العنوان موت واحد من كل ٤٠ عراقيًا.. مأساة العراق مستمرة
الكاتب د. أحمد عيسى
تاريخ النشر السبت 11-نوفمبر-2006
مشاهدات 76
نشر في العدد 1726
نشر في الصفحة 24
السبت 11-نوفمبر-2006
655 ألفًا.. حصيلة قتلى العراق منذ بدء الغزو الأجنبي عام 2003 وهو ما يعادل 2.5% من عدد السكان
٦٥٥ ألف حالة وفاة - زائدة عن الحالات السنوية - هي حصيلة قتلى أهلنا في العراق منذ بدء الغزو الأمريكي عام ٢٠٠٣م. هذا الرقم الأعلى حتى الآن والذي نشرتْه صحيفة «لانست» العلمية أثار صدى صحفياً واسعًا (۱). يقول التقرير: إنّ 31% من القتلى هم من جراء القوات الغازية، والباقي من أثر الصِّدامات 56% منهم بعيارات نارية، و14% من القصف الجوي وتفجيرات السيارات.
الرقم المذهل يمثل 2.5% من عدد السكان في العراق، وهو يرجع بنا إلى ذاكرة الحروب العالمية، فلم تحدث مثل هذه الإبادة إلا في الحروب الكبرى حيثُ قتل من العسكريين والمدنيين ما نسبته 3.1% من سُكاَّن الأرض في الحرب العالمية الثانية. وهذا الرقم العراقي هو عشرون ضعف ما قدّره بوش، وعشرة أضعاف ما قدَّرتْه منظمة إحصاء السكان العراقية والتي مقرّها لندن وبحسب الإحصاء الذي قام به معهد جون هوبكينز بلومبرج للصحّة العامة، فإنّ عراقيًا واحدًا قد قُتل من بين كل ٤٠ منذ الغزو. اعتمد الإحصاء على دراسة ميدانية قامتْ على زيارة بيوت في العراق، وعلى ما كشفته عائلات عراقية حول مقتل أفراد منها ودعمته بوثائق رسميّة تثبت الوفاة.
قال كاتب التقرير: إنّ هذه أكثر الصراعات دموية في القرن الحادي والعشرين. ولِمَ لا وتقارير المنظمات غير الحكومية العراقية تقول: إن ۱۲۸ آلف عراقي لقوا حتفهم في العراق في الفترة ما بين مارس ويوليو 2005م؟ كان الباحثون أنفسهم قد قدَّروا عدد العراقيين الذين قُتلوا منذ الغزو في مارس ٢٠٠٣م، حتى أكتوبر ٢٠٠٤م بحوالي مائة ألف.
رغم ضخامة المصيبة في أهلنا، فإنّ أمريكا تخسر الحرب، وخلال شهر أكتوبر هذا العام وصل عدد القتلى من الجنود الأمريكيين إلى ٩٣ قتيلًا من بين ١٤١ ألف جندي محتلّ، وقال «فرنانديز» المسؤول الإعلامي في وزارة الخارجية الأمريكية: إن بلاده أظهرت «غطرسة وغباء في العراق» وأطل شبح فيتنام على رأس بوش، بل إنّه عقد مقارنة بين ما يحدث له الآن وما كان في حملة «تيت» التي شن فيها مقاتلو «فيت كونج» وجيش شمال فيتنام هجومًا مشتركًا على مواقع القوات الأمريكية، وكان التأثير النفسي كبيراً على القوات الأمريكية وحلفائها في حرب فيتنام، وأدّتْ أيضًا إلى تضاؤل شعبية الرئيس الأمريكي جونسون في ذلك الوقت.
ويتحدث الجميع الآن عن تآكل الدعم لاستراتيجية بوش العسكرية في العراق؛ حيث إنّ عددًا متزايدًا من كبار القادة العسكريين الأمريكيين والمسؤولين من حزب بوش يتحدثون الآن يصوت عالٍ ويطرحون سؤالًا: إلى متى يستمر الوجود الأمريكي في العراق؟
على البريطانيين الخروج قريبًا
ورغم ضخامة المصيبة في أهلنا، فإنّ بريطانيا أيضًا تخسر الحرب، ويعلن رئيس أركان جيشها أنّ على البريطانيين «الخروج من العراق قريبًا». ويقول المحلِّلون: إن غزو العراق يشكل أكبر خطأ أخلاقي بريطاني بعد قضيّة قناة السويس.
على الصعيد السياسي هنا، فقد اعتبرت الصحف البريطانية أنّ هذا الرقم الذي يمثل 2.5% من عدد السكان في العراق دليل على أنّ الثمن الحقيقي للحرب فيما يتعلق بحياة العراقيين أعلى بكثير مما توقعتْ الدول الغازية، وأنّ الأذى الذي لحق بمستقبل العراق على المدى البعيد أكبر من ذلك بكثير. وفي صحيفة الجارديان جاء العنوان: «هذه البلية التي قتلتْ عراقياً من أصل 40»، وأنّ العراق اليوم يُعاني من وضع إنساني طارئ، «فوجودنا في العراق يؤذي المدنيين بدلًا من أن يساعدهم.
وهذا ما يجب أن يوقفنا لنطرح على أنفسنا سؤالًا حول ما تقوم به ولم نقوم به؟ وليس عارًا أن نعترف أنّنا أخطأنا سياسيًا، بل علينا واجب قانوني وفقًا لوثيقة جنيف بأن نقوم بكل ما وسعنا لحماية المدنيين.
إلا أنّ هذه الأرقام تُظهر ليس فقط أنّنا لا نلتزم بواجباتنا القانونية، إنّما نقوم إفسادها تدريجيًا عامًا بعد عام» (۲).
تزامن ذلك مع تصريحات رئيس أركان الجيش البريطاني «السير ريتشارد انات» عن العراق، والتي أثارت جدلًا واسعًا.
فقد قال: إنّ الوجود العسكري في العراق «يفاقم المشاكل الأمنية». وكان دانات قد اعتبر في مقابلة مع صحيفة الـ «ديلي ميل» أن على البريطانيين «الخروج من العراق قريبًا» (۳). وانتقد التخطيط لما بعد الهجوم العسكري الأولي الناجح، معتبرًا أنّه كان «ضعيفًا وبدا أقرب إلى التفاؤل منه إلى التخطيط». وأضاف: «إننا في دولة إسلامية، وآراء المسلمين في الأجانب الموجودين عندهم واضحة جدًا. فبصفتك غريباً، يُمكن أن يُرحب بك عندما تُدعى إلى دولة ما، ولكنّنا بالتأكيد لم نُدْعَ من قِبَل العراقيين عندما دخلنا بلادهم». وقد رحَّبتْ الجمعيات المعارضة للحرب في بريطانيا بتصريحات رئيس الأركان ودعتْه إلى الاستمرار في كلامه وقال المحلِّلون: إنّنا نجعل الوضع أسوا في العراق وأسوأ لأنفسنا في العالم عبر وجودنا في العراق.
وأخيرًا قال أحد الحقيقة
وردتْ هذه الجملة في رسالة إلكترونية لأحد الجنود البريطانيين، واختارتها صحيفة «الإندبندنت » لكي تعنون بها صفحتها الأولى (٤). والعنوان يشير إلى تصريحات رئيس أركان الجيش البريطاني، وفي العنوان الفرعي كتبت الصحيفة: إنّ «الجنود يمطرون موقع الإنترنت الخاص بجنود الجيش البريطاني برسائل التأييد للانتقاد الذي وجهه قائد الجيش السياسة بلير في العراق». وتحت هذا العنوان مقتطفات من رسائل التأييد مذيَّلة بتوقيع أسماء الجنود الذين أرسلوها، وفي الداخل كتب المحرِّر السياسي «إنه بالرغم من أنّ الجنرال «دانات» تحدث من القلب، إلا أنّ تحديه لرؤسائه السياسيين اعتبر كعلامة على تراجع سلطة رئيس الوزراء البريطاني».
وكتب مراسل الجارديان يقول: «إن شوارع البصرة أصبحتْ مليئة بالعصابات المنظمة وفرق الموت والمليشيات المسلحة ورجال الشرطة الغارقين في الفساد». ونقل المراسل عن قائد الكتيبة البريطانية الثانية المرابطة في البصرة، قوله: إنّ القوات البريطانية في المدينة أصبحتْ جزءًا من مجتمعها القبلي «أصبحنا قبيلة أخرى». ويضيف الضابط البريطاني قائلًا: «طالما استمر وجودنا هذا فسيهاجمنا الآخرون لأنّنا أكثر القبائل نفوذًا».
الجانب الأخلاقي في سياسة بريطانيا
كان وزير الخارجية السابق «روبين كوك» في مايو عام ۱۹۹۷م، وبعد توليه مهامه كأوَّل وزير خارجية في الحكومة العمالية قد أعلن عن ضرورة إضفاء بُعد أخلاقي على السياسة الخارجية لبلاده ووضع قضايا حقوق الإنسان على رأس اهتمامات وزارته. لعلّ باستطاعته في ذلك الوقت أن يزعم أنّ الأمر كان كذلك، حيث تدخلتْ بريطانيا لمنع «ميلوسيفيتش» من إبادة المسلمين في كوسوفا، وأرسلتْ جنودها إلى سيراليون عام ۲۰۰۰م لمنع المتمردين من الإطاحة بالحكومة المنتخبة بشكل ديمقراطي. ومن الأمثلة الأخرى للتدخلات الأخلاقية حظر تصنيع واستخدام القنابل الموجهة، والفصل بين وزارة الخارجية ووزارة التعاون الخارجي للإسهام في محاربة الفقر وزيادة حجم الدعم المقدَّم لمنظمات حقوق الإنسان، بالإضافة إلى إدخال تعديلاتٍ على تدريبات الجنود بحيث أصبحتْ تتضمَّن مبادئ حقوق الإنسان، وإخضاع أفراد الجيش للمحاسبة المدنية، ولكنّ الأمر تغير منذ ذلك الوقت؟
رغم أنّ بريطانيا كانتْ في ذلك الوقت ثاني أكبر مصدر للسّلاح في العالم، إلا أنّ كوك كان يشدد على ضرورة عدم إبرام صفقات لبيع الأسلحة مع أية أنظمة قد تستخدمها لقمع المعارضين، أو للقيام باعتداءات خارجية، إلا أنّ حكومة بلير أبرمتْ صفقاتٍ سريةٍ مع أنظمة ذات سمعة سيئة مثل الصين وكولومبيا وسريلانكا وزیمبابوي، وأصبحتْ سياسة الكيل بمكيالين لازمة تتردد باستمرار احتلال العراق بدعوى وجود أسلحة خيالية للدمار الشامل، بينما اقتصر الأمر مع كوريا الشمالية التي نجحتْ في تطوير سلاح نووي على حرب التلاسن الدبلوماسي.
ومن الغريب أنّ البريطانيين يعبرون عن تذمرهم وسخطهم إزاء ما يجري في دارفور؛ بينما ينتهجون سياسة العين المغمضة إزاء انتهاكات روسيا لحقوق الإنسان في الشّيشان، كما أنّ الانتقادات لمعاملة الولايات المتحدة لمعتقلي جوانتانامو و«تسليمها» للمشتبه في انتمائهم لجماعات إرهابية لأنظمة تمارس التّعذيب كانتْ انتقادات جبانة. أما موقفها من لبنان وفلسطين ومشاركة بريطانيا للتأييد المطلق لـ «إسرائيل» فأمرٌ يندى له الجبين.
ويضيف كاتب المقال الافتتاحي في الإندبندنت: «إنّ ملفات أسلحة الدمار الشامل المرتجلة والمزاعم حول إمكان شن هجمات بتلك الأسلحة في غضون ٤٥ دقيقة واحتواء الأمم المتحدة وسوء معاملة السجناء العراقيين وكذا إهمال التخطيط لمرحلة ما بعد الحرب، كلها أمور لا تتعلق فقط بعدم الكفاءة أو بسوء التقدير، بل إنّ لها صدى أخلاقيًا، وقد ساهمتْ في تحطيم «البعد الأخلاقي» لتوني بلير كزعيم سياسي وربما أيضا لحزبه» (5).
سيناريوهات: كيف ينتهي كابوس العراق وتلك السياسة التي يعتبرها الكثيرون اليوم أنّها تحولتْ سمًا سياسيًا؟ تتحدث الصحف عن أربعة احتمالات تشكل الاقتراحات المتداولة.
يقوم الاقتراح الأول على تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق كردية في الشمال، وسنية في الوسط، وشيعية في الجنوب.
أمّا الخطة الثانية: فهي طلب مساعدة إقليمية من دول الجوار ودول أخرى لدخول العراق.
أما البديل الثالث، فيدعو إلى جدولة الانسحاب
أما الاقتراح الرابع المنطقي، فهو الانسحاب الفوري للقوات الأمريكية المحتلة.
المراجع
(1) study estimates 655000 excess Ira-qi deaths since start of war www.thelancet.com 12/10/2006
(2) This Terrible Misadventure Has killed one in 40 Iraqis.
The guardian 12/10/2006
(3) The soldier who speaks for Britain.
The Daily Mail. 14/10/2006
(4) British soldiers respond to Army chief: ‘At last, someone told the truth’
The Independent. 14-10-2006
(5) The Big Question: Can Britain lay claim to having an ethical foreign policy? The Independent. 13/10/2006