العنوان نافذة رمضانية على أحوال المسلمين في أقاصي أفريقيا الزحف الإسلامي في « غينيا بيساو « وواجب النصرة
الكاتب محمد سعيد باه
تاريخ النشر السبت 27-يوليو-2013
مشاهدات 82
نشر في العدد 2063
نشر في الصفحة 36
السبت 27-يوليو-2013
- خلال 3 أشهر ٢٢ قرية بها ما يقرب من ١٩ ألف نسمة دخلوا الإسلام
- القيم الإسلامية كان لها أثر في جذب هؤلاء إلى الإسلام عندما لاحظوا التغيير الإيجابي في حياة الذين يسلمون
- د. عبد الرحمن السميط« استطاع برؤيته الدعوية تحويل ملايين من الأفارقة إلى الإسلام
- من وسائل الدعوة الناجحة تكوين مجموعة من الشباب ينتمون للقبائل ثم إرسالهم ليمارسوا الدعوة إلى الإسلام في أوساطها بهدوء وعقلانية وتدرج
في عموم أنحاء العالم اليوم موجة شاسعة من الإقبال على الإسلام، وبعد العناية الربانية، يمكن إرجاع دوافع هذا التحول الذي يتوقع أن يعيد رسم معالم العالم خلال فترة نصف قرن إلى الجهود المكثفة التي ينهض بها حملة المشروع الإسلامي الذين يعملون في صمت وتجرد، وهو الجهد الذي يلقى استجابة بفعل تعطش البشرية إلى ما يحمله الإسلام من خيرات ومنافع لها، وقدرته على إخراجها من حالة الضنك التي تعيش فيها.
في هذا السياق، تقول الدراسات الإستراتيجية الحديثة إن القارة الأفريقية ستكون محل صراع وعنصر جذب على المستوى العالم في الحقبة القادمة، وقد تؤدي دورًا مشابها لما قامت به منطقة الشرق الأوسط خلال ما يربو على قرن، وهو ما يستتبع أن تنتقل بؤر التوتر ومراكز التصارع إلى هذه المنطقة التي ظلت في حوزة فرنسا وأخواتها الأوروبيات خلال القرنين المنصرمين.
وأما مبرر هذا التحول فيشير معظم الخبراء إلى البعد الاقتصادي، حيث تتسع دائرة الاكتشافات المتعلقة بكميات هائلة من الثروات بمختلف أنواعها، يقدمون النفط نموذجًا، ومن الأمثلة على هذا التحول المرتقب أن من المتوقع أن تصبح نيجيريا - رغم الوضع المأساوي الحالي - في الوضع الذي عليه المانيا اليوم خلال فترة ثلاثين عامًا على الحد الأقصى أما البعد الآخر، فيتمثل في الصراع العقدي الحاد الذي بدأ منذ منتصف القرن الخامس عشر الميلادي بين الإسلام وبين بقية الطوائف المسيحية بمختلف مللها ونحلها، وهو الموضوع الذي أثير بقوة داخل كثير من المنتديات العالمية في الفترة التي كانت فيها وظيفة بابا الفاتيكان شاغرة ودارت التكهنات حول إمكانية تنصيب بابا أسمر ليمثل ذلك عامل إغراء شديد للجيوب الوثنية التي لا تزال موجودة في المناطق الجنوبية والوسطى وفي درجة أقل في المنطقة الغربية، ولتشكل من جانب آخر الضغط النفسي على جماهير المسلمين الذين يعانون من أوضاع معيشية صعبة.
الوجود الإسلامي
وفي ظل هذه المعطيات تقدم عرضًا المشهد من مشاهد الوجود الإسلامي في غرب أفريقيا وذلك بمناسبة تحول حوالي ثلاثين قرية إلى دائرة الإسلام في خلال عام في جمهورية غينيا بيساو المحصورة بين السنغال، وغينيا كناكري، والمحيط الأطلسي. وللتذكير، فإن هذه الدولة الصغيرة بحجمها، من آخر الدول الأفريقية استقلالًا. بعد أن خاضت قياداتها الوطنية حربًا شديدة ضد البرتغال التي استعمرتها ما جعلها تعيش حالة حادة من التخلف علميًا واقتصاديًا واجتماعيًا وبالتالي انتشرت فيها المؤسسات التنصيرية التي مارست ضغوطًا شنيعة على السكان واستخدمت شتى الوسائل لطمس هوياتهم، واستهدفت بالدرجة الأولى المسلمين، وبلغ تأثير الحملات ذروتها حين اضطر أبناء المسلمين إلى تغيير أو تحريف أسمائهم الإسلامية كي تكون أقرب ما يمكن إلى الأسماء المسيحية.
كما هي الحال بالنسبة لكثير من الشخصيات الوطنية، وعلى رأسهم رئيس الدولة الحالي بالوكالة الذي لا يكاد يفهم الشخص من اسمه بأنه مسلم عريق في الإسلام، ومن أصل يعتبر العمود الفقري للوجود الإسلامي في منطقة ما وراء الصحراء.
الضغط الكنسي
من المعروف أن الاحتلال البرتغالي كان يرتكز أساسًا على البعد الديني أكثر من غيره من قوى الاحتلال الغربية، وهو الأمر الذي كان يتجلى في شدة الارتباط بين السلطة السياسية المحتلة وبين المؤسسة الكنسية التي كانت تستغل السلطة السياسية التمرير مشاريعها التنصيرية، ويصل الأمر إلى مستوى الإكراء والضغط على الشعوب التي كانت تستهدفها، وكان التخويف من الإسلام وتشويه صورته أكثر الوسائل التي كانت الكنيسة تستخدمها لإبعاد السكان عن الإسلام، حتى ولو لم يدخلوا في المسيحية لكن هذه الضغوط أدت في النهاية إلى رد فعل عكسي حين اكتشفت هذه القبائل الوجه الحقيقي للإسلام.
ومن يزور هذه البقاع يلمس أن توجهًا جديدًا قد بدا ياخذ مداه وليس فقط فيما يتعلق بعودة المسلمين إلى دينهم واستعادة شخصيتهم الدينية واسترجاع هويتهم الثقافية، وإنما بالانتقال إلى التفاخر بإنتمائهم العقدي بالإضافة إلى الساع دائرة الإسلام حيث يشهد الواقع تحول قرى وقبائل بأسرها إلى الإسلام، وبعضهم كانوا وثنيين وهم الأغلبية، والبعض الآخر ممن سبق تعميده بالنصرانية في هذه النحلة أو تلك، بل وأكثر من ذلك فإننا نجد من بين المتحولين إلى دين الحق من كان قد وصل إلى مرتبة عالية في سلم الكهنوت المسيحي
حين تستجيب الفطرة
شهد عام ٢٠١٣م فتحًا على المسلمين وبالتحديد في شهر يناير، حيث شهدت البلاد حدثًا ضخمًا كان بمثابة هزة اجتماعية وصلت أصداؤها إلى أعلى المستويات، وذلك عندما قررت 7 قرى بأكملها الدخول في الإسلام، ثم تلتها مجموعة أخرى، حتى بلغ عدد القرى التي دخلت الإسلام حتى الآن ٢٢ قرية، وانضمت بذلك إلى مجموعة أخرى من القرى سبق أن اعتنقت الإسلام، وكل ذلك خلال ثلاثة أشهر.
وبدراسة خارطة القرى التي أسلمت وخاصة فيما يتعلق بتعداد السكان والتركيبة » القبلية، نجد أن إجمالي من أسلم يبلغ حوالي ١٩ ألف شخص، وهم من قبيلة »بلانتاء« التي تعتبر من أوائل السكان في غينيا بيساو وفي بعض مناطق جنوبي السنغال المتاخمة لحدودها مع غينيا بيساو.
الأسباب الكامنة
ولإعطاء صورة أقرب للواقع، يحسن هنا أن نتحدث عن العوامل الكامنة وراء هذا التحول الواسع والانتقال الجماعي إلى الإسلام مع العلم أن الأسباب وراء ذلك كثيرة ومتنوعة، لكننا نكتفي بالإشارة إلى ابرزها وأكثرها تأثيرًا :
حالة التهميش الاجتماعي الثقافي: تعتبر هذه القبائل التي أسلمت من أكثر الشرائح الاجتماعية تعرضًا للحيف بحيث كانت تصنف رغم أنهم هم السكان الأصليون على أنها في درجة دون معظم القبائل التي يسكنون معها في المنطقة، مثل »الفلانيين«، و »المانديغ« و »الجولاء«، لكن هذا الواقع المرير إنما هو نتيجة للسياسة غير الإنسانية التي مارسها الاحتلال البرتغالي للبلاد طيلة ما يربو على خمسة قرون من الاحتلال، وعجزت الأنظمة السياسية التي حكمت البلاد بعد الاستقلال عن إحداث التغيير الجذري اللازم.
القيم الإسلامية وآثارها القيم
الإسلامية العالية والبسيطة كذلك مثل احترام الإنسان، وحسن الجوار، والتمدن ومتانة وشائج الترابط الاجتماعي، كان لكل ذلك أثر في جذب هؤلاء إلى الإسلام عندما لاحظوا التغيير الإيجابي والجذري الذي كان يحدث في حياة إخوانهم الذين يسلمون.
وجود دعاة مخلصين، وإن كانوا لا يمتلكون إلا الحد الأدنى من القدرات والإمكانات، لكنهم عوضوا عن كل ذلك بالتجرد والإخلاص ووجود الدافع العميق لديهم من أجل نقل الناس برفق وتدرج من ظلمات الجهالة إلى نور الإسلام، وقد استطاع هؤلاء الدعاة أن يغيروا تلك النظرة التي كان هؤلاء ينظرون بها إلى الإسلام فأقتموهم بأن الإسلام دين قادر على السمو بهم وإحداث التغيير الجذري في حياتهم والانتقال بهم نحو الأفضل، وأنه دين يتجاوب مع فطرتهم النقية، ومن سر نجاحهم أنهم استطاعوا تكوين مجموعة من الشباب ينتمون إلى هذه القبائل، ثم أرسلوهم إليها ليمارسوا الدعوة إلى الإسلام في أوساطها بهدوء وعقلانية وتدرج مع التركيز على الجوانب الإيجابية والمشرقة.
وهنا نشير إلى أن هذه الإستراتيجية الدعوية القائمة على إعطاء تكوين أولي لمجموعة من أبناء قبيلة أو مجموعة تستهدف التأثير فيها ونقلها إلى حظيرة الإسلام، نهج دعوي ناجح وظفه أحد أقوى أعمدة الدعوة إلى الله في أفريقيا في هذا العصر الا وهو الشيخ »د. عبد الرحمن حمود السميط« »حفظه الله وعافاه«، واستطاع بهذه الرؤية الدعوية البسيطة تحويل ملايين من الأفارقة إلى حظيرة الإسلام.
إستراتيجية ما بعد الاستجابة أسلموا وماذا بعد ؟
من المهم هنا أن نجلي بأنه لا يكفي أن تجلب الناس إلى الإسلام - كما يفعل الآخرون ممن ينافسوننا بالإغراءات والوعود البراقة - وإنما يجب علينا أن نصل إلى عقول وعواطف المدعوين وتؤثر فيها بصورة عميقة ودائمة تجعلهم يستجيبون عن قناعة الحقائق الإسلامية الراسخة وحب لما فيه من خير وجمال ومنافع دنيوية وأخروية، هذه حقيقة مهمة، وأما الحقيقة الأخرى والمكملة لها فتتمثل في أن دعوة هؤلاء الناس إلى الدخول في الإسلام مرحلة والمرحلة الثانية هي العمل على تثبيت عقيدتهم ودمجهم اجتماعيًا وثقافيًا والعمل قدر الإمكان على تحسين ظروفهم المعيشية لأنه بدون ذلك سيبقون معرضين للفتنة نتيجة لتلك الضغوط الشديدة التي تمارس عليهم من أجل جعلهم يرتدون عن دينيهم الجديد.
مع استخدام كافة الوسائل التي يأتي على رأسها الإغراء المادي، وهو الأسلوب الذي برعت في استخدامه المؤسسات الكنسية التي لا شك في أنها تشعر بما يمثله هذا التحول من تحديد على خططها وبرامجها وعلى وجودها، وهو ما يجعلها تستميت في ضرب هذه الجهود المباركة أو عرقلتها في مواقع أخرى.
والملاحظة الأخرى التي تريد تسجيلها أن هذا التحول إلى الإسلام يمكن أن نجعله تيارًا عارمًا يكتسح المنطقة وليس غينيا بيساو فحسب، وذلك لما تثبته التجارب بأن الشعوب والقبائل التي لا تزال خارج دائرة الإسلام مستعدة للتوجه نحو الإسلام بأقل مما نتصور من الجهود والإمكانات والخطط الدعوية، وهو أمر يتوقف أساسًا على حسن التنظيم ووضوح الرؤية بعد نيات صادقة والرغبة الدافعة.
خلاصات وتوصيات
بعد سرد هذه القصة الرائعة نريد أن تختتم كلامنا بتوصيات سريعة نأمل أن تسهم بها في دعم هذه الجهود وتكريس النجاحات التي تتحقق هنا وهناك بفضل جهود دعاة مخلصين وأصحاب الأيدي السخية التي يدعمون مسيرة الدعوة في هذه القارة المستهدفة، ونجملها في النقاط التالية: وضع خطط بسيطة لكنها واضحة من أجل الوصول بالدعوة إلى أكبر قدر ممكن من الشعوب والقبائل مع استخدام وسائل تناسب مستواها الثقافي، وتراعي عقليتها وتركز على النقاط الحساسة لديها والتي تجعلها تستجيب للاهتمام بتكوين أجيال من الدعاة يؤخذون من داخل القبائل التي أسلمت أو التي فيها بعض المسلمين، وتثقيفهم ثقافة إسلامية، ثم إعادة زرعهم في بيئاتهم الاجتماعية التي جاؤوا منها ليمارسوا الدعوة من الداخل باعتبارهم أقدر على التواصل مع أهاليهم من أشخاص أجانب يأتون من الخارج.
الاهتمام بإعداد دراسات ميدانية وموثقة عن هذه القبائل تمكن من رسم صور واضحة ودقيقة عن عقلياتها وواقعها الاجتماعي الذي تعيشه، وعن النقاط التي يمكن من خلالها الدخول إليها والتأثير فيها.
العمل على إيجاد مناسبات لافتة مثل زيارة شخصيات إسلامية، وتنظيم حفلات ومهرجانات عامة في مناسبات إسلامية معينة، واستغلال ذلك لإشعار هؤلاء بانتمائهم إلى الأمة وهويتهم الجماعية الجديدة.
إيجاد نوع من التنسيق وتكامل الأدوار بين الجهات التي تريد أن تتدخل في هذه المناطق، وذلك تجنبًا للتصادم أو الظهور بمظهر التنافس غير المحمود أمامهم، وهو الأمر الذي سيترك أثرًا سلبيًا لدى هؤلاء المسلمين الجدد وانطباعًا غير محمود عن المسلمين .