العنوان مسلمو أوروبا. الكم والكيف والمستقبل (٤) نموذج للمسلم الجديد
الكاتب د. أحمد عيسى
تاريخ النشر السبت 22-أغسطس-2009
مشاهدات 80
نشر في العدد 1866
نشر في الصفحة 50
السبت 22-أغسطس-2009
إذا نظرت إلى وضاءة وجهه وإشراقة بسمته، فستعلم أن للإيمان قوة تغيير
هائلة، وإذا عرفته عن قرب وهو يرتل القرآن ترتيلا ويتعلم الإسلام ويعلمه ويخطب
الجمعة في الجامعة، فستوقن أن المستقبل في هذه الديار لهذا الدين. مشاعر التفاؤل
والأمل تفوح حوله، وكلمات الإيمان العربية تتردد بين الجمل الإنجليزية وأنا
أحاوره، أو قل: أتعرف أكثر عليه عن قرب، وأبحث معه شؤون الأسرة والدعوة والعلم،
فيقربني كلامه من ربي ويزداد معه إيماني. إنه نموذج أقدمه بلا «رتوش» نموذج مشرف
لما نرجو أن يكون عليه شخصية المسلمين في مستقبل أوروبا. التقيت دانيال جاكسون «٢٥عامًا»
الطالب بالسنة النهائية في كلية الطب بجامعة «برمنجهام». وكان لي معه هذا الحوار:
في البداية حدثنا عن قصة إسلامك؟
منذ الطفولة كنت أنشد في «كورس» الكنيسة الإنجليكانية، وقد غرس ذلك في حب
الله ورسوله عيسى عليه السلام، وورثت عن أبي الصلاة لله كل ليلة قبل النوم. ورغم
تعاليم الكنيسة؛ فقد وجدت صعوبة الإيمان بأنني أستطيع أن أرى ربي متجسدا في صورة
المسيح عليه السلام، فلماذا يجب أن يأكل الإله ويشرب ليبقى حيا؟ لماذا؟ وكيف يصلي
لنفسه إذا كان وحده؟ ماذا وقع في الوقت بين «موت» عيسى و«قيامته»؟ أتذكر الآن
مناقشتي لهذه الأمور مع أمي وأنا صغير ووصولنا لنفس المحصلة وهي أن عيسى كان رجلا
عظيما أرسل من الله، ولكنه لم يكن هو الله نفسه. وأتذكر بوضوح ذات ليلة وأنا أتدبر
وأتفكر في اتساع الكون عندما ابتهلت إلى الله أن يهديني، وخلال ذلك العام كنت أرى
المسلمين يصلون أعلى الصالة الرياضية في مدرستي عندما كنت ألعب كرة السلة. وكأن
قصة عيسى «في حديقة الجثمانية» عادت إلى الحياة من أجلي، عندما أتى الجنود الرومان
ليقتادوه فسجد لله. قلت لنفسي: لماذا يصلي المسلمون بنفس الطريقة التي فعلها عيسى
ولكن المسيحيين لا يفعلون؟
لم أبدأ القراءة عن الإسلام حتى التحقت بالجامعة في سن السادسة عشرة، عندما
قابلت الكثير من المسلمين، وكان بعضهم ممن تحول إلى الإسلام، ودفعني هذا لأبحث
أكثر عن هذا الدين، فقضيت شهورا في قراءة معاني القرآن المترجمة للإنجليزية، وأبحث
عن سيرة سيدنا محمد ﷺ، وأحسست كأن الله خلال رحلتي يجيبني عن
تساؤلاتي في كل مرحلة، وبعد تسعة أشهر قررت أن أكون مسلما، والحمد لله كان هناك
عالم من كندا يزور بريطانيا، ودعيت لأسمعه في إحدى الجامعات المحلية، وبعد
المحاضرة نطقت صلى بالشهادة أمام نفر من الحاضرين!!
أحببت سماع القرآن بالعربية. وبعد اعتناقي الإسلام شجعني شيخ باكستاني على تعلم
التلاوة مبكرًا
الخشوع في الصلاة
ما الذي جذبك إلى الإسلام؟
الصلاة أول عنصر في الإسلام جذب اهتمامي وانتباهي، حيث رأيت الاستسلام الكامل
في السجود، ولمست الخشوع والتواضع. بالإضافة إلى كرم وأخلاق المسلمين؛ كما قال
حبيبنا عليه الصلاة والسلام: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» وأعتقد أن معظم من
دخل في الإسلام كان من خلال تأثره بطباع وأخلاق المسلمين، وهذا موجود في تاريخ
الإسلام حينما دخلت بلاد في دين الله دون حتى معرفة لغة القرآن.
هل هذا يعني أن هناك أشياء لا تعجبك في المجتمع الغربي؟
لا أستطيع القول بأنني أكره المجتمع الغربي، كان ذلك كل ما أعرف وكنت
سعيدا، وتستطيع أن تجد مميزات لكل مجتمع والغرب تفوق على الشرق في أمور كثيرة.
وعلى أية حال، كلما زاد التزامي بالإسلام زادت ملاحظتي لأنانية الناس في الغرب فكل
واحد يعيش لنفسه، وكذلك يفتقد الغرب البساطة والتواضع والحياء، ومع زيارتي للشرق
فإن هذه الميزات كأنها صارت نادرة عند المسلمين.
كيف حافظت على العلاقات القوية مع الإسلام والمسلمين بعد دخولك في دين الله؟
كانت دراسة وتعلم الدين أهم شيء عندي، وكنت تحت رعاية أحد المعلمين الشباب
من أصل باكستاني وكان قمة في النشاط والحيوية، وقد ساعدني لتوجيه وإشباع نهمي
للتعلم، وكان يشجعني باستمرار على الدراسة، وعلى صلة دائمة بي، وهذا ينبهنا إلى
أهمية حث الجميع الذين لهم صلة مع المسلمين الجدد على مواصلة تشجيعهم، وكان لي
أيضا صديق حميم من السود المتحولين إلى الإسلام، وكان الارتباط بصداقته سهلا لتشابه
الخلفية الثقافية.
موقف الأسرة.
ماذا كان رد فعل الأسرة عند إسلامك؟ وكيف تطورت العلاقة معهم؟
كان أبي منزعجا؛ إذ كان يعتقد أن الإسلام دين العرب والباكستانيين فقط ويتعجب
لماذا لا أستطيع أن أعبد الله مع بقاء ديانتي النصرانية. أما أمي فكانت أكثر
انفتاحا، ولكن كنت أشعر بعدم ارتياحها وبالنظر إلى ما حدث فإني لا أستطيع أن
ألومهما، حيث كان الأمر مجهولا لهما وكنت لا أزال يافعا، وأحمد الله على أن وهبني
هذه الأسرة العظيمة التي ما توقفت عن دعاء الله في كل صلاة في كل يوم أن يهديها
لهذا الدين.
وقد وقعت في الخطأ الشائع من كل متحول إلى الإسلام، وهو محاولة إقناع أسرتي
بالأدلة العقلية والنصوص المقدسة لذا فإني أنصح كل المسلمين الشباب الجدد أن
يحصلوا العلم أولًا، وأن يُظهروا جمال الإسلام خلال أخلاقهم ومعاملتهم لوالديهم
وأن يتركوا الجدال وراء ظهورهم.
وعلى مدى الأعوام الثمانية السابقة اكتملت موافقتهما على إسلامي، وكثيرا ما
يدافعان عن الإسلام مع أصدقائهما الذين يستقون معلوماتهم عن الدين من وسائل
الإعلام، حتى أن أمي تطهو الآن الطعام «الحلال»!
القرآن واللغة العربية.
كيف ترى أهمية زواجك من مسلمة، وما نصيحتك؟
كما يُقال: «الزواج نصف الدين، وإني أنصح به كل شاب إذا كانت لديه الوسائل
والاستطاعة، وقد أكرمني الله بزوجة رائعة ملتزمة تساعدني وتساندني في كل شيء أحاول
تحقيقه. ولأنها ملتزمة منذ سنوات طويلة جعلت اليسر في كثير من الأمور، ونقاشنا
وتفاهمنا كان هادئا وتلقائيا وزواجي بمسلمة يعني أني في نطاق عائلة مسلمة كبيرة،
وهذه منحة عظيمة؛ لأن أكثر أوقات الوحدة والعزلة للمسلم الجديد يمكن أن يكون وقت
العيد أو المناسبات، لعدم كونه جزءا من عائلة مسلمة، وهناك ميزات كثيرة للزواج من
مسلمة لا يمكن إنكارها
الصلاة جذبتني إلى الإسلام لما فيها من تواضع وخشوع لله
أنصح المسلمين الجدد بتحصيل العلم أولا وإظهار جمال الإسلام بحسن أخلاقهم
ومعاملتهم لوالديهم وترك الجدال
لاحظت اهتمامك بتعلم القرآن واللغة العربية كيف حققت ذلك؟
أحببت سماع القرآن باللغة العربية وشجعت على تعلم التلاوة مبكرًا عند تحولي
للإسلام عن طريق شيخ باكستاني، وفتح الله علي واستطعت القراءة بعد أربع ساعات فقط
من الحصص ولكن بدون معرفة المعنى طبعًا، ولكني استطعت الاستمرار في طلب العلم،
وسافرت إلى سورية» و«مصر» خلال إجازات الصيف حتى أتمكن من تعلم اللغة العربية،
والجلوس إلى العلماء. وهناك كثير من المسلمين الشباب الجدد ذهبوا للتعلم في البلاد
العربية ثم رجعوا يعلمون، وقد استطعت بعون الله التوفيق بين ذلك ودراسة الطب.
دور دعوي
ما دورك في الدعوة هنا؟
للمسلمين الجدد في بريطانيا دور مهم في مساندة من يسلمون وتعريفهم بغيرهم
من المسلمين الجدد لأنهم يكونون أكثر قدرة على فهمهم وإقناعهم، وأرى دورا آخر في
الانضمام للمناقشات عن عقيدة الشخص في حقل تخصصه مثل الطب في حالتي وخطبة الجمعة
في معظم البلاد الإسلامية تكون بواسطة واحد من أهل البلد، وأعتقد أن المنابر هنا
يجب أن تسلم للمسلمين الذين ولدوا في بريطانيا، وهذا سيشجع شبابنا.
هل ترى المسلمين مقصرين في مجال الدعوة؟ وما أهم وسائل الدعوة من وجهة
نظرك؟
يجب ألا نكون قاسين على المسلمين من الجيل الأول: فهم الذين بنوا مئات
المساجد في بريطانيا، ولكنهم لا يقبلون أن يقوم الشباب بقيادة بعض الأنشطة
والمناسبات في المساجد ما يجعل الشباب يبتعد ومازالت «الأردية» و«العربية» اللغتين
السائدتين في أنشطة المسجد اليومية.
أما عن وسائل الدعوة فيجب أن نعلم من ندعو، فإذا كان الشخص مهتما بالعلم
فيجب علينا أن نوفر له نقاشا حول المعجزات في القرآن، وإذا كان مهتما بالروحانية
فنعطيه قصص السلف والعارفين الأولياء، ومن خلال التزامنا بالأخلاق الجميلة سينجذب
هؤلاء لهذا الدين إن شاء الله، وإن لم يتحولوا للإسلام فقد قمت بدورك. سيدنا نوح
عليه السلام لم ييأس وظل يدعو مئات السنين ولكن لا بد من مراجعة وسائل وأدوات الدعوة
وكيفية استخدامها.
ويجب أن يشرف على مجموعات الدعوة من لديهم خبرة في التعامل مع المسلمين
الجدد، ولديهم العلم الكافي للإجابة على التساؤلات وتعليمهم مبادئ الإسلام
الأساسية. ولأن الإسلام طريقة حياة كاملة، فليس كافيا تعليم الجدد المبادئ بل يجب
مساعدتهم على المستوى الاجتماعي وضمهم للأنشطة والحياة الأسرية.
كنت أقول لنفسي: لماذا يسجد المسلمون كما فعل عيسى «عليه السلام» ولا يفعل
المسيحيون ذلك؟!
كلما زاد التزامي بالإسلام زادت ملاحظتي لأنانية الناس في الغرب وافتقادهم
البساطة والتواضع والحياء
والناس في الغرب يحتاجون إلى «الروحانية»، ولكن يجب علينا أن نجعلهم
يحبونها وليس أن يشعروا أنهم يجب أن يدفعوا إليها التزاما بقول الله عز وجل: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾(سورة البقرة: أيه رقم256)، وفي كثير من الأحيان يقوم غير المسلمين
بالمبادرة بالذهاب إلى المساجد للسؤال أو البحث عن شخص يريهم كيف يكونون مسلمين؟
ولهذا السبب كانت أهمية وجود مؤسسات مركزية معروفة للناس ويشعرون فيها بالراحة
والترحيب.
تغيير الاسم
قرأت عن مسلم جديد يقول: إنه من الأفضل إبقاء الاسم والمظهر الأوروبي، فهل
هذا في صالح الدعوة؟
لا أخفي أنني تعرّضت لضغوط حين أسلمت كي أغير اسمي إلى «عبد الصمد»، وهو
فهم واعتقاد خاطئ، فكثير من العرب المسلمين أسماؤهم غير إسلامية، فلماذا يُجبر
المسلمون الجدد من غير العرب على تغيير أسمائهم. وقد قررت الاحتفاظ باسمي الأصلي
لأن تغييره كان سيؤدي إلى مشكلة مع أسرتي ويبعدني عن أصدقائي، ويكون ضرره على
الدعوة أكثر من نفعه. والاسم الأصلي يكون أكثر تأثيرًا حينما تتعرف على غير
المسلمين، ثم يلاحظون أنه لا يوجد فرق بينك وبينهم إلا العقيدة، بمعنى أنك إنجليزي
تشرب الشاي وتلبس القميص والبنطلون وأنت مسلم. وتوجد علاقة قوية بين الثقافة
العربية والإسلام، ولكن الجانب الإسلامي من هذه العلاقة هو الذي ينبغي أن يشجع،
فالله سبحانه وتعالى يقول:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ
وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ
عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾(سورة الحجرات: أيه رقم13)
في دائرة الضوء
هل تؤثر الأحداث الدولية على الدخول في الإسلام؟
لقد دخلت الإسلام قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام ٢٠٠١م، وقبل ذلك
الحدث لم يكن الإسلام يصور بالصورة القبيحة، بل كان ينظر إليه على أنه مجرد دین «شرقي».
وقد سمعت أشياء متناقضة فهناك من يقول: إن عدد الداخلين في الإسلام زاد بعد 11 سبتمبر،
والبعض الآخر يقول: إن ذلك سبب أضرارا للدعوة. وعلى كل الأحوال، أصبح الإسلام في
دائرة الضوء وكل مسلم -شاء أم أبى -سيلاحظ سلوكه ويجب عليه أن يتصرف بكل لياقة
وكياسة وأدب.
كيف تحافظ على القرآن واللغة العربية لدى أسرتك في المستقبل؟
سأشجع أولادي على تعلم اللغة العربية، ولكني لن أتحدث العربية طوال الوقت
لأهمية إجادة لغة بلادهم، وسأحاول حثهم على حفظ القرآن الكريم كاملا في سن صغيرة
فهذا أسهل، لأن كتاب الله سيمنحهم النور طيلة حياتهم، وبعد ذلك سأوجههم إلى تعلم
فرائض الدين، وأغرس فيهم حب الرسول ﷺ، وسأكون سعيدا بأن يقوم أبنائي بعمل ما يحبون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل