; زخرفة المصحف جمال.. وإحياء للفن الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان زخرفة المصحف جمال.. وإحياء للفن الإسلامي

الكاتب صهيب جاسم

تاريخ النشر السبت 30-نوفمبر-2002

مشاهدات 83

نشر في العدد 1529

نشر في الصفحة 58

السبت 30-نوفمبر-2002

مؤسسة البركة الماليزية، أو «ياياسان رستو» كما هو اسمها بالملايوية -التي أصدرت طبعة «مصحف ماليزيا».. مشروع متميز له أدوار جديدة تمثل انطلاقة لإحياء الفن الإسلامي في عملية يكون إصدار طبعات فاخرة من المصحف الشريف محورًا أساسيًا في مسيرتها. هكذا كانت انطباعاتي في ختام زيارتنا لمقر المؤسسة في إحدى ضواحي العاصمة كوالالمبور والذي يحتاج زائره إلى أيام حتى يعرف قيمة اللوحات الفنية التي تصنعها أيادي الفنانين هناك، وقد صاحبنا في جولتنا عبد اللطيف ميراسا رئيس مشروع مصحف ماليزيا والسيدة فوزية فائز مديرة تنمية الأعمال وأحمد مسلان السكرتير التنفيذي والحاجة نور عيني محمد زين مديرة المشروع النسائي بالمؤسسة.. وآخرون.

طبعة «مصحف ماليزيا»: كانت البداية قبل 8 سنوات حتى اكتمل المشروع ونشر «مصحف ماليزيا» الذي يعد الإصدار الأول من إصدارات المؤسسة وهو العمل الرئيس خلال خمس سنوات، كان العامان الأولان مخصصين للبحث والدراسة والوصول إلى مرحلة نضوج الفكرة، وأنفق خلالهما ۱٫۸ مليون رنغكت ماليزي «٤٧٠ ألف دولار تقريبًا»، مع أن تلك الفترة كانت خلال الأزمة المالية الأسيوية التي كان لها أثارها المؤلمة اقتصاديًا، ثم ركزت السنوات الثلاث التالية على الكتابة والزخرفة.

شركة «بلاك أند براون» العاملة في مجال الدعاية والإعلان والنشر التي يمتلكها عدد من الأقارب بمن فيهم الحاج زين الدين عبد الرحمن صاحب الخبرتين الدعائية والإدارية، تكفلت بالمشروع في العامين الأولين اللذين كانا لإجراء المسح محليًا وعالميًا لمعرفة ما هو متوافر لدى الدول الأخرى في مجال زخرفة وخط المصحف الشريف، ثم استعين بمؤسسة «رستو» التي كانت مسجلة بالفعل لكنها كانت غير نشطة فاستخدم اسمها وسجلها الرسمي لهذا الغرض..

أربعة شبان.. خطوا النسخة الأولى من مصحف ماليزيا الموجودة في الأسواق حاليًا تم تدريبهم في ريعان شبابهم «18 - 25 عامًا» حتى صار الواحد منهم لا يميز خطه من بين خطوط زملائه الآخرين أو أعطي نماذج من الصفحات المخطوطة، وكان الهدف من ذلك أن يقوم العمل على روح جماعية وألا يقتصر الإنجاز على خطاط دون آخر.

وقد تم طبع ٥٠ ألف نسخة من الطبعة الأولى الرئيسة وتبع ذلك ٣ طبعات أخرى توشك الطبعة الأخيرة منها على النقاد، وتباع بالأسواق بقيمة 50 رنغکت ماليزي «13 دولارًا تقريبًا»، غير أن التسويق -عالميًا وحتى إقليميًا- لم يتم بشكل مكثف، إذ تبدو المؤسسة مهتمة بالسوق المحلية، مع بيعها كميات في بعض الدول المجاورة كسنغافورة، وتقول السيدة فوزية فائز إن المؤسسة تعمل على رسم خطة لنشر طبعات من مصحف ماليزيا في الأسواق العالمية مع نهاية العام الحالي مع انشغال المؤسسة بإنهاء مشاريع الطبعات الأخرى، ولأنها تلقى دعمًا رسميًا. فليست هناك حاجة ماسة للانشغال بالتسويق الخارجي لجلب موارد مالية حتى الآن على الأقل.

 

تتبع مسيرة انتشار الإسلام

الصفة المميزة لأولى النسخ المزخرفة أن كل جزء مزخرف برسومات تختلف عن الأجزاء الأخرى، فكل جزءين من أجزاء القرآن المجيد مزخرفان بزخارف إحدى الولايات الماليزية الأربع عشرة ليصبح المجموع ۲۸ جزءًا، أما الجزءان الأول والأخير من القرآن فقد خصصا لزخارف تجمع خواص زخارف الولايات جميعًا، وجاء ترتيب زخارف أجزاء القرآن حسب ترتيب وصول الإسلام إلى ما يعرف اليوم بماليزيا: فالجزءان الثاني والثالث لولاية كلانتان باعتبارها أولى ولايات ماليزيا استقبالًا لنور الإسلام، جاءت بعدها ولاية ترنغانو، قدح، ملاقا، جوهور، بهانغ جزيرة بينانغ، بيراق، نغري سمبلان، سلانغور، برليس كوالالمبور وهذه جميعًا ضمن ماليزيا الغربية، وأخيرًا ولايتا سراواك وصباح في ماليزيا الشرقية اللتان وصلهما الإسلام متأخرًا عن الولايات الأخرى المذكورة.

وكما أن الرسوم مستوحاة من البيئة الملايوية فإن أمرًا آخر يجذب الانتباه وهو نوع القصبات الخشبية التي يخط بها القرآن، فبالمقارنة مع قصبات خطاطي العرب والفرس والهنود التي تم تجميعها وعرضها في المؤسسة فإن القصبات المستخدمة من قبل الخطاطين الماليزيين تتسم بأن قطرها أقصر، ويعلل الخطاطون ذلك بأن الله تعالى جعل في البيئة التي يعيش فيها كل قوم ما يناسبهم حتى القصبات الخشبية التي يخطون بها كتبهم أصغر لأن حجم يد الخطاط الماليزي تكون في الغالب أصغر ولا تحتمل الإمساك بقصية متينة يمسك بها خطاط فارسي أو تركي!

 

الرسم العثماني هو الأفضل

وقد تم إقرار الرسم العثماني بعد استشارة العديد من المختصين في العالم الإسلامي ودراسة نماذج من صفحات تم خطها بخطوط أخرى كالكوفي والديواني والثلث وغيرها، حيث وجد أن هذه الخطوط ستكون متعبة في القراءة خصوصًا للأعاجم الذين هم جمهور المؤسسة، بينما يتسم الرسم العثماني بالوضوح والبساطة مع جماله وإنسيابيته المريحة لعين القارئ وخلوه من تعقيدات فنية تتصف بها الخطوط الأخرى قد لا يفهمها كثير من الناس، واعتماد الرسم العثماني -وهو أوضح الخطوط وأكثرها شيوعًا في العالم الإسلامي- في خط آيات الذِكر الحكيم لم يمنع وجود تفاصيل دقيقة معقدة في زخارف إطار الصفحة وزخرفات بداية القرآن ومنتصفه «أول ۸ آيات من سورة الكهف» ومنتهاه «المعوذتان» بالإضافة إلى زخارف علامات الترقيم.

المشروع مع أهميته لم يجد في البداية دعمًا كبيرًا حتى أثبت القائمون عليه جديتهم، فزارهم رئيس الوزراء الماليزي د. محاضير محمد واستغرب من حفظ أولى النسخ المزخرفة والمذهبة المكبرة في دولاب خشبي كبير أعده النجارون لهذا الغرض، وقال بأن هذا يستحق الحفظ فيما هو أفضل من هذا، وطلب تسجيل هذه النسخة في شركة تأمين لتسهيل تعويض المؤسسة مالياً لو أصاب النسخة ضرر ما، وقد وافقت إحدى شركات التأمين على التعهد بتعويض المؤسسة بتأمين قيمته بـ ٢٥ مليون رنغكت «٦,٦ مليون دولار أمريكي» في حال أصيبت النسخة بضرر.

 

لماذا زخرفة القرآن؟

يستهدف مشروع مصحف ماليزيا إنتاج طبعات من القرآن مخطوطة بأيدي خطاطين ماليزيين ومزخرفة بالكامل كوسيلة لإحياء الثقافة القرآنية بين أفراد المجتمع، وقد اهتم القائمون على المشروع بإعداد صفحات فاخرة الزخرفة تليق بمكانة القرآن الكريم، معتبرين ذلك عبادة وعملًا يبتغون بها وجه الله سبحانه وتعالى، وتقول المؤسسة بأن الفنانين المسلمين الذين يعملون في المشروع اندفعوا إلى الإبداع في إنتاج طبعات جديدة لكتاب الله رغبة في الثواب، وتذكيرًا للأجيال الصاعدة بهويتهم الإسلامية وشخصيتهم الملايوية الحقيقية في وجه صيحات التغريب والإبعاد عن دينهم، كما أنهم يعتبرون التصميم وسيلة من وسائل التربية والتثقيف، «والطريقة المتبعة لتقييم منزلة أي زخرفة تكون بمعرفة مدى علاقة الزخرفة تلك بمفهوم التوحيد، ومن هنا يفهم الغرض الذي من أجله استعملت الزخرفة في تزويق صفحات القرآن الكريم».

