليس فيه وفاء العقيدة، ولا يتمشى مع قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ﴾ (سورة الحجرات: الآية 10).

وهذه الجريدة تقوم بواجبها الديني إذ تُقدّم هذا التقرير الإخباري عن المجتمع الباكستاني الذي يمر بتحولات لها ما بعدها.

أقوى الأسباب

يوم (14) أغسطس عام (1947) م قامت دولة جديدة باسم الإسلام هي الباكستان. وتمثل في قيامها أمل عزيز كافح من أجله إقبال ومحمد على جناح وغيرهم من الرواد الكبار من مسلمي الهند.

وكانت هذه الخطوة من أبرز أحداث النصف الأول من هذا القرن.

قامت دولة باكستان -على أساس الإسلام- في فترة ازدحمت فيها المكتبات العالمية والعربية بتنبؤات - وبأحكام حتمية كذلك - بالتناقض المتزايد في الأثر الديني وأن الإسلام بالذات يتراجع بسرعة إلى الوراء وبالتالي يدخل مرحلة الانقراض.

بقيام باكستان تغيّرت الحسابات وأخذ الخصوم يراجعون خططهم وينتقدون أساليبهم التبشيرية والاستشراقية والغزو الفكري والثقافي ويحتاطون للأمر حتى لا تتكرّر هذه الغلطة غلطة إمكان قيام دولة إسلامية رغم حساباتهم ووقوفهم ضد هذا العمل بكل ثقلهم وإمكاناتهم.

شجّع قيام باكستان حركة الوعي الإسلامي ومنحها أملًا في المستقبل وإصرارًا على العمل.

بعد الحرب العالمية الثانية -وإبان قيام باكستان- أخذت القوى العالمية تستعرض خريطة العالم. وتعيد تقسيمها وفق مصالحها، وضمن فوائدها من نتائج الحرب وبطبيعة الحال. لم يكن الإسلام حاضرًا مع هؤلاء كي ينهاهم عن مطالبهم ويقول كلمته في هذا التقسيم. كان الإسلام -ممثلًا في دولة قوية- غائبًا. ومع ذلك استطاع أن يجد له رقعة ضخمة -بعد الحرب العالمية الثانية- من الأرض والسكان هي الباكستان.

إن الاستعمار قد تعمّد -حين قرّر الانسحاب من الأراضي التي كان يحتلها- تعمد أن يمنح البلاد المستعمرة استقلالًا فارغًا لا محتوى له لكي يترك الأمة -أي أمة- بغير فكرة تعتصم بها، وبغير خصائص تعبر عن شخصيتها الخاصة وبغير قبلة تنتمي إليها.

وإذ يترك الاستعمار الأمة التي كان يستعمرها خاوية من المحتوى ضائعة تائهة لا انتماء لها فإنه يدرك أنها ستحتاج إليه حتى بعد أن يرحل عنها تحتاج إلى فكرة تملأ به فراغها وإلى منطقة نفوذه تنتمي إليها.

بيد أن قيام باكستان -بمحتوى فكري هو الإسلام وبانتماء واضح إلى الأمة الإسلامية- مثّل حدثًا جديدًا خرج عن إطار لعبة الاستعمار في توزيع الاستقلال المزيف.

نحن نزرع وغيرنا يأكل!

ولأن قيام باكستان قد حقّق انتصارًا جديدًا للإسلام، وشكلًا معوقًا لخطة الخصوم في تطويق هذا الدين ومحاصرته في أضيق نطاق من أجل ذلك ألقى هؤلاء أسئلة مشبوهة حول قيام باكستان.

لماذا تنفصل عن الهند بغير مبرر معقول؟ وماذا تفعل وحدها؟

إن المسلمين في الهند تأكدوا أن الاستعمار -يسانده التعصب الوثني- يريد أن يغرق الإسلام في الهند ويذيب كيانه المتميز، ويحيف على حقوق المسلمين الذين حفظوا للهند كلها قيمتها ووجودها.

لقد ظل الإسلام يحكم الهند ثمانية قرون وقدم الحكم الإسلامي للهند من الخدمات الجليل الكثير. ونهض بها باعتبار أن الحكم الإسلامي كان يمثّل طلائع التقدم والنهضة عهد ذاك.

ولمَّا حل الاستعمار بالهند واستعمرها فمن الذي وقف في وجه الاستعمار؟

ومن الذي ضحى وتعرّض لرصاص الاستعمار وإرهابه ومشانقه؟

المسلمون في الهند؟ نعم المسلمون في الهند.

وبحنقه المزمن على الإسلام وبسبب مقاومة المسلمين المستميتة والباسلة له ركز الاستعمار حربه على المسلمين في نطاقين

- إلى جانب سياسة التجويع العامة طبعًا

1 - نطاق التصفية الجسدية لزعمائهم وعلمائهم ومصلحيهم وأتباعهم المؤمنين.

2 - ونطاق الحرب المجنونة ضد الإسلام ذاته.

وصمد المسلمون في الكفاح وصابروا ورابطوا حتى أخذت الهند استقلالها.

وكان المرجو -لو كانت الأحداث تسير سيرها المعتدل- أن يظفر المسلمون بوضع مريح بعد الاستقلال كثمرة حلوة للكفاح المضني الذي خاضوه بشجاعة شرف.

إلا أن هذا الرجاء أو الأمل تبخّر بعيد الاستقلال. فقد رد الهندوس جميل المسلمين اضطهادًا وتنكيلًا ومذابح استمرت إلى يومنا هذا.

إن المسلمين هم الذين يزرعون أما الثمار فتحرم عليهم وينفرد بها غيرهم من غير شكر ولا عرفان، بل بجحود ونكران.

وهنا نواجه -أيضًا- ظاهرة ينبغي أن تدرس بوعي لكي يستفاد منها في كفاح المستقبل.

إن المسلمين طوال قرن -تقريبًا- وهم وقود كفاح شاقٍ قدموا من الشهداء ما لم يقدمه أتباع أي مذهب آخر ومع ذلك -مع قوة الكفاح وطوله وضخامة التضحيات واستمرارها- فإن الذين يتمتعون بثمرات الكفاح الإسلامي أناس لم يسهموا في هذا الكفاح ولم يضحوا بشيء.

والمسلمون في الهند تعرضوا لمثل هذا الموقف -موقف مكافأتهم على كفاحهم بالذل والاضطهاد- وكان أمامهم ثلاثة خيارات:

1 - أن يستسلموا للمذابح والاضطهاد وحركة التذويب والطمس.

2 - أن يتخلوا عن عقيدتهم ودينهم ابتغاء النجاة من الاضطهاد النازل عليهم بسبب دينهم.

3 - أن يستقلوا بأنفسهم لإقامة دولة خاصة بهم.

ولقد اختاروا الحل الثالث وهو الحل المناسب والمعقول لاتباع دين يُحرّم عليهم الاستسلام للاضطهاد كما يحرّم عليهم الردة والتخلي عن العقيدة والإيمان.

بعد الاستقلال أو أطوار الحكم

مرّت باكستان بأطوار شتى بعد الاستقلال أن تميز باكستان عن الهند لم يكن على أساس قومي ولا عنصري، وإنما كان وَفق مقوم العقيدة الإسلامية والفكر الإسلامي على وضوح الرؤية والهدف حاول رجال عقب نشوء الدولة الجديدة القيام بعملية تحويل التيار الإسلامي الشعبي. وإقناعه بضرورة تأسيس الدولة على أسس علمانية لم يكن الأمر سهلًا، فالاتجاهات العقائدية ليست أزياء يمكن تغييرها بين لحظة وأخرى ومن ثم عادت -على عجل- اليقظة للوعي الإسلامي وأمسك بالمعيار الصحيح لقياس مكانة الزعماء ومدى ثقته بهم وهو معيار تقدير أولئك الزعماء وَفق صلتهم بالإسلام قربًا أو بعدًا، التزامًا أو تقصيًا.

وما برح التيار الشعبي يضغط حتى ألزم المجلس التأسيسي اتخاذ قرار -سُمّي قرار المقاصد- عام (1949م)، ولقد مثل هذا القرار طموح المسلمين في قيام حكم إسلامي في باكستان.

وتأرجح الوضع بعدئذٍ: بين شعب يريد تطبيق الإسلام عليه وحكومات تريد تحويل الاتجاه الشعبي وتفرض عليه نظامًا لا يريده.

عمل خصوم الحكم الإسلامي - تحت قيادة لياقت علي خان رئيس الوزراء عهد ذاك- على وضع نظام أساسي للباكستان لا يقوم على الإسلام ورفض الشعب هذا النظام، واجتمع علماء باكستان (1951م) ووضعوا المبادئ الأساسية التي ينبغي أن تسير عليها الباكستان. ولقد تقدّم بهذه المبادئ إلى المؤتمر التأسيسي السيد نظام الدين.

في عام (١٩٥٤م) صيغت هذه المبادئ في دستور حي قوي يُعبّر عن إرادة شعب باكستان في قيام نظام إسلامي. لكن غلام محمد -وكان حاكمًا عامًا للباكستان- حل المجلس التأسيسي وأبطل العمل بدستور (1954م) غير أن المحكمة العليا حكمت بتشكيل المجلس التأسيسي ثانية، وقام المجلس ووضع دستورًا معدلًا عام (1956)م واصطدم الدستور هذه المرة. واصطدم التيار الشعبي بحاكم آخر هو إسكندر ميرزا الذي عهد إلى التثاقل عن إجراءات الانتخابات التي هي قرار دستوري ملزم للحكومة والتي ستعيد الاستقرار لباكستان.

واصل الشعب وطلائعه الواعية ضغطهم من أجل إدخال باكستان في مرحلة الاستقرار بإجراء الانتخابات العامة وتحت الضغط حدّد شهر فبراير (1959)م لإجراء الانتخابات وقبل أن يحين موعد الانتخابات قام انقلاب إسكندر ميرزا وأيوب خان عام (1958)م.

وهذا التسلسل الغريب للأحداث يؤكّد حقيقتين:

1 - حرمان باكستان من قيام نظام إسلامي فيها.

2 - وبالتالي حرمانها من الاستقرار، لأن الاستقرار ركيزة النهضة والتقدم وخصوم باكستان يريدونها متأخرة وضعيفة لتكون تحت رحمة الهند من جهة وتحت الخضوع المستمر للمعونات الأجنبية من جهة أخرى.

وبغير هذا المنطق كيف نستطيع تفسير:

* حل المجلس التأسيسي وإلغاء دستور عام (1954م).

* منع قيام جمعية تأسيسية وبالتالي حرمان باكستان من دستور إسلامي عام (1958م).

* وإحداث فتنة انفصالية عامة بعد قيام جمعية تأسيسية عام (1971م).

إن الدستور ووجود الحريات العامة يعنيان -إلى حد كبير- إتاحة الفرص لحرية التفكير والتعبير والتجمع. وهم يخافون أن يتزايد نفوذ الحركة الإسلامية في هذا المناخ بيد أن سد الأبواب في وجه الحركة الإسلامية هناك ليس هو كل الأسباب التي أدّت إلى حرمان باكستان من الاستقرار.

ماذا وراء الحركة الانفصالية؟

إبان اشتداد المطالبة بتميز باكستان عن الهند اتخذ حزب المؤتمر الهندي -الحزب الحاكم- قرارًا بالموافقة المؤقتة على إنشاء دولة باكستان والإقدام على مثل هذا القرار يعني قرارًا آخر هو: العمل على ضم باكستان أو إخضاعها للهند في المستقبل.

إن القرار المؤقت معناه -بوضوح- في نظر الهند أن باكستان ليست دولة دائمة ولا مطردة الوجود المتميز، وسوف يأتي اليوم الذي ترجع فيه الهند ومن ثم كان القرار مؤقتًا.

وضم باكستان أو إخضاعها كلها -مرة واحدة- للهند خطوة صعبة ومحفوفة بالمخاطر ولقد جربت -بالقوة- فلم تبلغ ما تريد.

احتاط خصوم باكستان للأمر واتخذوا حلًّا عاجلًا وحلًّا آجلًا:

* الحل العاجل هو صنع مشكلة كشمير كمصدر متاعب مستمر للدولة الوليد وكرمز.

* والحل الآجل هو: إعداد مستمر وتشجيع دائم للحركات الانفصالية والعنصرية وتحيّن الفرص لإحداث زلازل اجتماعية داخل باكستان ذاتها.

وبعد مرور نحو ربع قرن على تأسيس الباكستان حسبوا أن الظروف مواتية لتمزيق جسم باكستان.

دعاية علنية للانفصال

بعد أن تسلَّم الرئيس يحيى خان من الرئيس السابق أيوب خان سلطة البلاد وعد -أي يحيى خان- بإجراء انتخابات عامة ينتخب فيها الشعب ممثليه، ويفوضهم في إدارة البلاد وحكمها.

وجرت الانتخابات بالفعل

وكانت المعركة الانتخابية تمثل ثلاثة اتجاهات رئيسة:

1 - الاتجاه الإسلامي الذي أجمعت كل القوى على محاربته.

2 - الاتجاه الاشتراكي الذي يتزعمه أبوتو.

3 - الاتجاه العنصري الإقليمي الذي يتزعمه مجيب الرحمن.

وأسفرت المعركة عن فوز الاتجاه الاشتراكي وعن النجاح الساحق الذي لقيه مجيب الرحمن. وفي أثناء المعركة طرحت الأحزاب برامجها ومن ضمن هذه البرامج دعوة صريحة للانفصالية الإقليمية العنصرية أمام الباكستانيين يدل على عدم جدوى محاولات الاستقلال والتميز. والإصرار على وجود هذا الرمز رفضت أن تتيح لشعب كشمير الفرصة ليقرر مصيره بإرادته الحرة رغم وضوح حق كشمير ورغم قرارات الأمم المتحدة ومبادئ حقوق الإنسان.

وفي الدعوة جرأة لم تكن تظهر من قبل بهذا الحجم وهذا الوضوح مما يؤكّد أن التقديرات والحسابات قد جزمت بأن يوم الانفصال قد جاء وحان حينه.

وهنا تثار قضية هامة كتبرير لحركة الانفصال. هذه القضية هي: أن باكستان الشرقية قد ظلمت من قِبَل الحكم المركزي، وأهملت إهمالًا واضحًا في مشاريع الإنماء ومشاريع الخدمات.

ولنفترض أن هذه الحجة صحيحة فهل بقي لها معنى بعد ظهور نتائج الانتخابات؟

لو أن مجيب الرحمن قد هُزِم في الانتخابات أو حصل على مقاعد لا تجعل له وزنًا في حكم باكستان لكان له من المنطق الظاهري ما يخفي به نيته الحقيقية من الانفصال لكن مجيب الرحمن حصل على مقاعد تجعله أقوى الزعماء في المجلس التشريعي وفي السلطة التنفيذية وفي الحكم الإقليمي أو المحلي، وإذا كانت الحركة الانفصالية تُسوّغ مسلكها بظلم الحكم المركزي لباكستان الشرقية فإن مجيب الرحمن هو الذي سوف يسيطر على الحكم المركزي. ويمنح الإقليم الشرقي نصيبه العادل من حركة التنمية والإعمار.

إن الإصرار على الانفصال بعد ظهور نتائج الانتخابات إنما يعني أمرًا آخر غير حكاية ظلم الحكم المركزي يعني الانفصال لذات الانفصال.

ثم متى كانت المطالبة بالحقوق مبررًا للحركات الانفصالية؟

إن في الهند ولايات متخلفة تخلفًا مخيفًا والزنوج في الولايات المتحدة يحسون بالتخلف والظلم فهل ترضى الهند -مثلًا- أو الولايات المتحدة الأمريكية أن يكون الانفصال وسيلة للمطالبة بالحقوق الاجتماعية والإنسانية مع توفر الجانب العنصري في الموضوع؟

 كما تتآمر القوى الدولية على حقوق شعب فلسطين وتدفن قضيته ضمن مخطط يشمل المنطقة كلها فإن قضية كشمير تواجه تآمرًا مماثلًا لقد وجدوا أن أحسن حل لقضية كشمير هو توسيع نطاق المشاكل في باكستان حتى تُصبح قضية كشمير بالنسبة إلى خطورة الحركة الانفصالية مسألة بسيطة! ويمكن المساومة عليها وهكذا تكون المعادلة الصعبة إن نجح الانفصال فإن قضية كشمير تكون قد انتهت وإن لم ينجح فإن التهديد المستمر به أو التنازل عنه -مؤقتًا- يمثلان ضغطًا حقيقيًا للمساومة على قضية كشمير.

من جهة أخرى فإن القوى الدولية تريد تقوية الأحزاب حول الصين الشعبية.

إن الخطر الذي تفزع منه هذه القوى هو الخطر الصيني والهند تمثل خط دفاع متقدم ضد الصين. ولقد رأوا أن في تقوية الهند دعمًا لهذا الخط وتثبيتًا له وإذا كانت المعونات المادية تنهال على الهند لهذا السبب فإنهم يريدون دعمها جغرافيًا وبشريًا، كذلك والدعم الجغرافي والبشري هنا لن يكون -طبعًا- بإضافة مساحة ما وأعداد بشرية إلى الهند من أراضي وسكان أمريكا اللاتينية، أو من الأراضي الصينية ومن سكانها، وإنما باقتطاع جزء من باكستان بأرضه وسكانه.

والهند تخاف الصين وكذلك روسيا وكذلك الولايات المتحدة، ومن اجتمعت كلمتهم على الإقدام على أي شيء في سبيل تأمين مصالحهم المشتركة.

إلى أين؟

إن باكستان في مفترق الطرق اليوم.

إذا نجح الانفصال -لا قدر الله- فإن باكستان كلها سوف تمزّق وسيكون نجاح الحركة الانفصالية عدوى تشمل مناطق أخرى كثيرة ووفق الملابسات المنظورة يصبح هذا الاحتمال بعيدًا حتى الآن.

وإذا استطاعت الحكومة المركزية القضاء النهائي على الحركة الانفصالية تكون باكستان قد دخلت مرحلة الاستقرار الحقيقي والمستمر. لكن القضاء النهائي على هذه الحركة ليس ممكنًا الآن. صحيح أنه من الممكن إخماد الحركة المسلحة، أو التمرد الظاهر لكن بعض أسباب الحركة سيظل قائمًا؛ لأن خصوم باكستان ظلوا سنين عدوا يغرسون هذه الأسباب في نفوس سكان باكستان الشرقية، والاتجاه الثالث أن تظل باكستان محتفظة بوحدتها مع وجود المتاعب من باكستان الشرقية وهذا هو الاحتمال الأكثر واقعية تقريبًا.

صحيح أن تآمر القوى الدولية رهيب جد رهيب الآن. إن تجربة نيجيريا أثبتت أنه بالإصرار على الوحدة والإجراءات الحازمة لصيانتها والمسارعة لتوضيح القضية وخدمتها سياسيًّا وإعلاميًّا، كل هذا مكَّن نيجيريا من القضاء على الحركة الانفصالية وإحباط المؤامرة الدولية بالتالي.

على أن هناك حقائق ينبغي أن تُراعى وتُوضع في الحساب تمامًا:

1 - أن تُبذَل جهود غير عادية لإصلاح الأحوال في باكستان الشرقية. أولًا لتجريد دعاة الانفصال من أقوى أسلحتهم، وثانيًا لتقريب الشقة النفسية بين الحكومية المركزية وبين كثير من سكان باكستان الشرقية. أعني أن توفير الخدمات المعقولة لسكان تلك المنطقة سيكون أقوى منطق في إقناعهم بعدالة الحكومة المركزية.

2 - أن تتسم عمليات التأديب -إذا اضطرت الحكومة إليها- أن تتسم بالعقل والحكمة والرحمة حتى يعالج الموقف بأقل الجراح النفسية.

وعلى العالم الإسلامي أن يمد يد العون لباكستان في موقفها المحرج هذا، فلقد وقفت معه في قضاياه كلها، ووقفت مع العالم العربي -مثلًا- في حرب السويس وفي ثورة الجزائر، وفي عدوان حزيران، وفي قضية فلسطين.

إن واجب العقيدة وحرمة الإخاء يقضيان بعمل شيء من أجل الباكستان وكان الله في عون الباكستان.

الرابط المختصر :