العنوان التزام الأديب المسلم ... وحريته
الكاتب الأستاذ الأديب الداعية د. عبد الباسط عبد الرزاق بدر
تاريخ النشر الثلاثاء 23-مايو-1989
مشاهدات 85
نشر في العدد 917
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 23-مايو-1989
نفتقد السلطة المسلمة ونخشى أن تحول السلطات في بعض البلدان الالتزام إلى إلزام.
النقد الأدبي لا يشكل سلطة تحد من حرية الأديب المسلم.
الخلفاء الراشدون لم يلزموا شاعرًا أن يقول في موضوعات معينة.
فضيلة الشيخ أبو الحسن الندوي رئيس رابطة الأدب الإسلامي.
ألا يؤدي الالتزام إلى تقييد حرية الأديب المسلم؟ ألا يتحول- ولو بعد حين- إلى سلطة خارجية توجه تجربته وتصادر مشاعره الخاصة؟
الالتزام والإلزام:
إذا أخذنا بالاعتبار تجربة الواقعية الاشتراكية مع الالتزام، ورأينا كيف تحول «الالتزام» إلى «إلزام»، يفرض على الأديب موضوعات معينة، ويضيق ميادين إبداعه، ويبعده عن ذاته؛ فهل نرضى لأديبنا المسلم أن يقع في الشرك الذي وقع فيه الأديب الاشتراكي، أو من فرضت عليه الاشتراكية؟!.
أسئلة أخرى كثيرة يمكن أن تنبت في وجه دعاة الالتزام، تنتهي كلها إلى الخوف على حرية الأديب من أن تحد، والقلق على إبداعه من أن تجف نضارة الحياة فيه، ويتحول إلى كلام منمق لا روح فيه ولا عاطفة!!.
ولا شك أن التجربة المريرة التي قاسي منها أدباء كثيرون في الاتحاد السوفياتي وعدد من البلاد الاشتراكية الأخرى تثير تلك الأسئلة والشكوك.
غير أن من يمعن النظر في طبيعة الإسلام، وطبيعة الأدب الذي يرتبط به سيجيب- بيقين كامل- على تلك الأسئلة بالنفي، وسيثبت بسهولة أن تلك التحفظات لا مكان لها على الإطلاق، فالوقوف على
التزام الأديب المسلم ... وحريته
حرية الأديب سببه الأكبر وجود سلطة متسلطة تتدخل في تجربته، سواء بالترهيب والتهديد أو بالترغيب واستقطاب المنافقين وطلاب المنافع الرخيصة.
فأين هذا في مجتمعاتنا الإسلامية: السالفة والمعاصرة؟! وهل حدث في تاريخنا الأدبي أي لون من ألوان «الإلزام» هذا؟ وهل من طبيعة النظام الإسلامي أن يفرض على الأديب شيئًا منه؟. وهل يمكن أن يقع في مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة، أو القادمة؟!.
أما مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة فلا يمكن أن يظهر فيها «إلزام» للأديب المسلم، لأن هذه المجتمعات تتوزع في قسمين متفاوتين في نسبتهما
القسم الأول: ويضم قدرًا وافرًا من المجتمعات الإسلامية، يسكن فيها الإسلام في قلوب الأفراد، وفي كثير من مظاهر حياتهم، ولكنه يغيب- أو يتقلص إلى حد كبير- عن السلطة ونظام الحكم.
فمنذ أن اجتاحت التغيرات معظم البلاد الإسلامية في العصر الحديث أدخلت إليها شوائب كثيرة، وأذاقت الشعوب الإسلامية مرارات متوالية، بدءًا بمرارة الاحتلال الأجنبي، ومرورًا بسلسلة الانقلابات والثورات المحبوكة، ووصولًا إلى المفاسد الأخلاقية... وقد ركزت تلك التغيرات على أنظمة الحكم، وحرصت على «علمانيتها» قدر الإمكان، وربطتها بأنظمة شرقية أو غربية أو خليط من هذا وذاك... وأبعدت- ما استطاعت- قواعد الحكم الإسلامي الصحيح.
الالتزام والسلطة:
إذن فنحن نفتقد في هذا القسم من مجتمعاتنا الإسلامية السلطة المسلمة التي نخشى أن تحول «الالتزام» إلى «إلزام» وتوجه الأدباء إلى موضوعات إيمانية محددة وقضايا إسلامية معينة.. فالسلطة القائمة فيها لا يهمها على الإطلاق أن يكب الأديب المسلم على القضايا الإسلامية ويشغل بها وجدان المجتمع وتنبههم إلى ما هم فيه... وبالعكس تمامًا.. ربما يهمها أن تشجع أنماطًا مضادة من الأعمال الأدبية، وربما تطارد الأدباء المسلمين الملتزمين، وتضع نتاجهم في قائمة الممنوعات.
وأما القسم الثاني من مجتمعاتنا الإسلامية، فهو الذي تقوم فيه سلطة إسلامية تطبق الشرع في نظام الحكم، أو تغلبه عليه، وهذا القسم لا يمكن أن يحول «الالتزام» إلى «إلزام»، لأنه بفهمه الدقيق لطبيعة النظام الإسلامي لا تفوته القاعدة الكبيرة فيه: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة:256)، ولأنه يعرف حق المعرفة أنه ليس في تاريخ الدول الإسلامية سابقة واحدة حولت فيها السلطة الشرعية الالتزام إلى إلزام، ولم يحدث قط أن فرضت على الأدباء أن يقولوا في موضوعات معينة.. حتى في أحلك ظروفها، وحينها كانت في حاجة إلى الكلمة المقاتلة، الكلمة المدافعة عن المجتمع ضد الأدب المعتدي.. لم «يفرض» على الأدباء أن ينزلوا إلى الخنادق، ويوظفوا قرائحهم في المواجهة الشرسة، وقد مر بنا في الحلقة الماضية المثال الأكبر الذي نقتبس منه قواعدنا ومناهجنا...
مثال المجتمع الإسلامي الأول، عندما تعرض إلى هجمات قاسية شنها شعراء المشركين في مكة، وتطاولوا على الإسلام والمسلمين، وافتأتوا على الأعراض الطاهرة، وافتروا عليها ما شاءت لهم جاهليتهم وحقدهم أن يفتروه وأشاعوا شعرهم في الناس ليبلغ المسلمين ويؤذيهم، ورأينا كيف أقبل بعض المسلمين على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يتوجعون من حراب الشعر المسمومة، فما كان من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلا أن وجههم إلى مواجهة الحرب الأدبية بما يكافئها، واستخدام الأسلحة ذاتها، وانتقاء الكفاءة الأعلى ليقود المواجهة، في ذلك الموقف الدقيق.. لم يلزم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أحدًا من الشعراء بشيء، وأكتفى باستنهاض الكفاءة الأعلى- حسان بن ثابت- بالإشارة وليس بالتكليف.. ثم شجعه ودعا له.. وطوال مدة المواجهة التي استمرت من السنة الثانية إلى السنة الثامنة للهجرة- حيث أوقفت الحرب الهجائية بعد الفتح- لا نجد خبرًا واحدًا يبين أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تدخل في سير المعركة الأدبية، أو ألزم حسانًا بأمر معين، بل لا نجد في سيرته- صلى الله عليه وسلم- أنه ألزم أيًّا من الشعراء الآخرين بالانخراط في المواجهة.
ونحن نعلم أنه أسلم قبل الفتح عدد من الشعراء، كالعباس بن مرداس والنابغة الجعدي والأقرع بن حابس وعلي بن أبي طالب وصفية بنت عبد المطلب وأبو سهيل بن جندل... وغيرهم.
ولا نجد- كذلك- في سيرة الخلفاء الراشدين- رضوان الله عليهم- أنهم ألزموا شاعرًا أو خطيبًا أن يقول في موضوعات معينة، أو يخصص إبداعه، أو حتى معظم إبداعه، لقضية من قضايا المجتمع الإسلامي- آنئذٍ- رغم كثرة الشعراء والخطباء، ومواكبتهم لحركة الفتوحات الإسلامية في الأمصار المختلفة، على نحو ما رصده المرحوم الدكتور النعمان القاضي في كتابه المشهور: شعر الفتوح الإسلامية في عصر صدر الإسلام. بل ولا نعرف إمارة إسلامية، قد فعلت شيئًا من ذلك..