وتنبع أهمية الزخرفة في تعزيز الهوية الثقافية للمجتمع الملايوي المسلم وربط هذه الهوية جذريًا بالقرآن الكريم، والانطلاق من نفس القواعد التي تحكم بإسلامية فن ما أو عدمه نحو مجال فسيح للفن الإسلامي، حتى يستعيد فن الزخارف مكانته في ثقافة المجتمع المسلم، مع التركيز في ذلك على توحيد الخالق وغرس معالم هوية الأجيال الجديدة من خلال الفن وبناًء على ما جاء في كتاب الله تعالى، «فإذا لم تذكر الزخارف الإنسان بمفهوم التوحيد وبدون أن تربطه بخالقه سبحانه وبدون أن تكون موافقة للشرع لا يمكن اعتبارها -من وجهة نظر الفنان المسلم- جميلة».

الهدف الدعوي لم يغفله القائمون على المشروع، إذ يعتبر مشروع زخرفة المصحف وإصدار طبعات فاخرة منه وسيلة لجذب أنظار غير المسلمين إلى القرآن والتعرف على الإسلام، فهذا العمل شكل من أشكال التأكيد على القيمة الغالية للمصحف وأنه أغلى كتاب على وجه الأرض لأعظم دين، خصوصًا وأن الديانات الأسيوية الأخرى تهتم بالجانب الفني كزخرفة المعابد والكتب المقدسة لهم.

لكن المشروع لم يسلم من النقد باعتبار أن تلك الزخارف والطباعة الفاخرة شكل من أشكال «الترف الفني» وأن القرآن الكريم ليس بحاجة إلى تزيينه ولكنه بحاجة إلى فهمه وتطبيقه من أجل أن تنهض الأمة ويعود مجد دينها ويمكّن له في الأرض، وهنا يرد المؤيدون المؤسسة البركة بالكثير من الردود وبكل هدوء كما لاحظت ومنها أن ما يقومون به لن يعرقل مسيرة نهضة الأمة المسلمة ولن يدفع من يريد أن يفهم القرآن ويفقه معانيه إلى أن يتجاهل ذلك منشغلًا باللوحات الفنية التي تزين صفحات طبعته الماليزية، فما يقومون به هو محور من محاور إحياء الفن الإسلامي الذي كان مظهرًا مهمًا من مظاهر الحضارة الإسلامية في أوج عهودها.. فقد ظهرت في تاريخ المسلمين الكثير من نماذج المصاحف الزخرفة والمذهبة كمصحف محمد أيبك بن عبد الله وعمر هذا المصحف ٧٢٢ عامًا ومصحف شمس الدين ابن حسام باشنكري ومصحف ترنغانو وغيرها.

 

فن استيحاء الزخارف والرسوم

الأمر الآخر الذي يتميز به المشروع هو البراعة في فن استيحاء الرسوم والزخارف، فالكثير من الذين يزخرفون يوصفون بالتقليد إلى حد كبير أو بمحاولة إجراء تعديلات على زخارف سابقة، والكثير من هذه الزخارف قد يكون جميلًا بحد ذاته لكنه لم يظهر من خلال عملية استيحاء عميقة، فمثلًا إحدى الزخارف التي اختيرت من ولاية جوهور بنيت على أساس فاكهة الأناناس المنتشرة هناك ثم الوردة الحمراء لشجرة الأناناس ثم الاستفادة من زخارف مسجد السلطان «أبوبكر» ومزجت هذه «البواعث» أو «الحوافز» أو «العناصر» لتظهر لنا زخرفة جديدة لجوهور لم تعرف من قبل، وزخرفة أخرى استوحيت من زخارف مسجد السلطان «أبوبكر» أيضًا مع زخرفة لأحد الألبسة النسائية التقليدية المعروفة منذ مئات السنين ثم الاستفادة من زخارف مجوهرات جوهور النسائية ثم الزخارف التي تزين بها منصة مراسيم الزواج بالولاية، وبالطبع فإن الذي ينظر إلى الزخرفة النهائية لن يتعرف على أصلها بسهولة!..

كما استخدمت تقنيات برمجيات الحاسوب في الإخراج الفني والتخطيط الهندسي لإنزال الزخارف المرسومة يدويًا على الكمبيوتر، مما سهل الاحتفاظ بقاعدة معلومات عريضة من «العناصر الفنية» والزخارف الحديثة والقديمة التي يمكن الاستفادة منها في إصدار زخارف وأعمال فنية أخرى.

الرابط المختصر :