العنوان سوداني عميل للمخابرات الأمريكية يشهد ضد وطنه
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-2001
مشاهدات 65
نشر في العدد 1439
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 20-فبراير-2001
فصل جديد في الحرب الأمريكية على السودان
يخشى السودانيون أن تكون الولايات المتحدة قد بدأت فصلًا جديدًا من مؤامراتها المتلاحقة ضد السودان ذي التوجه الإسلامي.
ظهرت بوادر هذه التوجسات عندما بدأت المحكمة الجزئية في «منهاتن» بنيويورك محاكمة من اتهمتهم بتفجير سفارتي الولايات المتحدة في دار السلام، ونيروبي حيث استعانت هيئة الاتهام بعميلها السري السوداني الجنسية واسمه جمال أحمد محمد فضل ليقوم بدور شاهد الملك بعد أن باع نفسه للمخابرات الأمريكية مقابل العفو عنه وإطلاق سراحه إذ إنه كان مسجونًا في سجون أمريكا لمدة عامين ووعده الأمريكيون بمنحه ۲۰ ألف دولار لبداية مرحلة جديدة من حياته.
الشاهد العميل ركز في شهادته على علاقة أسامة بن لادن بالحكومة السودانية وبالجبهة الإسلامية في السودان ونشاطاته التجارية والاقتصادية وادعى أن علاقة بن لادن بالاستخبارات السودانية كانت وثيقة.
وبعد أن حاول إقحام السودان في حادثتي التفجير أثار الشاهد الملك السوداني قضية جديدة في سلسلة توريط المسؤولين السودانيين، فقد ادعى جمال الفضل أنه كلف بواسطة جهات سودانية لأن يجتمع بالصادق المهدي زعيم حزب الأمة السوداني والحصول منه على معلومات بشأن عمله مع حركة التمرد.
وقال الشاهد إنه بالفعل التقى المهدي وتعرف آراءه ولكنه رفض الكشف عن تاريخ ومكان اللقاء الذي جرى حسب ادعائه خارج السودان، ومن أقواله أنه بعد رجوعه إلى السودان اجتمع مع ممثلين بالجبهة الإسلامية القومية الذين طلبوا منه العمل مع حزب الأمة بهدف اغتيال الصادق المهدي ولكنه أحجم عن تنفيذ العملية لأن الأمر لن يكون سهلًا حسب قوله.
هذا الادعاء ظاهر تلفيقه إذ إن ذلك الشاهد غادر السودان عام ١٩٩٦م في الوقت نفسه الذي غادر فيه بن لادن السودان وكان السيد الصادق المهدي وقتها موجودًا بالسودان ولم يغادره إلا في ديسمبر من العام نفسه، كما أن الشاهد اختلس أموالًا كثيرة فاقت المائة ألف دولار من بن لادن وكان مطلوباً من القضاء السوداني.
وفي شهادته أمام المحكمة اعترف فضل بالواقعة وأنه دخل الولايات المتحدة عام ١٩٩٦م وبدأ منذ ذلك التاريخ الاتصال بالمخابرات الأمريكية، فكيف يكلف بالاتصال بالصادق المهدي الموجود في ذلك التاريخ داخل البلاد في حين أنه هارب لأمريكا من العدالة السودانية لاختلاسه أموالاً من شركات بن لادن؟
المهدي نفى أن تكون حكومة الرئيس البشير الحالية ضالعة في مثل هذا الأمر ولم يستبعد وجود صفقة ما بين الشاهد السوداني والسلطات الأمريكية للإدلاء بأقوال مقابل الحصول على البراءة.
ماذا أرادت المخابرات الأمريكية من وراء تلفيق فرية اغتيال الصادق المهدي؟ لا شك أن لأمريكا مصلحة في وصم الحكومة الإسلامية في السودان بالإرهاب وهي تريد أن تؤكد للعالم بشهادة العميل السوداني أن السودان يمارس الإرهاب في الخارج بضلوعه في تفجير السفارتين بالتنسيق مع بن لادن، ويمارس الإرهاب في الداخل باغتيال زعماء المعارضة وتريد أن تؤلب النظام المصري الذي بدا أنه على ود ووفاق مع نظام الإنقاذ في الفترة الأخيرة بإثبات أن اغتيال المهدي كان سيتم في القاهرة أثناء وجوده هناك قبل عودته لبلاده.
فرية أخرى قال بها الشاهد حيث ادعى أن بن لادن متزوج من شقيقته وجاء نفي الفرية على لسان السيدة وصال المهدي حرم الدكتور حسن الترابي وشقيقة السيد الصادق المهدي.. وفي رد لها على سؤال صحيفة خليجية شككت السيدة وصال المهدي في كل المعلومات الواردة على لسان الشاهد الملك وقالت: إنها لا تعلم بزوجة سودانية لأسامة بن لادن رغم معرفتها الأكيدة بزوجاته الأربع وأشارت إلى أن بن لادن طُرد من السودان إرضاء لأمريكا ولكن الأخيرة ما زالت تطارد السودان بتلفيق التهم ونشر المعلومات الكاذبة، ونفت السيدة وصال المهدي أن تكون قد التقت أو رأت أسامة بن لادن في حياتها ولكنها قالت: «تربطني صلات قوية بزوجاته اللائي يعملن بعدد من الجامعات وليست بينهن سودانية».
لا أحد يدري كيف سيكون تصرف الإدارة الأمريكية الجديدة بعد الإفادات الكاذبة فالإدارة السابقة وبعد إفادات مماثلة كاذبة قامت بقصف مصنع للدواء في الخرطوم على ظن أنه مصنع للأسلحة الكيماوية.
من هو ذاك العميل؟
ولكن من هو الشاهد الملك جمال الفضل؟
کشفت صحيفة «أخبار اليوم» السودانية هوية العميل السوداني للمخابرات الأمريكية فقد اتصلت الصحيفة بأحد أفراد أسرة الشاهد فأفاد بأن جمال الفضل تخرج في المرحلة الثانوية وترك الدراسة وسافر إلى أمريكا عام ١٩٨٥م في غياب والده بعد أن استولى على مبلغ من المال كان من المفترض أن يودعه المصرف في حساب مصنع والده للزيوت.. ومنذ سفره انقطعت أخباره عن أسرته ولم تكن له أي ميول دينية عند مغادرته ولكنهم فوجئوا بحضوره للسودان عام ۱۹۹۰م حيث عمل في شركة يمتلكها بن لادن وترك العمل معهم عام ١٩٩٣م.
وأضاف قريب الشاهد أن الفضل اعتقل بواسطة الأجهزة الأمنية حيث قضى فترة تزيد على سبعة شهور ثم خرج إلى أمريكا تحت اسم مستعار ولحقت به أسرته بطريقة مجهولة مشيرًا إلى أن زوجته مصرية الجنسية سودانية بالتجنس ثم انقطعت أخباره عن الأسرة ولم يسمعوا به إلا وهو شاهد ملك ضد وطنه وزملائه.
ويرى المراقبون أن توقيت محاكمة المتهمين في حوادث تفجير السفارتين والإتيان بشاهد سوداني ليشهد ضد وطنه مقصود، وخاصة أن السودان يستقبل هذه الأيام مناسبات ثلاث عظيمة في الدلالة.
فالخرطوم يشهد معرضًا دوليًا يشارك فيه كثير من الدول الصديقة والشقيقة تعرض فيه منتجاتها راغبة في علاقات تجارية واستثمارية في السودان الواعد بعد تدفق النفط.
والمناسبة الثانية: استضافة السودان لقمة تجمع الساحل والصحراء حيث توافدت وفود الدول وعلى رأسها رؤساء دول ورؤساء وزارات. تجمع «س» و«ص» أي الساحل والصحراء يأتي بعد انعقاد مؤتمر دول الإيقاد في وقت لاحق بالخرطوم مما يؤكد أن السودان قد بدأ يستعيد دوره في القارة السمراء وفي المحيط العربي والإقليمي.
والحدث الثالث والمهم الذي يحزن أمريكا و حلفاءها هو عودة المجلس الوطني المنتخب وتنصيب الرئيس البشير رئيسًا لدورة ثانية في رئاسة الجمهورية والذي يتم بحضور ضيوف السودان من الرؤساء والزعماء الأفارقة الذين يحضرون قمة تجمع الساحل والصحراء.
مرة أخرى ماذا تبتغي أمريكا من وراء شهادة شاهد الزور السارق لمال والده ومال الشركة التي عمل بها؟ نتوقع مخططًا جديدًا وخطيرًا مفتوحًا على كل الاحتمالات من دولة تعيش غرور القوة وجنونها.