العنوان الانتخابات الرئاسية.. هل تُلحق السنغال بـ«الربيع العربي»؟
الكاتب محمد سعيد باه
تاريخ النشر الجمعة 24-فبراير-2012
مشاهدات 54
نشر في العدد 1990
نشر في الصفحة 38
الجمعة 24-فبراير-2012
ما إن أعلنت المحكمة الدستورية السنغالية أحقية الرئيس الحالي «عبد الله واد» (٨٦ عامًا) في خوض انتخابات الرئاسة حتى تحول ميدان «لوبليسك» إلى «میدان تحریر».
حركة «٢٣ يونيو» تعتبر موافقة المحكمة الدستورية على ترشح «عبد الله واد» بمثابة انقلاب دستوري
مجمل الدلائل على الساحة السياسية تؤكد أن السنغال مقبلة على امتحان عصيب في ظل الوضع الهش الذي تعيشه البلاد اجتماعيًا واقتصاديًا
أعلنت المحكمة الدستورية السنغالية يوم ٢٧ يناير الماضي أسماء المرشحين الذين يحق لهم المشاركة في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى قبل نهاية فبراير الجاري، وضمت القائمة ١٤ مرشحًا، أبرزهم «عبد الله واد»، الرئيس الحالي، وثلاثة من رؤساء الوزراء السابقين منهم «مكي صال» الذي تحالف معه حزب «حركة الإصلاح للتنمية الاجتماعية» الذي يمثل التيار الإسلامي، و «مصطفى إنياس»، و«إدريس سيك».
كما ضمت القائمة اثنين من الشخصيات الوطنية، احتلا منصب وزير الخارجية، هما «إبراهيم فال» الذي شغل أيضًا منصب الأمين العام المساعد للأمم المتحدة، و «د. شيخ تجان غاجو»، وهناك عدد ممن يصنفون على أنهم من صغار المرشحين، بمن فيهم امرأتان إحداهما أستاذة جامعية وناشطة في المجتمع المدني، وأخرى سيدة أعمال لها شهرة عالمية في مجال الأزياء.
واستبعدت المحكمة الدستورية ثلاثة مرشحين، أبرزهم «يوس أندور» المغني ذو الشهرة العالمية؛ بحجة أن ملفاتهم لم تستوف الشروط الضرورية بما في ذلك استكمال عدد ١٠ آلاف توقيع بالنسبة للمرشحين الذين لا يستندون إلى الأحزاب أو التحالفات الحزبية ويبدو من ردود الأفعال التي صدرت أن تعطيل ترشح هذا المغني - الذي ليس لديه مؤهل تعليمي أو تكويني أو مقوم يخوله للتطلع لأي منصب قيادي باستثناء ثروته الطائلة التي جمعها من احتراف الغناء – لا يلقى رضا بعض الدوائر الغربية التي لوحظ أن وسائل إعلامها سلطت الضوء عليه أكثر من اللازم بالمقارنة بغيره كما فعلت «إذاعة فرنسا» الدولية تحديدًا.
«ميدان تحرير» في داكار
وبدلًا من أن يكون صدور هذه اللائحة بمثابة انطلاق لعملية ديمقراطية حافلة خلال الحملة الانتخابية، كما تجري الأمور عادة في الأنظمة الديمقراطية، تفجرت الأوضاع بحدة انطلاقًا من ميدان «لوبليسك»؛ حيث النصب التذكاري الوطني الذي رابطت فيه المعارضة وحولته إلى «ميدان تحرير»، حيث أدى المتجمهرون فيه صلاة الجمعة في مشهد جديد على العمل السياسي السنغالي؛ وسرعان ما تحول الوضع إلى موجة عارمة من أعمال العنف وكر وفر بين الشباب الموالين للمعارضة تحت لواء «حركة ٢٣ يونيو» التي تجمع الأحزاب السياسية وقوى المجتمع المدني، وبين قوى الأمن التي كانت في حالة استنفار عام منذ أيام تحسبًا لتطور من هذا النوع.
أما السبب الذي كان وراء هذا التفجر الحاد الذي خلف دمارًا كبيرًا في الممتلكات والمصالح العامة، ومقتل أحد رجال الأمن في ظروف غامضة، هو الاعتراض على ترشح الرئيس «واد» لفترة رئاسية ثالثة خلافًا ما يقول به الدستور الحالي، لكن أنصار الرئيس يجادلون بأن الفترة الأولى للحكم، ومدتها سبع سنوات لا يعتد بها؛ لأنها كانت في ظل الدستور السابق، وهو ما استندت إليه المحكمة الدستورية.
وبعد الطعون والطعون المضادة التي تقدم بها كل من التحالف الذي يدعم الرئيس، والمعارضة، عادت المحكمة الدستورية في اليوم التالي فكرست حكمها الأول، مما آثار حفيظة المعارضة وجعلها تقرر تصعيد الموقف، فزاد التوتر وانتقلت الاحتجاجات إلى مختلف المناطق الداخلية، حيث لقي شخصان مصرعهما في مدينة «بدور» الشمالية على الحدود مع موريتانيا، كما جرت أعمال عنف شديدة في مدن مهمة مثل «كولخ» و «إمبور» وغيرهما، وكانت الحصيلة ستة قتلى وعشرات الجرحى، وبعض هؤلاء لم يشاركوا في أي نشاط سياسي.
واعتبرت حركة «23 يونيو» موافقة المحكمة الدستورية بمثابة انقلاب دستوري، ومن ثم كان قرارها بمقاومة هذا الترشح بكل الوسائل.
أما «سرين إمبكي إنجاي»، الناطق الرسمي باسم الرئيس «واد»، فقد اعتبر أن ما تقوم به المعارضة ليس إلا مجرد انقلاب على السلطة الشرعية، وأن النظام يملك القدرة الكافية المواجهة ذلك وسيفعل.. هذه التصريحات لیست سوى صدى لتلك التصريحات التي سبق أن أدلى بها الرئيس «واد» نفسه في مناسبة سابقة، واعتبرت في حينها بمثابة تهديد صريح واضح لقوى المعارضة.
وقد انطلقت الحملة الانتخابية على أن تجري الجولة الأولى للانتخابات يوم ٢٦ فبراير، ويبدو أن المعارضة من جانبها مصممة على منع الرئيس «عبد الله واد» (٨٦ عامًا) من استكمال المعركة الانتخابية مع التعويل على احتلال الشارع.
ومن جانب النظام، فالنبرة السائدة لا تنبئ بأنها تفضل التهدئة، بل نستقرئ من مجمل المؤشرات وبالأخص خطابات الرئيس وتصريحات أقرب معاونيه، إلى جانب القبض على عدد من المحتجين بأنهم يفضلون سلوك نهج المواجهة ومقارعة السن بالسن مع المعارضة، وقد ألقي القبض على «علي تين» رئيس «التجمع الأفريقي لحقوق الإنسان»، أحد رموز المعارضة في اليوم التالي من بدء الاحتجاجات وإبقائه رهن الاعتقال لثلاثة أيام قبل أن يطلق سراحه دون اتهام.
ومجمل الدلائل على الساحة السياسية تنبئ بأن السنغال مقبلة - رغم دعوات القيادات الدينية المنادية بالتعقل والحفاظ على الاستقرار العام والسلم الاجتماعي - على فترة من الامتحان العصيب الذي يمكن أن يقود إلى نتائج تبعث على القلق بسبب الوضع الهش الذي تعيشه البلاد اجتماعيًا واقتصاديًا.
ومن العوامل التي تزيد من توتر الموقف، حالة الغليان التي تشهدها البلاد على مستوى الجبهة الاجتماعية، حيث تكثر الإضرابات في مختلف القطاعات الحيوية مثل النقل والوقود والصحة، فضلًا عن حالة الغليان شبه الدائم على الجبهة الطلابية، وثمة مخاوف من أن تتسبب الأجواء الانتخابية بالدفع نحو مزيد من تأجيج الموقف، وهو خيار يمكن أن تصير إليه قيادات الأطر النقابية سعيًا إلى تحقيق مكاسب في ظل حساسية النظام بما يجعله قابلًا لتقديم التنازلات التي تسعى إليها المنظمات النقابية، إلى جانب إمكانية قيام بعض مكونات المعارضة، وعلى الأخص القوى اليسارية، بتفعيل أذرعها النقابية المختلفة، على ضوء حقيقة أن الأجواء النقابية السنغالية مسيسة لدرجة كبيرة.
ولتحقيق هذا الهدف، دعت المعارضة السنغالية المنضوية تحت لواء حركة «٢٣ يونيو» لتنظيم سلسلة من التجمعات الحاشدة في إطار جهودها لتصعيد الموقف، يوم ٣١ يناير الماضي للحيلولة دون مشاركة الرئيس «واد» في الحملة الانتخابية، وقد شهد هذا الحشد الذي وصف بأنه من أكبر التجمعات التي شهدتها الساحة السنغالية السياسية الحديثة، أعمال عنف نتج عنها مقتل طالب جامعي بسبب استعمال الرصاص الحي ضد المتظاهرين المدنيين العزل.
تساؤلات مهمة
قراءة مجمل ما يتفاعل اليوم في الساحة السياسية السنغالية تثير كثيرًا من التساؤلات حول الوجهة التي يمكن أن تتخذها الأوضاع، وأهمها:
• هل يستطيع الرئيس السنغالي الصمود أمام الضغوط الشديدة والمتزايدة التي تطالبه بسحب ترشحه، لتجنيب بلاده خوض مغامرة غير مأمونة العواقب، وبالأخص على ضوء النداءات المنطلقة من صفوف أنصاره، ومن بعض القيادات الدينية التقليدية المعروفة بمهادنة السلطة في العادة، وإن كانت هذه الدعوات تتم بصورة خافتة؟
• ما الخطوط الحمراء التي لا يمكن للمعارضة أن تجتازها في عمليات التصعيد التي تخطط لها لإرغام الرئيس على التراجع عن ترشحه؟
• أين تقف القيادات العسكرية - التي تتهم عادة من قبل بعض المعارضة بأنها مترفة - من كل هذا التجاذب، وخاصة إذا تصاعدت موجة العنف التي بدأت تحصد عددا من الأرواح مع ترك آثار سلبية على الحياة العامة وبالأخص على المستوى الاقتصادي؟
مهما كان الجواب على هذه الأسئلة، فإن الوضع في السنغال يتطلب المراقبة عن كتب خلال الأيام القادمة، لما يمكن أن تسفر عنه الحملة الانتخابية من نتائج قد تكون لها انعكاسات على منطقة غرب أفريقيا إذا استطاع تيار ما من المعارضة الفوز في الانتخابات القادمة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل