العنوان رؤية تاريخية: البوسنة والهرسك تحت ظل الإسلام
الكاتب مهنا حمد المهنا
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يوليو-1992
مشاهدات 66
نشر في العدد 1009
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 28-يوليو-1992
البوسنة والهرسك
هي إحدى الجمهوريات الداخلية الست التي
تألف منها ما كان يسمى بجمهورية يوغسلافيا الاتحادية وتتكون من ضم ولايتي البوسنة
والهرسك اللتين تقعان متجاورتين جنوبي نهر الساف (من فروع الدانوب)، وتجاوران
جمهوريتي كرواتيا والجبل الأسود، مساحتها (۱۹.۷) ألف
ميل مربع، ويسكن منهم البوسنة والهرسك في تعداد مساحتها (۱۹.۷) ألف
ميل مربع ويسكن البوسنة والهرسك حسب تعداد سنة ١٤٠٧هـ (٤.٦٠٠.٠٠٠) مليون نسمة
المسلمون منهم (۲.۲۸۰.۰۰۰) أي (49.8%) من السكان، كلهم من السنة،
عاصمة الولاية هي «سراييفو» سكانها (١٧٥) ألف تعداد سنة ١٩٦١م وتسمى عند
العثمانيين «بوسنة سراي» وأهم المدن الأخرى «بنجالوكا» و«هوستار» و«توزلا».
أهم حاصلات الإقليم الفاكهة والتبغ
والحبوب وتشمل ثروتها الحيوانية الماشية والأغنام وتضم ثروتها المعدنية الزئبق
والحديد والفحم مما ساعد على إقامة صناعات ثقيلة بها.
بعد خروج العثمانيين من البوسنة والهرسك
أسس مجلس إسلامي أعلى للإشراف على شؤون المسلمين الدينية في الإقليم مكون من رئيس
وأربعة أعضاء ويمتد إشرافه على أعمال مجالس النواحي التي يرأس كل منها مُفْتٍ
وتُعنى هذه المجالس خاصة بإدارة الأوقاف الإسلامية والإشراف على مدارس المسلمين
وأهمها كلية الشريعة في سراييفو.. وبها من المساجد (٨٣٦) مسجدًا، وفي سراييفو مركز
رئيس للهيئة الإسلامية العليا التي تشرف على شؤون المسلمين في كل من جمهورية
البوسنة والهرسك وسلوفينيا وكرواتيا. وقد وصل عدد المساجد أخيرًا في جميع
أنحاء يوغسلافيا سابقًا إلى (۲۷۰۰) مسجد.
البوسنة والهرسك قبل الإسلام
كانت البوسنة والهرسك قبل العهد الروماني
يحتلها قبائل البرية مختلفة وكان الأليريون ينقسمون إلى قبائل صغيرة، وكانت أشجع
هذه القبائل تعيش في المنطقة التي تشغلها البوسنة والهرسك الآن ولم يتمكن الرومان
من إخضاعهم إلا بعد حروب طويلة (من القرن السادس قبل الميلاد إلى التاسع
الميلادي)، وظلت البوسنة والهرسك من الولايات الرومانية طيلة أربعة قرون.
وقد ظهر من القبائل الأليرية أشخاص
استطاعوا الوصول إلى عرش الإمبراطورية الرومانية ولعل أعظمهم هو دقلديانوس الذي
صنع الكثير لموطنه المحبوب وخاصة لمسقط رأسه، ولما قُسمت الإمبراطورية ظلت البوسنة
والهرسك تابعة لإيطاليا- أي في القسم الغربي من الإمبراطورية الرومانية- ومن هذه
الأصقاع انتشرت الديانة المسيحية لأول مرة بين المدن الساحلية.
وفي القرن السابع الميلادي خربت هجرات
الأوار والصقالبة آثار الحضارة الرومانية وهم الذين أحدثوا الخصائص الجنسية
الحديثة الموجودة في الإقليم على طول البوسنة والهرسك، وكانت القبائل الصقلبية
يقودها زعماء من الأمراء يعرفون بلقب «الفويفود»، ونظرًا لقوة البيزنطيين
المجاورين لهم فقد اعترفوا بسلطان القسطنطينية اعترافا غير مباشر من القرن السابع
إلى الثاني عشر الميلادي إلى أن ضمته «إقليم البوسنة والهرسك» الدولة المجرية
إليها، وتم الاحتلال الجزئي للبوسنة في عهد الملك «كولمان» (۱۰۹٦- ١١١٦م)، بيد أن سلطان المجر لم يقض على
نفوذ الزعماء الوطنيين وظلت البلاد خاضعة للقوانين والعادات القديمة التي أخذت
تتطور وفقًا لمقوماتها الخاصة ولم يستطع أحد المذهبين الكاثوليكي والأرثوذكسي أن
ينتصر على الآخر في البوسنة واحتفظ الصقالبيون الجدد بعقائدهم الوثنية وأدى وجودهم
بين هذين المذهبين المختلفين إلى تمهيد السبيل لقيام مذهب ديني جديد
هو «البوجوميلية»، وهو مذهب ديني ابتدعه رجل اسمه بوكورمل تقوم أفكاره على
تعاليم ماني وإنكار القول بأن عيسى ابن الله، كما يرفض القول بالثالوث المقدس، ظل
أهل البوسنة والهرسك كاثوليك نتيجة اعتناقهم هذا المذهب منذ القرن الثالث عشر
الميلادي، والذين طالما دعا البابوات إلى شن حرب صليبية عليهم، وفي القرن الخامس
عشر الميلادي أصبحت آلام البوجوميل لا تحتمل حتى إنهم استعانوا بالأتراك لتخليصهم
مما هم فيه من بؤس وشقاء لأن ملك البوسنة والقسيسين كانوا قد بالغوا باضطهاد
البوجوميل جدًا فهرب عدد كبير منهم إلى البلاد المجاورة، أما الذين لم يوفقوا في
الهرب فقد أرسلوا إلى روما مكبلين بالأصفاد.
دخول البوسنة والهرسك في الإسلام
حدث أول غزو للمسلمين العثمانيين على
البوسنة والهرسك عام سنة ٧٨٨هـ في حكم الملك تفرتكو الأول عندما كان في أوج قوته
ووقع الغزو الثاني سنة ٧٩٠هـ = ۱۳۸۸م
عندما هزم فلتكو الجيش العثماني، وفي السنة التالية اشترك جيش بوسنوي في
معركة «قوصوه» ليشد أزر ملك الصرب «لازار» وقد جرح السلطان مراد الأول
جرحًا مميتًا أثناء المعركة ومات عندما انتهت، ولكن الأمير بايزيد نجح في استخلاص
النصر ووقع الدوق لازار أسيرًا واعترف خلفاؤه بعد موقعة «قوصوه» بالسيادة
الإسلامية مع بقاء القسم الأكبر من البوسنة تحت سلطان أعضاء من مجلس الأشراف
يمارسون فيها سلطات كاملة.
ونجم عن فتح العثمانيين سكوبيه سنة ٧٩٤هـ
إقامة تخوم تركية تحيط بالصرب والبوسنة وأصبحت سكوبيه قاعدة الحكم لأول سنجق - بكي.
وتوالت غارات الأتراك بعد سنة ٨١٨هـ
(١٤١٥م) وكان من أثرها ازدياد الشعور بالنفوذ التركي في الشؤون الداخلية للبلاد
وتفاقمت الشحناء بين بارونات البوسنة والمطالبين بالعرش وما إن تولى تفرتكو الثاني
الملك (١٤٢٠- ١٤٤٣) حتى اعترف بالسيادة التركية وخضع ملوك البوسنة من سنة ٨٣٢هـ
(١٤٢٨م) للجزية التي فرضها الأتراك الذين افتتحوا بصفة مؤقتة بعض المدن ووضعوا
حاميات فيها في مناسبات كثيرة.
|
* المسلمون فتحوا
البوسنة والهرسك في القرن التاسع الهجري |
كان بعض أمراء البوسنة يوالون الغرب
وخصوصًا مملكة المجر وهؤلاء بدورهم كانوا يشجعون هؤلاء الأمراء على العصيان فلما
رفض ملك البوسنة سنة ٨٦٧هـ أداء الجزية قامت الجيوش التركية بقيادة السلطان نفسه
وهو محمد الفاتح بغزو بلاد البوسنة وفتحها سريعًا وما كادت الجيوش التركية تنسحب
حتى زحف ملك المجر كورفينوس على بلاد البوسنة واحتل مدينة بايجه والنواحي التي
تتاخمها، وفي السنة التالية استولى المجريون على سربرتك وأنشأوا فيها ولايتين
ومنهما كانت تشن الغارات الكثيرة على الحدود العثمانية خلال القرن التاسع الهجري
والتي بلغت مداها باحتلال سراييفو ثلاثة أيام.
ومع ذلك ظلت البوسنة والهرسك تحت السيادة العثمانية تدفع الجزية للآستانة وكان محمد بك مينت أوغلي أول سنجق بكي للبوسنة سنة
٨٨٦هـ وأنشأ سنجق الهرسك سنة ٨٧٤هـ وفتح الأتراك باقي الهرسك في آخر سنة ٨٨٦هـ
وسقطت ولاية سربرنك في أيديهم سنة ٩١٨هـ واستولوا كذلك على بايجه وينالوقه بعد
موقعة حمو هاكس (1527 أو سنة 1528م) ومن البوسنة نفذ الأتراك إلى ليكا
واحتلوا الجزء الأكبر من دلماثيا واشترك السنجق بكي البوسنوي في فتح سلافونيا.
|
* تمكن المسلمون من
بسط نفوذهم على مساحات كبيرة من أوروبا بعد استقرار حكمهم في البوسنة والهرسك |
استقر الحكم العثماني في الولاية بعد هذا
التاريخ استقرارا نسبيًا وكان المسلمون من أهل البلاد هم العنصر الحاكم وقد
استطاعوا أن يجعلوا كلمتهم مسموعة في الجزء العثماني من المجر أيضًا وانتخب من
صفوفهم رؤساء الإدارات العسكرية والمدنية، وولي تسعة من السياسيين الذين ولدوا في
البوسنة أكبر المناصب التركية وهو منصب الصدارة العظمي (وهي رئاسة الوزراء)
في المدة بين عامي ١٥٤٤ و١٦١١م وكان من بين هؤلاء ثلاثة من أسرة صوقولوفتش من بلدة
كرازدة، وتولى مسلمو البوسنة الدفاع عن الحدود الشمالية الغربية من الدولة فقط،
وتختلف الروايات في ذكر عدد ولاة البوسنة، ويزعم بعض المؤرخين أن إسحاق بك الذي
عين سنة ١٤١٨م هو أول الولاة وأنه قد أقيم من الولاة (٢٦٤) واليًا ما بين عامي
١٤١٨ و۱۸۷۸م وأشهر ولاة البوسنة هو غازي خسرو بك
الذي حكم من سنة ١٥٠٦م إلى ١٥١٢م ومن سنة ١٥٢٠ إلى ١٥٤٢م.
وكانت البوسنة حصنًا من حصون الدولة
العثمانية، وفي القرن السابع عشر تبدل حظ الترك في الحروب، إذ استولى الدوق دي
سافوا «أوفن» سنة ١٦٩٧م وأحرق ضواحي سراييفو وتخلى السلطان أحمد الثالث سنة
١١٣١هـ (۱۷۱۸م) عن جزء من البوسنة على المجرى الأدنى
لنهر الساف للإمبراطور شارل الثالث، ومع ذلك فقد أعيدت هذه الناحية إلى الأتراك
بعد تلك الغارة الفاشلة سنة ١١٥٢هـ (١٧٣٩م) في عهد السلطان محمود الأول.
وفي بدايات القرن التاسع عشر الميلادي
اتجهت الدولة العثمانية إلى إدخال النظم الأوروبية في الإدارة، فهب المسلمون من
الصقالبة لمقاومة هذه النظم بقوة السلاح بزعامة حسين قائد كرادجك سنة ١٢٤٦هـ (۱۸۳۰م)، وأراد الوزير محمد وجيه باشا سنة
١٢٥٦هـ (١٨٤٠م) إدخال النظم الإدارية الحديثة المقتبسة من أوروبا فانتفض أشراف
البوسنة على هذا الوزير ولكن جيوش السلطان عبدالمجيد الأول أخضعتهم في
معركة «فتز».
واستمرت الفتن والثورات في هذا الإقليم
بدافع ظلم الولاة أو بتحريض المجر، ففي الوقت الذي قام فيه المسلمون بالبوسنة كان
السخط قد أخذ يزداد بين النصارى الذي شكوا من أن الإصلاحات التي نص عليها
المرسومان السلطانيان اللذان صدرا في عامي ۱۸۳۹
و١٨٥٦ لم تنفذ، وانتفض المسيحيون في بعض النواحي على ملاك الأرض من المسلمين،
فاتخذ الترك تدابير شديدة في إخضاعهم ففر عدد كبير من نصارى البوسنة إلى النمسا
وطلبوا تدخل الحكومة النمساوية في الأمر سنة ١٨٥٨م وقدموا إلى السفير التركي عريضة
مرفوعة إلى السلطان طلبوا فيها حمايتهم من ملاك الأراضي وأرسل الباب العالي وفدًا
إلى البوسنة لفض هذا النزاع، وفي عام ١٢٧٦هـ (١٨٥٩م) صدرت اللائحة عن مزارع
البوسنة والهرسك نظمت ما يدفعه الفلاحون إلى ملاك الأرض ولكن هذه اللائحة لم تحل
الإشكال فقام النصارى بثورة في الهرسك سنة ١٨٧٥م- ١٢٩٢هـ وامتدت الثورة إلى الصرب
الأرثوذكس في البوسنة ولم يخمدها سوى احتلال قوات النمسا والمجر لهاتين الولايتين
نتيجة لما اتفق عليه في مؤتمر برلين الذي عقد سنة ١٨٧٨م (١٢٩٥هـ) وكان آخر ولاة
البوسنة من قبل الأتراك هو أحمد مظهر باشا (۱۸۷۸م)
وفي 5 أكتوبر 1908م (١٣٢٦هـ) أعلن ضم البوسنة والهرسك للنمسا والمجر ووافقت على
ذلك الدول الأوروبية وأقرته الدولة العثمانية آخر الأمر، وفي هذا اليوم وجه
الإمبراطور فرانسوا جوزيف الأول رسالة بخطه أعلن فيها امتداد سلطانه على البوسنة
والهرسك، وقرر أن قانون وراثة العرش في البيت المالك يشمل هاتين الولايتين أيضًا،
ثم سلخت الولايتان لتكونا مع الصرب وكرواتيا مملكة عرفت منذ سنة ١٩٣١م باسم
يوغسلافيا، وفي عام ١٩٤٥ أعلنت جمهورية داخلية في نطاق جمهورية يوغسلافيا الشعبية
الاتحادية ذاقتا من الشيوعيين الأمرين حتى تفككت يوغسلافيا وأعلنتا الاستقلال قبل
ثلاثة أشهر مكونتين جمهورية البوسنة والهرسك آخر معاقل المسلمين في أوروبا بعد
جمهورية ألبانيا.
لمحة عن الحضارة الإسلامية في البوسنة والهرسك
ما دخل المسلمون بلدًا إلا ودخل معهم
العلم والهداية فلذلك فقط حرص بعض ولاة البوسنة والهرسك على نشر العلم ومد سلطانه،
في هذه البلاد ولا نعدو الحقيقة إن قلنا إن أعظم هؤلاء الولاة العلماء غازي خسرو بك
الذي بنى في فترة ولايته مسجد سراييفو الكبير القائم إلى وقتنا هذا وبنى بجواره
مدرسة عالية لتعليم العلوم الإسلامية كما أنشأ مكتبة عامة سنة ٩٤٤هـ (١٥٣٧م) لتكون
مساعدة في تيسير العلم للطلبة وأوقف لها المخطوطات النفيسة وفي عام ١٨٦٣م انتقلت
المكتبة إلى بناء خاص شيد ملاصقًا للجانب الغربي من مسجد غازي خسرو بك خلف مئذنته،
ولما كثرت الكتب وضاق عنها مكانها انتقلت في سنة 1935م إلى مبنى آخر أمام مسجد
السلطان بالمدينة ويبلغ عدد المخطوطات في المكتبة (١٤٥١٠) مخطوطة تشمل كافة العلوم
الإسلامية تشكل الكتب الصربية (70%) من الكتب يتلوها المخطوطات التركية ثم
الفارسية وهناك قلة من المخطوطات كتبت بالصربية والكرواتية ولكن بالحرف العربي.
وقد برز الكثير من علماء البوسنة والهرسك
في خدمة التراث الإسلامي واشتهر منهم:
1.
عبدالله عبدي بن
محمد البوسنوي المتوفي سنة ١٠٥٤هـ متصوف ومفسر، أشهر كتبه عرائس النصوص في منصات
النصوص «وهو نصوص الحكم لابن عربي».
2.
حسن كافي
الأقمصاري البوسنوي المتوفي سنة ١٠٢٥هـ ألف كتاب «أصول الحكم في نظام العالم» وقد
ترجم كتابه إلى التركية وهو بالعربية لرغبة السلطات العثمانية ثم ترجم الكتاب إلى
الألمانية والفرنسية.
3.
صالح حاج حسينو
فينتش المتوفي سنة ١٣٠٦هـ وكتابه تاريخ بوسنة في أربعة مجلدات.
4.
محمد بن محمد
الخانجي البوسنوي المتوفى سنة ١٣٦٥هـ وكتابه «الجوهر الأسنى في تراجم علماء وشعراء
بوسنة».
_____________
أهم المراجع
1- دائرة
المعارف الإسلامية.
2- الأقليات
الإسلامية لمحمود شاكر.
3- القاموس
الإسلامي لأحمد عطية الله.
4- الدعوة
إلى الإسلام لارنولد.
5- تاريخ
الدولة العلية لمحمد فريديك.
6- التحفة الخليجية في تاريخ الدولة العلية لإبراهيم حليم.