العنوان من حماة إلى الفلوجة
الكاتب محمد الحسناوي
تاريخ النشر السبت 12-فبراير-2005
مشاهدات 56
نشر في العدد 1638
نشر في الصفحة 40
السبت 12-فبراير-2005
بمناسبة شهر شباط (فبراير) الحالي تمر الذكرى الرابعة والعشرون المأساة (حماة) الدامية، وهي التي ذهب ضحيتها عام ۱۹۸۲م ثلاثون ألف شهيد، وهُدم ما لا يقل عن ثلاثين مسجداً، وأربع كنائس، والكثير من أحياء المدينة وأسواقها وحمّاماتها ومواقعها الأثرية مثل ( حي الكيلانية) المشهور.
تمر الذكرى .-برغم تطاول الزمن- غضة في نفوس السوريين تنبض بالأسى والمرارة لا لحجمها الكبير، وللأهوال التي وقعت فيها، ولا لتذكيرها بمجازر المدن السورية الأخرى جسر الشغور، سرمدا، تدمر حي المشارقة بحلب، بل لأنّ أهم عناصرها ما تزال شاخصةً تتفاعل وتعمل عملها حتى الآن، وهما ضرورة تحديد المسؤولية على من اقترف هذه القطاعات أولاً، ومعالجة آثارها النفسية والاجتماعية والسياسية والعمرانية ثانياً.
إنّ جماعة الإخوان المسلمين من طرفها أبرأت ذمتها حين دعتْ باسم مراقبها العام في مؤتمره الصحفيّ لإعلان مشروعهم السياسي السورية المستقبل في لندن / ٢٠٠٤/١٢/١٦ إلى تكليفِ جهة مستقلة معايدة لتحديد المسؤولية على من اقترف مأساة (حماة)، مع استعدادهم لتحَمّل ما تحمِّلهم إياه هذه اللجنة من مسؤولية . أو سواهم.
وعلى الرغم من مضيّ أكثر من شهرين على هذه الدعوة الحضارية، لم يبادر النظام السوري إلى الرد عليها- وهذا يعني فيما يعني -
محاولة التنصّل من المسؤولية الشرعيّة والأخلاقيّة، أو التستر على من يريد التنصل منها، وقد أن الأوان لتنتهي من التنصل أو التستر على المتنصلين من أجل سورية جديدة حرة وقوية ومتماسكة وحضارية.
الركن الثاني من أركان مأساة العصر عدم معالجة آثارها وتداعياتها التي ترتب عليها تشرد مئات الآلاف من سكان المدينة وهجرة آلاف آخرين منهم، واعتقال الاف لا يعرف الكثيرين منهم حتى بعد مضي ربع قرن على اختفائهم وتسميم التصور العام تجاه مواطني المدينة بين بقية المواطنين وممارسة سياسات غير لائقة تجاههم واستمرار النهج الأمني القمعي الذي أدى إلى المأساة في معالجة مشكلات الوطن الأخرى حتى الآن.
مثل قمع(ربيع (دمشق) بقانون الطوارئ ومحكمة أمن - الدولة، أو قمع اعتصامات طلاب الجامعات المهندسين، أو قمع جماهير المواطنين الأكراد في آثار الماضي بالقوة وبهراوة الأمن وحدها، فيالجزيرة السورية وبقية المحافظات السورية ومن خطورة هذا النهج أنه مازال قابلاً للتوالد وإعادة إنتاج نفسه. كما يحذر المفكر الأكاديمي ، السوري برهان غليون : لعل جناحاً قوياً في النظام لا يعلم بشيء أكثر من تكرار ما حدث في الثمانينيات في سبيل تصفية الساحة السياسية الوليدة في سورية من التراكمات الإيجابية التي عرفتها في السنوات القليلة - الماضية والتي تنزع جميعاً إلى تجريد السلطة السياسية من أي وسيلة لإضفاء المشروعية على استراتيجية الحرب الأهلية التي تتبعها منذ عقود في سبيل إلغاء أي حياة سياسية ومدنية معاً، وإجبار الشعب برمته على الإذعان والاستسلام الكامل والشامل القرارات السلطة البيروقراطية وإرادة الحزب أو من يمثله ويتكلم بإسمه (نظام الحزب الواحد فقد مبرره ووجوده. ملحق النهار الثقافي ، ٢٠٠٢/٨/٢٥م).
وبالمناسبة تعد مدينة (حماة ) إحدى المحافظات التي يشكل فيها المواطنون من أصل كردي نسبة عالية تعدل نصف سكانها، وهي المدينة التي ظهر فيها الملك الأيوبي العالم العادل أبو الغداء من سلالة البطل صلاح الدين الأيوبي، واستعارت المدينة لقبها من لقب هذا الملك، فسميت مدينة أبي الفداء.
إلى الآن لم تعالج آثار مأساة (حماة) الدامية وتداعياتها الخطيرة لماذا؟ ومن المسؤول الأول عن هذه المعالجة؟
صحيح أن بعض النازحين عادوا إليها، وأن بعض الجدران المهدمة قد أعيد بناؤه، ولكن النفوس المحتقنة هي هي والجراح النازفة الفاغرة هي هي، والنهج الذي يتم التعامل به مع بقية المواطنين هو هو. والمهجرون قسرياً من الحمويين وبقية المحافظات في أرجاء المعمورة هم هم بلا جوازات ولا وثائق سفر، ولا أمل |منظوراً بالعودة فإلى متى؟ وكيف؟
أحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس ؟ لما قررت الحكومة العراقية المؤقتة (حكومة إياد علاوي والقوات الأمريكية استباحة مدينة ( الفلوجة) العراقية أواخر السنة الماضية تمهيداً لما يسمى الانتخابات البرلمانية، ارتفعت أصوات في الشرق والغرب تحذر من مجزرة إنسانية ترتكب كمجزرة (جنين) والأراضي المحتلة، بما فيها أصوات سورية، فكان جواب المسؤولين العراقيين. كوزير العدل، والساسة الأمريكان: ليس الذي يتوقع أن يجري في الفلوجة غير الذي جرى في (حماة) السورية، لضبط الأمن وحماية الوطن، وهكذا أصبحت مأساة (حماة ) مثلاً يحتذى في ضبط الأمن العام وحماية الأوطان في الديمقراطيات العربية الوراثية والأمريكية على حد سواء !
هل كتب على هذه الأمة أن تشقى بفريق من أبنائها، كما تشقى بأعدائها؟
إنها ضريبة الصحوة والفرز والتمحيص والعودة إلى التاريخ من أبوابه العريضة.
وهنا يطرأ السؤال الملح لماذا لم تبادر السلطات السورية المتعاقبة إلى علاج آثار مأساة (حماة) وتداعياتها؟
الجواب أن العلاج الحقيقي هو التخلي عن النهج الذي أوصل الأمور إلى الاحتقان العام والأبواب الموصدة بين المواطنين والنظام الحاكم. والتخلي عن هذا النهج يعني التخلي عن السلطة أو الدخول في منحنيات قد تؤدي عاجلاً أو آجلاً إلى التخلي عن السلطة، أما الحديث عن الحق والعدل والقانون والديمقراطية والحديث عن استحقاقات الانهيارات الداخلية والضغوط الخارجية فحديث خرافة من أطراف المعارضة الوطنية.!!
إن لسان حال النظام السوري يقول: هذه مشكلة النظام العربي وليس النظام السوري وحده.
والنظام العربي يقول: هذه مشكلة النظام الدولي، وليس مشكلة النظام العربي وحده .
هذا منطق ذرائعي اقل ما يقال فيه: إنه يعوم المشكلة للتهرب من المسؤولية المباشرة. والمسؤولية عامة متدرجة، لا تعفي أحداً، لاسيما اصحاب القرار وكل له مستواه من المسؤولية بدءاً من المواطن العادي المقموع إلى رجل السلطة القامع. وهذا هو منطق العدل والقانون والحضارة.
عوداً إلى تشبيه مأساة (الفلوجة) بمأساة (حماة).
.. فعلاً إن الاستباحة الجماعية للسكان من رجال ونساء وأطفال ومسلحين وغير مسلحين وتدمير المرافق العامة والبنية التحتية واستخدام الأسلحة المتقدمة مع جمهور أعزل أو ما يغير عنه بالأرض المحروقة طوال شهر كامل أو فترة زمنية متطاولة، واستهداف طائفة معينة من المواطنين هي الطائفة نفسها في العراق وسورية وفلسطين وغيرها، الأمر يسترعي انتباه من لا انتباه لديه. وحتى الحجج أو الذرائع المتخذة هي نفسها، والأنكى أن المعتدي يستخدم معايير مزدوجة فيدين مثل هذه الاقترافات خارج ساحته الجغرافية، ويمارسها هو نفسه بامتياز.
النظام السوري مثلاً يطالب بإعادة تعريف (الإرهاب)، والمطالبة العادلة بإعادة تعريف (الإرهاب) وتخليصه من النظرة الاستباقية أو الأحادية أو العصابية يقتضي فيما يقتضي الانسجام مع الذات، والبدء بالذات في التطبيق وضرب المثل والقدوة لا من أجل هذا الهدف النبيل وحده، بل من أجل الحق والعدل والمصلحة الوطنية العامة أولاً وثانياً وثالثاً
ورابعاً .
مجزرة (حماة) وقعت ومجزرة (الفلوجة) وقعت ومجزرة (جنين) وقعت أيضاً، ولم يعترف مقترفوها بالمسؤولية ولا عالجوا آثارها
وتداعياتها، فما المطلوب؟
ان نبش الجرح لا للتلذذ بالأمه بل للتخفيف من الامه أولاً، والمحاولة منع تكراره ثانيا وثالثاً ورابعاً، ويبدو أن الذين اقترفوا ما اقترفوا غير مبالين حتى الآن بالإدانة، أو عذاب الضمير، أو العودة إلى الصواب من عند أنفسهم، فعلى المعنيين من الأحرار والشرفاء من مواطنين عاديين أو قادة الفكر والرأي ومنظمات حقوق الإنسان أن يتدبروا أمرهم والمثل يقول: «ما حك جلدك مثل ظفرك وأول هذا التدبير رفع الصوت بالإدانة والنكير.
اما المراهنون على عامل الزمن لنسيان المأساة فواهمون كل الوهم بل إن تطاول الزمن على الجرح غير المتدمل . وأي جرح هذه المأساة الإنسانية . عامل تفاقم وتصعيد في ميزان الواقع والتاريخ، فأين يذهبون؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل