العنوان مؤامرة التنصير الصليبية للزحف على مكة محاولات صليبية لاحتلال جدة الحلقة الثانية
الكاتب د. خالد محمد نعيم
تاريخ النشر الثلاثاء 15-مايو-1990
مشاهدات 68
نشر في العدد 966
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 15-مايو-1990
عرضنا في
الحلقة الماضية من الدراسة التي أعدها الأستاذ الدكتور خالد نعيم لخطط التنصير
الزاحف على مكة لأهداف هذا التنصير التي تمحورت حول هدفين أساسيين هما: تنصير
المسلمين في أي مكان، والزحف على رموز الإسلام المقدسة بالهجوم على مكة المكرمة
والمدينة المنورة، ومن ثم فقد وضعت الخطط منذ قرون بعيدة لتحقيق تلك الاستراتيجية،
ورأينا كيف تطور التخطيط من غزو عسكري إلى غزو فكري تنصيري، ووقف بنا العرض عند
الغزو الصليبي البرتغالي للبحار الشرقية ومنطقة الخليج العربي وصولًا إلى البحر
الأحمر، ومن ثم اتجهوا إلى هدفهم في محاولة احتلال جدة ونستكمل العرض في هذه
الحلقة من تلك الدراسة بدوران المحاولات الصليبية لاحتلال جدة.
التحرير
على أية
حال «كانت المحاولة الأولى للأسطول البرتغالي الصليبي لاحتلال جدة في عام ١٥١٧م
ولكنها باءت بالفشل.. ثم كانت المحاولة الثانية في عام ١٥٢٠م، وأيضًا أخفق
الصليبيون فيها» ولو نجحوا لصار الوصول إلى الأماكن المقدسة في سهولة!
وكان
«الحجاز» قد دخل في عام ١٥١٧م دخولًا سلميًّا تحت السيادة العثمانية، فلما أخفق
الأسطول الصليبي البرتغالي في محاولتيه اللتين استهدفتا «جدة»، أرسل البرتغاليون
حملة صليبية کبرى إلى ميناء «السويس» باعتباره قاعدة الأسطول العثماني في البحر
الأحمر، واستهدفوا تدمير هذه القاعدة، وبطبيعة الحال، يصير الوصول إلى ميناء جدة
أمرًا منتهيًا!
ولكن
الصليبيين البرتغاليين عندما وصلوا إلى منطقة «الطور» علموا أن الأسطول العثماني
يقف في حالة استعداد تام وتأهب، فارتدوا على أعقابهم دون أن يلتحموا به.
وعند هذا
التحدي الصليبي لمشاعر الدولة الإسلامية العثمانية، قرر سلاطينها وضع خطة أمنية
لحماية «الحرمين الشريفين» باتخاذ «عدن»، وهي البوابة الكبرى للبحر الأحمر، كخط
دفاع وقاعدة حربية لضرب المراكز الصليبية البرتغالية في شرقي الجزيرة العربية،
وللسيطرة على البحر الأحمر وإغلاقه في وجه السفن والملاحة الصليبية البرتغالية. ثم
عممت الدولة العثمانية هذا المبدأ على جميع السفن النصرانية الأخرى، فكان لا يسمح
لأي سفينة صليبية بالإبحار في البحر الأحمر، فيما وراء ثغر «المخا» جنوب ثغر
«الحديدة» في «اليمن»، وكانت هذه السفن النصرانية تفرغ شحناتها، ويعاد شحن
حمولاتها على سفن إسلامية، هي التي تجوب أنحاء البحر الأحمر، وتتردد على ثغوره
وموانئه.
وكانت
ذريعة الدولة الإسلامية العثمانية في هذا المنع هي «أن أهم الأماكن المقدسة
الإسلامية في العالم، على الإطلاق، تقع في «إقليم الحجاز»، وساحل هذا الإقليم يطل
على مياه البحر الأحمر، وتأسيسًا على هذه الحقيقة يجب ألا تبحر فيه إلا السفن
الإسلامية».
وقد ظلت
الدولة العثمانية حريصة على تطبيق هذا المبدأ حتى قرب نهاية القرن الثامن عشر، حيث
رست فيه وحوله سفن المنصرين.
- أقوال
وكتابات المنصرين تفضح المخطط الصليبي الخطير
وعندما
عاودت الصليبية العالمية من جديد محاولاتها تنفيذ مخططها الخطير الذي يستهدف
«الحرمين الشريفين» كانت عودتها إلى «الاستراتيجية الفكرية»، وبدأت تصريحات وأقوال
المستشرقين والمنصرين تركز وتسلط بشكل استفزازي على أهمية وخطورة رموز الإسلام،
والتي تمثل بالنسبة للمسلمين مكانة القداسة في وجدانهم وعقيدتهم.
وقد أخذ
لفيف من «المستشرقين» النصارى والغالبية العظمى منهم عملوا في مجال التنصير
يتحاملون على الإسلام وعلى نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، وبدأت تظهر في أقوالهم
وكتاباتهم «مكة المكرمة» و«المدينة المنورة».
وهذا هو
المستشرق الفرنسي «كيمون» في كتابه «باثولوجيا الإسلام» يقول- والحقد ينضح في كل
كلمة من كلماته على الإسلام ورسوله الكريم: «... وما قبر محمد إلا عمود كهربائي
يبعث الجنون في رؤوس المسلمين، فيأتون بمظاهر الصرع والذهول العقلي، وتكرار لفظ
«الله» إلى ما لا نهاية، والتعود على عادات تنقلب إلى طباع أصيلة؛ ككراهية لحم
الخنزير والنبيذ والخمر والموسيقى... وأعتقد أن من الواجب إبادة خمس المسلمين،
والحكم على الباقين بالأشغال الشاقة، وتدمير الكعبة، ووضع قبر محمد وجثته في متحف
اللوفر»!
ماذا يقول
هذا المجنون.. إنه ينطق بما تحويه المخططات الصليبية العالمية! ويبدو أن قائد جيوش
الصليبيين الإنجليز في حملة السودان قد نفذ وصية هذا المجنون الفرنسي «كيمون»،
فهجم على قبر «محمد أحمد» زعيم المهدية، ونبشه، ثم قطع رأسه وأرسلها إلى
«عاهر» إنجليزي في لندن، وطلب إليه أن يجعلها مطفأة لسجائره!
ومنذ ذلك
التاريخ، كانت أول محطة صليبية «إرسالية تبشيرية» قد أقيمت في الخليج العربي «في
البحرين» عام ١٨٩٤م، على يد شيخ المنصرين القس الأمريكي «صموئيل زويمر» حيث
اعتمدتها الصليبية العالمية محطة للعمل التنصيري بدلًا من «البصرة» في العراق،
للبدء في غزو منطقة الخليج، والانطلاق إلى «مكة المكرمة» و«المدينة المنورة»!
وقد صرح
«زويمر» في عام ١٩٠٥م بذلك حين قال: «إن الطريق إلى «مكة» يبدأ من الخليج.. وإن
نجاحنا في الخليج سيفتح أمامنا آفاقًا جديدة في الشرق».
وقبل
«زويمر» بعام واحد، كانت عبارة المنصر الصليبي الخطير «وليم جيفورد بالكراف»، حين
قال في عام ۱۹۰٤م ما نصه: «متى يتوارى «القرآن» ومدينة «مكة» من «بلاد العرب»، يمكننا
أن نرى «العربي» يندرج في سبيل «الحضارة» التي لم يبعده عنها إلا «محمد» و«كتاباته»!
وهكذا
ظهرت كلمة «مكة المكرمة» في مخططات الصليبية العالمية من جديد، من خلال أقوال
وكتابات المنصرين، وبان للعيان أن المخطط القديم الخطير مازال يعمل بسوداوية
مقيتة، مستهدفًا أقدس المقدسات الإسلامية خاصة بعد أن قال «زويمر» في كتابه
«العالم الإسلامي اليوم» الذي صدر في أوائل القرن العشرين، وبالتحديد في عام
١٩٠٧م- معقبًا على فكرة المنصر الصليبي «بالكراف» ما نصه: «وقد أدرك أهمية هذه
«الفكرة» القس «يانج» -صاحب التقرير الشهير عن «التبشير في جزيرة العرب»، فجعلها
نصب عينيه في كل الأعمال قائلًا: ولكننا نتساءل عما إذا كان قد حان الوقت للعمل
بها! وعما تكون نتيجة التبشير حينئذ».
وفي عام ۱۹۱۰م، وأثناء
انعقاد «مؤتمر أدنبره التنصيري» الذي عقد في ۱۸ یونیو ۱۹۱۰، نادی المنصر
الخطير «تيسدال»: «بضرورة تقوية «حركة التبشير» في مصر وفارس والشام، ليتمكن التبشير
بعد ذلك، من فتح البلاد الصعبة، مثل الجزيرة العربية، وبلاد الأفغان».
وفي ذات
المؤتمر، تحدث المنصر الأمريكي «صموئيل زويمر» عن «المشكلة المحمدية» التي تواجه
«المبشرين»، وحبذا أن تفتح مراكز «للتبشير» على طول ساحل الجزيرة العربية وخاصة في
«جدة» التي تعتبر ميناء «مكة»، وبطبيعة الحال من أجل الوصول والزحف إلى «مكة
المكرمة» و«المدينة المنورة».
وهكذا
أصبح المخطط الصليبي، الذي يستهدف الأماكن المقدسة في «مكة المكرمة» و«المدينة
المنورة»، له أهداف مرحلية في الخليج العربي، ولتحقيق ذلك أنشئت أول إرسالية
تنصيرية في «الكويت» في عام ۱۹۱٠م متزامنة مع انعقاد مؤتمر أدنبره التنصيري!
- الوثائق
السرية والمؤتمرات التنصيرية والمخطط الصليبي الخطير
وقد كان
لأقوال وتصريحات المستشرقين والمنصرين الصليبيين هذه بالغ الأثر في تنبيه أذهان
المسلمين وقادتهم إلى خطورة مخططات الصليبية العالمية، التي تستهدف الأماكن
المقدسة فأخذوا يتصدون لأساليب المنصرين، وكتابات المستشرقين بكل حزم، حتى اختفت
من تصريحاتهم وكتاباتهم العلنية أية إشارات صريحة عن رموز الإسلام المقدسة، وإن
كانت التقارير والمؤتمرات السرية الصليبية العالمية لم تنس إبداء المشروع
الأسود الذي لا يزال يراود خيالهم المريض؛ ففي المركز العام للوثائق التاريخية
بمدينة «لندن» توجد وثيقة خطيرة للغاية تذكر صراحة «مكة المكرمة» و«المدينة
المنورة»، وهذه الوثيقة كتبها أحد وزراء المستعمرات البريطانية السابقين ويدعى «أورمبي
جو»، وتعود هذه الوثيقة إلى عام ١٩٢٥، حيث تشير إلى أن رغبة الصليبية العالمية
كانت وما تزال تتجه إلى «غزو الحرمين الشريفين».
تقول
الوثيقة الصليبية: «إن الحرب علمتنا أن الوحدة الإسلامية هي الخطر الأعظم الذي
ينبغي على الإمبراطورية (البريطانية -طبعًا) أن تحذره وتحاربه.. وإننا في السودان
ونيجيريا ومصر ودول إسلامية أخرى شجعنا -وكنا على صواب- نمو القوميات المحلية، فهي
أقل خطرًا من الوحدة الإسلامية أو التضامن الإسلامي، وإن سياستنا الموالية «للعرب»
في الحرب العظمى (يقصد الحرب العالمية الأولى ١٩١٤)، لم تكن نتيجة متطلبات
«تكتيكية» ضد القوات «التركية»، بل كانت مخططة لغرض أهم، وهو إبعاد سيطرة الخلافة
على المدينتين المقدستين «مكة والمدينة»، فإن العثمانيين كانوا يمدون سلطانهم
إليها لمعان مهمة».
ثم يأتي
بعد ذلك المنصر الأمريكي الصليبي «روبرت ماكس»، ويتبجح قائلًا: «لن تتوقف جهودنا
وسعينا في تنصير المسلمين حتى يرتفع الصليب في سماء «مكة» ويقام قداس الأحد في
«المدينة»!
يا للهول..
«مكة المكرمة» و«المدينة المنورة»! إن المؤامرة جد خطيرة، وإصرار الصليبية
العالمية قائم، وأسود.. والمسلمون نائمون.. حالمون! والنصارى يخططون ويدبرون في
مؤتمراتهم السرية والعلنية.