; 10 سنوات من اتفاقية دايتون.. البوسنة والهرسك .. من التطهير إلى إرهاب المافيا | مجلة المجتمع

العنوان 10 سنوات من اتفاقية دايتون.. البوسنة والهرسك .. من التطهير إلى إرهاب المافيا

الكاتب محمد السائحي

تاريخ النشر السبت 03-ديسمبر-2005

مشاهدات 140

نشر في العدد 1679

نشر في الصفحة 36

السبت 03-ديسمبر-2005

  • المفوضية الأوروبية: البوسنة أصبحت مرتعًًا تعشش فيه المافيا بكل أصنافها

  • العالم يتفرج على أمة عانت الإجرام المسلح ثم الإجرام المنظم تحت سمع العالم وبصر الحماية الدولية لإنهاكها بعد أن عجز السلاح عن إبادتها

بعد 10 سنوات من اتفاقية دايتون للسلام التي ابتهج الإعلام بها واحتفلت بها المؤتمرات الدولية وكللتها بوعودها، وكانت سببًا في تكريس تقسيم البوسنة والهرسك كيانين متنافرين هما البوشناق المسلمون والكروات من جهة، والصرب الذين منحوا على حساب الآخرين دويلة مستقلة، ومن جراء ذلك كانت النتيجة التي أفرزتها اتفاقية دايتون والاحتلال الأوروأمريكي عبر الناتو بتقنين أممي، أن وصلت معدلات الفقر اليوم إلى 20٪ من سكان البوسنة والهرسك يعيشون تحت خط الفقر، و 40٪ عاطلون عن العمل.

وقد اتسعت الهوة بين الأغنياء والفقراء بشكل كبير، ومن جراء تلك الأوضاع تحولت البوسنة إلى مرتع تعشش فيه المافيا بكل أصنافها فحولت البلاد إلى محطة تهريب المخدرات وتجارة الرقيق (النساء) وتهريب البترول والسجائر والكحول التي فاقت قيمتها 300 مليون يورو، كما جاء في أحد تقارير المفوضية الأوروبية، وتغلغلت المافيا في قلب الاقتصاد البوسني بشكل لم يعد ممكنًا القضاء عليه وقد وصف ذلك جليًا «أنطونيو برلندا» المختص في الشؤون الأمنية بصحيفة «أسلوبود جينيا» عندما قال: «إن شبكات الجريمة المنظمة تدير اقتصادًا موازيًا يتعدى دخله ميزانية الدولة البوسنية». وقال أيضًا: «إن الجريمة المنظمة تمول الحرب والمجرمين وبعض السياسيين الحاليين كذلك».

وفي استفتاء قامت به المفوضية الأوروبية بين البوسنيين في يوليو عام 2004م وجدت أن أكبر عائق بالنسبة لتحرك البوسنة من الركود والتراجع تتلخص في أن الجريمة والفساد هي العقبة الرئيسة أمام اندماج البوسنة والهرسك وانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي. وقال سناد أفديتش محرر مجلة «سلوبودنا بوسنا»: إن الجريمة المنظمة هي السرطان الذي ينهك المجتمع البوسني منذ نهاية الحرب عام 1995م.

وحول تغلغل المافيا في المراكز الحساسة أصدرت جريدة «نيزافيزي نوفين» التي تصدر في بنيالوكا، تقريرًا حول جرائم القتل والسرقة والتهريب والفضائح المالية بعنوان «الكتاب الأسود»، وقال صاحب الملف: «إن كل الجرائم التي لا صلة لها بشخصيات مسؤولة كجرائم الفساد وغسل الأموال وغيرها، لم يتم تجريم أصحابها، وقد تحولت العاصمة سراييفو إلى منتجع لتجارة العاهرات اللاتي يأتينها من مناطق مختلفة من البلقان ومن روسيا وأوكرانيا».

ويقول أحد أفراد شرطة الاتحاد الأوروبي EUPM: إن اثنين من أكبر رؤوس المافيا هما كوسوفيان من أصل ألباني، ويختص أحدهما بتهريب النساء والذهب والسيارات المسروقة والسلاح عبر ألبانيا وكوسوفو ومقدونيا، حيث يكون مستقر السيارات المسروقة مدينة «سوكولاتس» شرق جمهورية صرب البوسنة، ويتم في كثير من الأحيان التفاوض مع صاحب السيارة حول مبالغ مالية لإعادة سيارته له. ويرى الملاحظون أن هذه الشبكات الإجرامية ما هي إلا وجه جديد وامتداد للميليشيات المسجلة وقادة الحرب الذين كانوا يرتكبون المجازر في البوسنة والهرسك بلغة السلاح، فتحولت لترتكب نفس المجازر بالإرهاب وإنهاك الشعب البوسني وتدمير اقتصاده وبث الفساد في أوساطه.