إذن «وقد تبرأت مجتمعاتنا الإسلامية التي كانت السلطة فيها تطبق الشريعة الإسلامية أو تغلبها، من شبهة إلزام الأدباء بشيء من القضايا الإسلامية العامة» تقول بيقين كامل: لا خوف على الإطلاق من أن يتحول الالتزام في ظل السلطة الإسلامية الصحيحة إلى إلزام، وليس ثمة شبه بين الالتزام في ظل الواقعية الاشتراكية وأنظمة الحكم الاشتراكية والالتزام في ظل الأدب الإسلامي وأنظمة الحكم الإسلامية.. فالفرق ليس في وجود السلطة أو غيابها وحسب، إنما الفرق في صميم النظام الإسلامي الذي ينص بوضوح وصراحة وقوة: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ ﴾ (البقرة: 256).
كيف تكون دعوة الالتزام؟
وهنا ينبت سؤال آخر:
كيف تكون دعوة الالتزام إذن ؟؟ وما دعائمها المعنوية إن غابت دعائمها السلطوية؟.
والجواب: إن دعوة الالتزام في ظل الأدب الإسلامي هي استثارة لوجدان الأديب المسلم، وإيقاظ لكوامن العقيدة فيه، وتجاوز لكل غشاوة أو غلالة تحجب الأديب المسلم عن رؤية واقعه رؤية صحيحة.. وتذكير للأديب المسلم بقضايا الإسلام والمسلمين، ليلتفت إليها بدافع حقيقي من إيمانه هو، لا بدافع محاباة السلطة- إن وجدت- ولا بدافع التظاهر والمجاراة.. فالمحاباة والتظاهر والمجاراة ظواهر يرفضها الإسلام.. وقد يصنفها في صنف النفاق.. ولا أحد يجهل موقع النفاق والمنافقين في الأحكام الشرعية.
والدعوة إلى الالتزام مهمة النقاد في رأينا، وليست مهمة السلطة، ومتابعته وتنظيره وقواعده عمل نقدي محض، يسري عليه ما يسري على نظريات النقد الأدبي الإسلامي ومقولاته، وليس قانونًا سلطويًّا يحمل السيف... ولا حتى العصا.
إننا نعتقد بأن الأدباء الذين يرتبطون بعقيدتهم ارتباطًا صادقًا هم أدباء ملتزمون غالبًا، أيًّا كانت العقيدة، حتى الأدباء الذين اعتنقوا عقائد فاسدة باطلة عن اقتناع كامل يصورون في إبداعهم عما اعتنقوه، ويلونون به نظراتهم للعلاقات الإنسانية في الحياة والكون، والأديب المسلم الذي يرتبط بالعقيدة الإسلامية ارتباطًا واعيًا قويًّا صادقًا أديب ملتزم قد تشغله الشواغل عن التزامه، أو تحوله عنه بعض الصدمات والمفارقات... آنئذ يقوم النقد بوظيفته ويساعد الأديب على الخلاص من معوقاته، والصحوة من غفوته، ويعينه على استعادة الرؤية الصافية.
الالتزام وقضايا الأديب الفردية:
والالتزام في ظل الأدب الإسلامي لا يعني إطلاقًا صرف الأديب عن قضاياه الفردية وإحساساته الخاصة، ولا يعني منعه من البوح الذاتي ومحادثة النفس.. ففي يقيننا أن كل شيء في الأدب.. وكل قضية لا تعالج معالجة صحيحة إلا من خلال الوجدان الفردي والمشاعر الخاصة... وقضايا الأمة الإسلامية لا يصح أن يعرضها الأديب إلا بعد أن تتغلغل في ذاته وتمتزج بأحاسيسه وتخرج رؤية فردية لأديب مسلم يكون نموذجًا للشخصية المسلمة «المؤمنة».
وكذلك لا يحجر الالتزام في ظل الأدب الإسلامي على القضايا الخاصة للأديب.. ولم يفعل ذلك في تاريخه.. فلا ضير أن يعالج الأديب- إلى جانب قضايا الشخصية المسلمة والمجتمع المسلم- قضاياه الخاصة، وأن يحدثنا عن حبه وتأملاته وعلاقاته الخاصة... بل ولا بأس أن يشغل هذا الحديث قدرًا وافرًا من أدبه، أو أن يختلط بالقضايا الأخرى... وهذا ما يفعله الأدباء المسلمون الذين تجردوا لقضايا الإسلام والمسلمين منذ حسان بن ثابت إلى عمر بهاء الأميري ومحمد الحسناوي وعبد الرحمن العشماوي وبقية الأدباء المسلمين «الملتزمين»، في عصرنا الحاضر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل