العنوان الجنس في الصحافة الكويتية!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-سبتمبر-1983
مشاهدات 65
نشر في العدد 637
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 13-سبتمبر-1983
هل ضعف الحس الأخلاقي عند بعض الناس إلى هذا الحد؟!
الدور الذي ناب فيه أفراد من الأمة عن يهود «بني قينقاع»!!
حكايتان ودلالتان:
حدثان بينهما أربعمائة وألف من السنين، حدث أولهما والمنحنى التاريخي للأمة في صعود، وجاء الثاني ومنحناها التاريخي في هبوط. أما أولهما فيتلخص في الحكاية التالية:
مسلمة ذهبت لبيع مصاغها عند أحد الصاغة اليهود الذين كانوا يحتكرون هذه الصناعة، وإذ كانت مغطاة الوجه فقد نازعها اليهود في كشف وجهها فأبت، فاستغفلها الصائغ وعقد طرف ثوبها إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت وضحك منها اليهود، فصاحت مستنجدة بمسلم لباها بقتل ذلك اليهودي، وتجمعت اليهود عليه فقتلته. واندلعت الحرب بين المسلمين وبين بني قينقاع من اليهود في شوال من السنة الثانية من الهجرة، وحتَّم سببها ونتيجتها إخراج بني قينقاع من المدينة؛ وقاية لأمة الإسلام من التلوث الأخلاقي الذي يحسن اليهود صناعته!
وتمضي السنون وتنطوي الأيام وتموت نخوة الأمة أو يخف إحساسها بشرفها وكرامة إنسانها كثيرًا، حتى تخرج صحيفة الهدف الكويتية بإعلان عن مسابقة «لفتاة» غلاف- زعمت- تشترط فيه شروطًا هي بسوق النخاسة أنسب. ولا شك أن الحدثين يتناسبان والظروف التاريخية التي واكبتهما، فإن كان الأول في دلالته حاديًا لأمة الإسلام لتحقيق دورها ورسالتها ﴿كُنْتُمْخَيْرَ أُمَّةٍ أُخرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 110) فقد أتى الحدث الأخير ناعيًا لها وسنابك الخيل الأمريكي الصهيوني تملأ سهولها وبقاعها، أو هذا هو الإطار الذي تتضح فيه هذه الصورة.
ولعل الفاصل الزماني بين الحدثين هيأ «لبني قينقاع» السبيل لشحذ أسلحتهم وتحسين وسائل انقضاضهم بدرجة بعيدة، حتى إنهم ما عادوا في حاجة إلى يد يهودية لكشف المرأة المسلمة! فقد كفتهم أيادٍ وأيادٍ مئونة ذلك، وتكفلت به قيامًا بالواجب اليهودي «المقدس»، الذي لن يتحقق له الانتصار الكامل حتى يعم التلوث الأخلاقي أكبر مساحة ممكنة من عالمنا الإسلامي.
وما عادت هناك مخاوف على النصر اليهودي الشامل، بعد أن أُخرج التلوث الأخلاقي من ركنه الضيق إلى عالم فسيح تبدلت فيه المشاعر، حتى إن الذي كانت المسلمة تستصرخ بسببه بالأمس غدا أمرًا متنافسًا فيه بين زهرة فتيات الأمة، تصم آذانهن في شر مستنقعه الألوف المؤلفة من الدنانير، ويُعشي أبصارهن عن مغباته بريق الشهرة والمجد.. شهرة السقوط ومجد الهبوط!
نخاسة عصرية:
توجه الإعلان إلى الفتيات بين السابعة عشرة والسابعة والعشرين، وأتى ناهيًا لهن عن الانتباه لإنسانيتهن، حاضًّا على إذكاء نار أنوثتهن مستغلًّا «التخديرات» المفاهيمية التي سرى مفعولها في النفوس، ليقودهن في طريق تنبئ بداياته بنهاياته، ويسوقهن في درب الشهوة أو يسلكهن في عداد رقيق أنيق بكل معنى الرقيق ولعله يفيض!
فلقد كانت الجارية تزين وتضفى عليها البهارج والمساحيق ثم توضع بين يدي النخاس، يتبارى عليها المشترون ويغلون ويزايدون حتى يرسو العطاء للعالي فيما دفع. أما جواري الخُمس الأخير من القرن المسيحي العشرين فلابد أن يواكبن العصر ويسايرن التطور، وإن لم يستفدن هن من منجزات الحضارة فمن يستفيد؟!
وحيث إن صورة النخاس ونصب السوق لا تتناسب والتطورات الطارئة؛ فلابد من استحداث الوسائل الملائمة والصور التي لا يستسمجها الذوق العصري. فاستبدل النخاس بالصحيفة، ونابت فتاة الغلاف عن جارية السوق. وجعل جمهور المزايدين بعض من الناس الذين تعجبهم هذه الإنابة، مع مراعاة فروق التضخم وفقًا للزمان المتطاول. فبدلًا من أن تكون الجارية بمائة أو مائتي دينار مثلًا صارت بأربعة آلاف من الدنانير، مع أشياء مادية أخرى وغير مادية!!
ولكن هناك أمر فارق عظيم يجدر بنا عدم نسيانه، وقد تعتبره جارية العصور الماضية إساءة لا تستطيع غفرانها. فهي لم تكن متاعًا مباحًا لكل عابر سبيل، وهذه ميزة أساسية تميزها عن جارية عصرنا، التي تلتهمها آلاف العيون وتتطلع نحوها رغبات هابطة من الرجال ولو خيالًا! وتحاكم لفئة الدهماء ليبدي رأيه حول شعرها وعينيها وشفتيها وحاجبيها وما دون ذلك أيضًا! نكاد نسمع صرخات احتجاج جارية العصور الماضية من جديد ويتعالى صوتها قائلة: كلا.. لا نقبل مقارنة بيننا وبين هؤلاء ولا نسمح بإطلاق صفة الجارية عليها، فالجارية أسمي من ذلك بكثير! هل نسيتم لغة الضاد ومسمياتها الدقيقة الواسعة؟ أم ندَّ ذاكرتكم الاسم الصحيح؟ إذ أن هذه الصفات لا يطلق عليها في معاجم اللغة جارية وإنما.......
الفئة التي يخاطبها الإعلان:
ونترك نزاع الجواري وغيرهن جانبًا ونتصدى بقليل من الفحص للفئة التي يخاطبها الإعلان وهي فئة متنوعة الصفات، على أن الذي يعني النخاس منها هي الصفات الحسية المجسوسة والملموسة. ولنضرب عن الحديث مؤقتًا في هذا الباب ونود التركيز على نقطة لا نخالها تفوت علينا أو على خبير الجواري العصريات الذي وضع هذه المواصفات وفرض لها هذا الثمن من الدنانير وغيرها.. وتتصل هذه النقطة بالقطاع الذي ستؤثر فيه هذه الدعاية أكثر من غيره، وهو قطاع محدود الدخل المادي إن لم يكن معوزًا محتاجًا. وهو من ناحية أخرى القطاع الغالب على مجموع المجتمع- ويشمل المواطنين وغيرهم- فقد أغفل الإعلان التخصيص في الخطاب، ومن هنا فإن الاستجابة مؤكدة من هذا القطاع، الذي يتحكم في جزء غير قليل منه تطلع مادي غير محدود، تغذيه المفاهيم المادية المذاعة والمتبناه بطريق مباشر وغير مباشر، من الوسائط الإعلامية قاطبة وبلا استثناء.
وهنا مكمن الخطورة؛ إذ أن خبير النخاسة هذا وضع يده على العنصر المؤثر حقًّا في هذا المجموع الغالب من الناس، واستغل صور العوز والضغوط التي يتعرض لها، ودخل من هذا الباب يسوق جموعًا من فتياتنا استغفالًا واستدراجًا، يُلوّح لهن بالأصفر الرنان وتلهث العشرات من ورائه مستجيبات لدعايته، متقربات له بالمزيج الذي يريد إضفاءه على ملامحهن من معانٍ جنسية «وهو ما يطلبه منهن حقيقة»، إذ أن مقاييسه الجمالية المفروضة أمر مفروغ منه، وسيكون عاملًا مشتركًا بين مجموع المتباريات، وستستبعد وللوهلة الأولى كل الصور غير المستوفية لهذه الشروط وتبقى المفاضلة بهذه اللفتة أو تلك النظرة أو هذه البسمة، وغيرها من الفنون الحسية الجنسية، التي تزيد في لوعة القارئ المراهق وتساعد على تأجيج شهوته وإعلاء الشأن لغريزته.
وستكون الخسارة للجمع الأكبر من المتباريات ومن ورائهن خسارة مضاعفة، ذلك أن الفائزات محصورات في العدد، وتكون البقية الباقية قد عادت صفرة اليدين بعد أن بذلت وتبذلت وتوسلت بشتى الوسائل غير الصحيحة- فهذا طريق مبدؤه النخاسة وبكل معانيها- وليس بعيدًا أن تسمع فيما بعد عن السبيل الذي أدى لإظهار هذه الفتاة واستبعاد غيرها في شبيه من القصص والروايات، التي تنقل عن العوالم السفلية الغربية والشرقية هذه مثل ما يحكى عن مباريات الجمال العالمية، وجوائز الأوسكار، وكيفية الاختيار «للبطلات» في الأفلام، وغيرها في كثير يعف القلم عن تسطيره في هذا المكان!
لئلا تصير الفتيات دمى جنسية:
نعم فإن الألفاظ المنفوخة المضخمة والبخور المطلق من حولها من شعوذات الكهان والكاهنات، الذين يسوقون أقبح المعاني في أجمل الألفاظ وأخلبها للب لا تذهلنا عن حقيقتها، وذلك في الأساطير المسماة بالحرية والتحرر، والتي كثيرًا ما تعني الانفلات اللامحدود من القيم والأخلاق.
وتسمية الأشياء بأسمائها فرض لا بد من أدائه في هذا الوقت؛ حتى لا يأثم مجموع المجتمع، والإعلان الذي بثته الهدف وبذلت لتلبيته هذا الثمن إعلان رخيص في معانيه، وفي مختلف مناحيه التي ينظر إليه منها. وهو يرمي إلى تحويل فتياتنا إلى دمى جنسية يعبث بها مراهقو الصحافة وروادها. وهو تلويث لسمعة مجتمعنا أنه يتيح للرذيلة من فرص الظهور ما قد لا يتجه للفضيلة. وهو تلويث لرسالة الصحافة وإفساد لمضامينها. وتوقيته في هذا الوقت الذي تتسع فيه مساحة الاكتساح الإسرائيلي الأمريكي للمنطقة يصنفه في الطلائع اللازمة للغزو المسلح التي تمهد لعدونا سبيل الإجهاز السريع علينا.
أين هؤلاء؟
ولقد أمسكنا عن الكتابة في هذا الموضوع في الفترة الماضية ظنًّا منا بتصدي «جيش التحرير النسوي»!! للحديث في هذا الموضوع، فقد حسبناهن أولى منا بذلك، ولكن ربما شغلن بشاغل أكبر أو لم يسترعِ الموضوع انتباههن، ونعيذهن بالله أن يكون صمتهن إقرارًا أو مجاملةً للزمالة الصحفية!
ولعله لن يفوت عليهن طور أخير لحركة تحرير المرأة في الغرب والتي يتابعن تطوراتها ولا ريب في شعاراتها الجديدة، والمتمثلة في رفض أن تكون المرأة وسيلة جنسية للدعاية والترويج، ولن يفوتنا أو يفوتهن الإشارة للموقف الذي وقفته رائدة الفضاء الأمريكية وهي ترفض مبلغًا ضخمًا نظير الدعاية لأحمر شفاه «فقط»!
ولا نملي عليهن دورًا فهن أعلم بما تصدين له، غير أننا نظن أن من مبادئهن رفض كل صور الاستغلال للمرأة. ونخشى أن نكون مخطئين في الفهم فتكون أمثال هذه الدعاية منسوبة لعالم الاستقلال لديهن، فنحن لا نزعم الدراية التامة بألفاظ المعجم التحرري المتداول اليوم. على أنه بلاغ لا يفوتنا إذاعته بقدر الإمكانيات المتاحة لنا.
كما أننا نتساءل عن قوانين الرقابة على المطبوعات وتفسيرات أهل الذكر لها، ذلك أن الجنس الظاهر وغير الظاهر صار من الطوابع متعالية المد للصحافة الكويتية باستثناء النزر اليسير، وشاهدنا على ذلك الملاحق والصفحات الملونة والصور الفاضحة والموضوعات الهابطة التي تتصدر كثيرًا منها.
وقد نرى في إعلان تلك الجريدة فاتحة لعهد جديد من الصبغ جنسي الدلالة والمعاني لصحافتنا. وربما كانت له أصداء متجاوبة تحرص على سبقه في هذا المضمار، فتعمد إلى جديد آخر تأتي به ولا تستطيع التنبؤ بالطبع ولكن طبائع الأمور قاضية بهذا.
ما ينقصنا:
إن الذي ينقصنا حقيقة هو الناقد الشجاع الذي يسمى الأشياء بأسمائها، والمسؤول الشجاع الذي يستحضر مسؤوليته أمام ربه وواجبه إزاء ما خُوِّلَ. وقد رأينا في مصر قبل أيام بوادر صحوة وانتباه في هذا الشأن. فرأينا النقاد يُعرُّون الدعارة المتوسلة بالأفلام السينمائية والمسرحيات وغيرها. وسمعنا عن أفلام تحجز لأنها تسيء وتشوه سمعة المجتمع المصري، ويتخذ الوزير هناك قرارًا بحظر تداولها ويناصره القضاء في ذلك.
وليتنا نرى نقادنا وأولي الأمر فينا يتصدون للميادين المشابهة والأجزاء المريضة في مجتمعنا فيسارعون ببترها وإزالتها. وسيكون في ذلك سبيلًا إلى النهضة الصحيحة. ذلك أنه وبالإضافة للفوائد الخلقية والتربوية الناشئة عن ذلك فإننا في حاجة إلى التحقق من قوة صحافتنا وإعلامنا والتأكد من قيمتهما الحقيقية. ولنرى من يقوم واقفًا على رجليه منها بعد بتر الابتذال الجنسي منها. ذلك أننا نسمع أن هذه المادة الجنسية وسيلة تدفع بها بعض الصحف عجزها وتغطي ضعفها، كما تفعل الأفلام والمسلسلات العربية التي جعلت الحب المسف «مادة لازمة لكل إنتاجها»!
وبعد:
فإنما دفعنا للكتابة في هذا الموضوع اعتقادنا أن المرأة هي قلعة الأمة المسلمة وحصنها المنيع، وأن أي كلمة تصيبها هي في الحقيقة إصابة موجعة لا تعوض في حق أمة الإسلام. وإلا لما أقامت الأمة الإسلامية حربًا كاملًا وهي في السنة الثانية من عمر تأسيس دولتها ذودًا عن الشرف والكرامة الذي لا وجود لهذه الأمة إلا به. وقد نعلم الرصيد المتناقص لقيمة هذه المصطلحات ومثيلاتها عند ذلك البعض، الذي يحتكر وسائلنا الإعلامية والصحفية منها بوجه أخص، ولكنها قيم لن تموت مهما حاولوا وبذلوا، ولا بد من يوم تفيق فيه هذه الأمة وتحطم فيه الأصنام الجديدة تحطيمًا وما ذلك على الله بعزيز.