  • انتعاش المافيا بين صراع الكيانين

 لم تتوقف مظاهر العنف بين الجانبين الفيدرالية وجمهورية صرب البوسنة، وأصبحت نشاطات المافيا وحركتها سببًا رئيسًا في إشعال فتيل ذلك الصراع الذي ينتهي بإطلاق النار بين الشرطة في الجانبين فيكون المدنيون ضحيته، بيد أن شبكات المافيا في أوساط الكيانات الثلاثة تتعاون وتنسق مصالحها بشكل كبير ويتعدى ذلك التفاهم وتبادل المصالح حدود البوسنة والهرسك إلى جمهوريتي كرواتيا ويوغسلافيا الحاليتين حيث تتم عمليات تبادل السيارات المسروقة والمخدرات والأسلحة وتجارة الرقيق الأبيض. وقد أظهرت دراسة للمفوضية الأوروبية إنذارًا بالفشل في ملاحقة تلك الشبكة المعقدة والتغلب عليها، مبررة ذلك بتشابك مصالح القطاعات الثلاثة: الجريمة والاقتصاد والسياسة.

  • بين سطوة المافيا وتقاعس المفوضية

 لم تستطع التشكيلات المختلفة للحماية الدولية وعلى رأسها المفوض السامي اللورد بادي أشداون، الذي عُين عام 2002م، الحد من تنامي الجريمة وتفاقمها بشكل شرد الكثير من الكفاءات البوسنية التي هاجرت أو شجعت على الهجرة خارج البلاد وساهم في بث الفساد في أوساط شرائح المجتمع ونشر المخدرات بالرغم من أن لكل من المفوض السامي والمؤسسات الأمنية والعسكرية الآن وحدة لمكافحة الجريمة، إلا أنها فشلت جميعها في التصدي لها حتى عششت ووسعت من نشاطها. وأشارت مصادر من قوات الشرطة الأوروبية إلى أن مهمتها هي: مساعدة الشرطة البوسنية وليس التعامل مع الجريمة المنظمة، وأضاف المصدر نفسه أن سياسة ومهمة الشرطة الأوروبية لا تسمح بذلك.

أما قوات الأسفور التي سميت فيما بعد بالإيفور، فكان يعتقد أن تكون الجهة القادرة على التعامل مع الجريمة المنظمة التي أنهكت الشعب البوسني، لكونها تتمتع بالقوة والقدرة والتدريب والعتاد، لكن تلك القوات لم تفعل ذلك منذ قدومها عام 1995م. وقال أحد المتعاقدين مع وزارة الدفاع الأمريكية والعامل مع الأسفور: إننا نتلقى معلومات عن شبكات الجريمة المنظمة لكننا لا نهتم إلا بمجرمي الحرب.

وبالرغم من تأكيدات مسؤول الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي والمفوض السامي في البوسنة أشداون من أن مهمة الإيفور التي حلت محل الأسفور ستتحول إلى مكافحة الجريمة، فإن ورقة سكرتير الاتحاد الأوروبي حول مهمة الإيفور في البوسنة لم تتضمن مسألة مكافحة الجريمة، وقد وضح ذلك المتحدث باسم الإيفور القائد Chris Percival بقوله: «إن مهمة الإيفور قائمة على أساس اتفاقية دايتون للسلام في ركنها العسكري وهي تلتزم بأسس الاتفاقية».

وقال قائد الإيفور الجنرال David Leakey: «إن مكافحة الجريمة المنظمة تقع على كاهل الأجهزة المدنية، ويتجذر ذلك الإشكال في عمق الخلاف الواقع بين الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو».

وكان ميرساد هافيزفيك أحسن وصف مهمة الإيفور بقوله: «لقد رأيت لافتات الإيفور التي تعدنا بالانتقال من الاستقرار إلى الاندماج، لكنني لم أر قوات الإيفور تحمينا من حاملي الأسلحة والقنابل إنهم يتركون البوسنيين يواجهون الأخطار وحدهم، في حين يناقشون مهامهم ومصالحهم داخل مقراتهم المترفة، وهو بالضبط ما كانوا يفعلونه أثناء الحرب».

ويقول «سيناد سالتينا» المحرر في مجموعة الأزمات الدولية: «إن القصة تتعدى ذلك، فعنوان مهمة الإيفور عملية Althea ينذر بمستقبل لا يبشر بخير للبوسنة فإن هذا العنوان المختار بدقة يرمز إلى اسم ملكة يونانية يقال إنها كانت ملكة مهووسة بالدماء. حيث قتلت ابنها بعد ولادته وقتلت أخاه ثم قتلت نفسها، ومن ثم فليس من الصدفة إعطاء هذا الاسم لمهمة الإيفور، بل إنه يدل على اقتناع المسؤولين الأوروبيين باستحالة تحقيق مهمتهم في البوسنة، كما يدل على التفرج على أمة أدخلها الإجرام المسلح ثم الإجرام المنظم تحت عين ونظر الحماية الدولية لإنهاكها وقتل الأمل فيها بعد أن عجز السلاح عن إبادتها».

في الأخير يبقى البوسنيون متخوفين ومتشككين من مهمة القوات الأوروبية التي تخلت عنها القيادة الأمريكية؛ لأن تجربتهم مع تلك القوات التي كانت مظلة الأمم المتحدة أثناء الحرب كانت تقوم بعمل المتفرج على المذابح والمجازر اليومية هذا إن لم يكن لبعض عناصرها يد فيها بشكل أو بآخر.

الرابط المختصر :