العنوان ثلاثة أشهر لاختطاف بن بركة.. عملية «بويا البشير»
الكاتب إدريس الكنبوري
تاريخ النشر السبت 21-يناير-2006
مشاهدات 56
نشر في العدد 1685
نشر في الصفحة 44
السبت 21-يناير-2006
«المجتمع» تنشر الترجمة الكاملة للكتاب المثير لرجل المخابرات المغربي السابق أحمد بخاري «مصالح الدول: كل شيء عن قضية بن بركة» الحلقة (9)
٢٥ مسؤولًا أمنيًا كبيرًا بينهم أمريكيون درسوا العملية.. وتم رصد ميزانية مفتوحة واختيار عشرة من كبار رجال الأمن لتنفيذها.. كنت أحدهم
صديق قديم لـ «بن بركة».. عميل مزدوج للموساد والمخابرات المغربية «الكاب»
الموساد ، كان يرغب في عودة بن بركة وأسرته إلى المغرب نهائيًا لتشكيل حكومة من حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية لأنه كان يرى أنها ستكون في مصلحة الحسن الثاني والطائفة اليهودية
ضباط الصف القدامى الجيش الفرنسي لم يقبلوا أبدًا بالعودة إلى الثكنات والتخلي عن المليارات التي يجنونها من وراء الفساد ويخزنونها في الصناديق السوداء التي يديرونها بكل حرية وبعيدًا عن أي رقابة
رغم الخلافات ظل بن بركة يعتقد أن التفاهم مع الحسن الثاني لا يزال ممكنًا لأنه لم يكن قد فهم أن السلطة بالنسبة للحسن الثاني - تلميذه السابق في مادة الرياضيات شيء غير قابل للقسمة!
في الأسبوع الثالث من أكتوبر ١٩٦٥ قام الجزائري الأخضر الإبراهيمي أحد أصدقاء بن بركة المقربين بنصيحته بأن يكون حذرا ومعتدلًا في تصريحاته الصحافية وأن يحذر حتى في وجوده بالخارج وشرح له كيف أن الضباط السامين في القوات المسلحة الملكية يمكن أن يصلوا إليه في أي مكان في العالم لأنهم أصبحوا أقوياء ونسجوا علاقات مع جميع أجهزة الاستخبارات في دول العالم وعندما علم بموضوع الفيلم السينمائي «باسطا»، نصحه بأن يتخلى عن المشروع أو أن يؤجل مواعيده قليلًا إلى أوقات لاحقة، لكن الإبراهيمي كان يجهل أن بن بركة في ضائقة مالية!
في مرحلة متأخرة وخلال اعتقاله في فيلا «بوشيش» لاحظ رجال الكاب الذين استنطقوه لمدة ست ساعات أن بن بركة ما يزال متفائلًا، لقد كان يعتقد بنية صادقة وبقوة أن التفاهم مع الحسن الثاني ما يزال ممكنًا، لأنه لم يكن قد فهم أن السلطة بالنسبة للحسن الثاني - تلميذه السابق في مادة الرياضيات - شيء غير قابل للقسمة. ولم يكن قد فهم أن ضباط الصف القدامي في صفوف الجيش الفرنسي لن يقبلوا أبدًا بالعودة إلى الثكنات والتخلي عن المليارات التي يجنونها من وراء الفساد ويخزنونها في الصناديق السوداء التي يديرونها بكل حرية وبعيدًا عن أي رقابة من أي نوع وبدون تقديم فواتير لأحد غير أنفسهم، وأن هؤلاء العسكريين أصبح لهم نفوذ قوي في دائرة القرار في الدولة على جميع الأصعدة وفي جميع المجالات خاصة أوفقير والدليمي اللذين كانا يملكان السلطة والمال القذر!
نصائح العملاء
كان بن بركة في العام ١٩٦٥ على علاقة سيئة مع عدد من قادة ومسئولي حزبه وتحديدًا مع عبد الرحيم بوعبيد نائبه الأول. وعبد الرحمن اليوسفي نائبه الثاني في الكتابة العامة للحزب منذ المؤتمر العام الثاني سنة ١٩٦٢ لقد كان يأخذ عليهما «نسج علاقات جيدة مع القصر» لينين مع الملك في المفاوضات المتعلقة بعودته إلى المغرب لأن تلك المفاوضات انتهت إلى الفشل ووصل إلى قناعة أن بوعبيد ربما كان يرغب في بقائه في المنفى لأخذ مكانه على رأس «الاتحاد الوطني للقوات الشعبية» والحصول على ذريعة أخرى لتبرير لقاءاته المستمرة بالملك الحسن الثاني.
وناقش بن بركة كل هذه الأمور الخاصة بالوضع الداخلي لحزبه مع صديقه اليهودي «جو أوحنا» الذي كان أحد مصادر «الكاب1» وبلغ أوحنا المعلومات التي حصل عليها إلى عميل الكاب محمد المسناوي عدة مرات طيلة سنة ١٩٦٥ وهذه المعلومات تشكل موضوع تقارير عدة توجد في ملف المهدي بن بركة المصنف في أرشيفات الكاب ومصلحة مكافحة الشغب.
لقد كان المهدي بن بركة على علاقة مع عدد من اليهود المقيمين بالمغرب وإسرائيل، وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وهولندا وكندا، وكانت تلك العلاقات جيدة خلال إقامته بالمغرب بين ١٩٥٦ ونهاية ١٩٥٩ وبين مايو ١٩٦٢ ويونيو ١٩٦٣، وخلال فترة المنفى بين يناير ١٩٦٠ إلى مايو ١٩٦٢ وبين يونيو ١٩٦٣ وأكتوبر ١٩٦٥، ولكنه لم يكن الشخصية السياسية المغربية الوحيدة التي ترتبط مع اليهود بعلاقات ممتازة، بل كان هناك عدد من مسئولي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وحزب الاستقلال والحزب الشيوعي المغربي والاتحاد المغربي للشغل مرتبطين بعلاقات جيدة مع اليهود المغاربة في مختلف أرجاء العالم، بل إن عددًا من هؤلاء قاموا بزيارات عمل إلى «إسرائيل» بين عامي ١٩٥٦ و١٩٦٥، وكان هؤلاء وعلى رأسهم بن بركة من المدافعين عن مصالح اليهود المغاربة الذين كان عدد كبير منهم عملاء تابعين لجهاز الموساد.
وكان الموساد يرغب في عودة بن بركة وأسرته إلى المغرب نهائيًا لتشكيل حكومة من حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، لأنه كان يرى أن حكومة مثل هذه ستكون في مصلحة الحسن الثاني والمغرب وخصوصًا في مصلحة الطائفة اليهودية المغربية سواء الموجودة بداخل المغرب أو في الخارج، وكثيرًا ما نصح عملاء الموساد الذين كانوا يزورون المغرب مرات عدة في السنة الملك الحسن الثاني بتقديم اقتراح أو عرض مهم لبن بركة من أجل إقناعه بالعودة من المنفى لشغل منصب مهم يناسب شخصيته بعدما أصبح خلال مرحلة المنفى رجلًا من الوزن الثقيل ومعروفًا في العالم كله.
كان جو أوحنا، وهو صديق قديم لبن بركة منذ ١٩٥٦، عميلًا مزدوجًا للموساد وللكاب وقد جعل شقته الفاخرة الواقعة قريبًا من «لشانزيليزيه» بباريس رهن إشارته كلما أتى الزيارة فرنسا، وبدوره تدخل بن بركة الفائدة أوحنا لدى أصدقائه الثوريين الكوبيين مثل جيفارا وكاسترو في بداية عام ١٩٦٠ خلال فترة منفاه الأول من أجل السماح له باحتكار استيراد السكر الكوبي إلى المغرب، وكان بن بركة قد قام بنفس المساعي لفائدة صديقه اليهودي لدى وزير التجارة المغربي عام ١٩٥٦ للسماح له بهذا الحق.
الضوء الأخضر!
في ظهيرة يوم ٢٥ مارس ١٩٦٥، ومباشرة بعد انتهاء انتفاضة الدار البيضاء الدامية استدعى الملك الحسن الثاني على استعجال ثلاثة من المسئولين الأمنيين لعقد اجتماع طارئ: أوفقير، الدليمي ومحمد العشعاشي الذي كان رئيسًا لمصلحة مكافحة الشغب حمل معه إلى الاجتماع نسخة من مخطط العشعاشي، الذي كانت نسخته الأصلية موجودة لدى الملك منذ ديسمبر ١٩٦٤ .
كان برفقة العشعاشي اثنان من حراسه الشخصيين من المقربين إليه هما أحمد أدجين و«أنا كاتب هذه السطور»، وقد كنا معه في الذهاب وفي العودة وانتظرنا معه نحو ثلاث ساعات قبل أن يبدأ الاجتماع الذي لم يستمر سوى نصف ساعة. وحسبما قال العشعاشي بعد الاجتماع فإن الملك كان غاضبًا على الدليمي وأوفقير، وكان إلى يمينه التقارير الثلاثة لأيام ٢٣ و ٢٤ و ٢٥ مارس موقعة من رئيس مصلحة مكافحة الشغب ونسخة من مخطط العشعاشي في ملف على حدة، وبعد تصبين أوفقير والدليمي قفز الملك إلى المخطط وأعطى موافقته عليه فأصبح يدعى لاحقًا به عملية «بويا البشير»، مع إيذان بالشروع في التنفيذ خلال الأربع والعشرين ساعة التالية، وتخصيص ميزانية غير محدودة ومسئول واحد هو محمد العشعاشي الذي حصل بالتالي على ضوء أخضر وصلاحيات كاملة للتقرير في الموضوع.
كان الملك الحسن الثاني يعرف العشعاشي جيدًا ويثمن قدراته منذ العام ١٩٦٢ ودوره في إحداث القطيعة بين نقابة الاتحاد المغربي للشغل وحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وقد لعب الكولونيل مارتان من جهاز المخابرات المركزية الأمريكية دورًا في التقريب بين رئيس الدولة ورئيس مصلحة مكافحة الشغب في الكاب إذ كان مارتان يلتقي باستمرار بالملك خلال الفترة التي قضاها بالمغرب ما بين أغسطس ١٩٦٠ ونهاية أكتوبر ١٩٦٧.
وخلال تلك اللقاءات السرية المتعددة وجها لوجه بينه وبين الحسن الثاني، لم يكن الخبير الأمريكي في التجسس يتردد في قول الحقيقة حول ما يحدث في جهاز الكاب مستعرضًا في ثنايا الحديث خصال العشعاشي الذي كان يعتبره الرئيس الفعلي لذلك الجهاز، ومنتقدًا خلال ذلك الدليمي وأوفقير بشدة لأنه كان يرى أنهما يفتقدان الكفاءة في مجال التجسس والاستعلام.
مخطط العشعاشي
في نفس الوقت كان عملاء جهاز الموساد الإسرائيلي الذين يزورون المغرب بشكل منتظم يعرفون العشعاشي جيدًا، ولم يكونوا بدورهم يترددون في امتداح كفاءاته أمام الملك كلما سنحت لهم الفرصة للقائه، وكان هؤلاء يستقبلون في مطار الرباط أو الدار البيضاء من طرف مقربين من محمد العشعاشي كلما أتوا إلى المغرب، ويقيمون في سرية تامة تحت حراسة رجال أمن تابعين لمصلحة مكافحة الشغب في شقق فاخرة بحي السويسي بالرباط وليس في فنادق حيث كانوا يناقشون جميع الأمور التقنية مع العشعاشي ومارتان لكن من دون إشراك أوفقير والدليمي - لم يكن هؤلاء يهتمون بهذا الثنائي - إضافة إلى عبد الحق العشعاشي وجميل الحسوني إلا حينما بدأت المفاوضات حول الهجرة الكبرى لليهود المغاربة إلى إسرائيل بين ١٩٦٠ و ١٩٦٧ تلك المفاوضات التي مكنت اللاعبين فيها من مراكمة أموال طائلة!
اجتماع في الكاب
انعقد بتاريخ ٢٦ مارس ١٩٦٥ اجتماع القيادة الكاب بجميع أعضائها في قاعة الاجتماعات الكبرى في مقره بشارع مولاي إدريس تحت رئاسة أوفقير الساعة العاشرة صباحًا على وجه التقريب، وكان الاجتماع مخصصًا لمدارسة برنامج اليوم الذي كان كالتالي:
الوضع الأمني في المغرب بعد أحداث٢۳ و ٢٤ و ٢٥ مارس.
مخطط العشعاشي الذي أصبح يسمى بعملية «بويا البشير».
وقد شارك في ذلك الاجتماع ٢٥ مسئولًا في الكاب من بينهم الجنرال أوفقير وزير الداخلية والمدير العام للإدارة العامة للأمن الوطني والكولونيل مارتان المستشار بمصلحة مكافحة الشغب والكولونيل سكوت من المخابرات الأمريكية المستشار بمصلحة محاربة التجسس والكولونيل ستيف من المخابرات الأمريكية أيضًا المستشار بمصلحة العمليات التقنية، وأحمد الدليمي نائب رئيس الكاب والمدير المساعد في إدارة الأمن الوطني، ومحمد العشعاشي رئيس مصلحة مكافحة الشغب، وعبد الحق العشعاشي رئيس دیوان أوفقير في الكاب وإدارة الأمن الوطني، وعلي بنتاهيلة رئيس مصلحة محاربة التجسس، وعبد الحميد جسوس رئيس مصلحة العمليات التقنية، وجميل الحسين رئيس المصلحة المالية والإدارية، وأحمد بن عبدالله رئيس مصلحة الشؤون العامة وبدر الدين بنونة رئيس مصلحة الأمن، ومولاي أحمد التدلاوي رئيس إدارة الشؤون العامة بوزارة الداخلية، وأحمد بن الشيخ المقرب من الدليمي ونائب رئيس مصلحة مكافحة الشغب.
وتناول أوفقير الكلمة في بداية الاجتماع لبعض الدقائق وهو ثمل كعادته «سكران» بعد قضاء ليلته السابقة في معاقرة الخمر، وتحدث في عجالة عن أحداث الدار البيضاء ثم وصل إلى عملية «بويا البشير» قبل أن يعطي الكلمة إلى محمد العشعاشي ليشرحها بتفصيل، فقام هذا الأخير بشرح تفاصيل العملية وأحداث الدار البيضاء لمدة ساعتين، ويمكن بسط تلك الشروحات في العناصر التالية:
خلفت أحداث الدار البيضاء ١٥٥٠ قتيلًا وآلاف الجرحى جروحهم متفاوتة الخطورة، هذا فقط في الدار البيضاء دون احتساب الجرحى في المدن الأخرى للمملكة، أما عدد قوات الأمن وقوات حفظ النظام الذين شاركوا في إخماد الانتفاضة فقد تجاوزوا عشرين ألفًا، بينهم خمسة آلاف شرطي وخمسة آلاف من القوات المساعدة وعشرة آلاف جندي.
مخطط العشعاشي الذي تم وضعه في مصلحة مكافحة الشغب في ديسمبر ١٩٦٤ حصل على موافقة رئيس الدولة في مارس ١٩٦٥ وأصبح من ثم يسمى عملية «بويا البشير» ويجب أن تنطلق العملية في أقرب الآجال أي ۲۷ مارس ١٩٦٥ بتعبئة خمسين من رجال الأمن من الكاب، أما الميزانية المرصودة لتنفيذ العملية فهي غير محدودة ولكن ميزانية المشروع فيها هي ٥٠٠ مليون فرنك موجودة حاليًا في صندوق مصلحة مكافحة الشغب سلفًا!
في نفس اليوم عقد اجتماع آخر وهذه المرة بمقر مصلحة مكافحة الشغب تحت رئاسة محمد العشعاشي رئيس المصلحة وبحضور الكولونيل مارتان، ومشاركة عشرة من رجال الأمن التابعين للمصلحة اختيروا بعناية للإشراف على العملية، وهم محمد المسناوي وأنا، رئيس ونائب رئيس وحدة «الاتحاد الوطني للقوات الشعبية» بالكاب على التوالي، ومحمد الورديغي ومحمد العلمي رئيس وحدة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ورئيس قسم الأرشيف بالكاب على التوالي وعبد القادر صاكا وأحمد أدجين رئيس ونائب رئيس وحدة العناصر المخربة على التوالي، وأحمد زيني وبناصر الكرواني رئيس وحدة حزب الاستقلال ورئيس المفرزة الأمنية الثانية على التوالي، ثم بوفوس بوجمعة وإدريس الزياتي رئيس ونائب رئيس وحدة الاتحاد المغربي للشغل والحزب الشيوعي المغربي على التوالي، وقد خصص ذلك الاجتماع لقضايا تهم الحصول على الوثائق وتحضير جوازات السفر ورخص السياقة المزورة - الحقيقية لثلاثين من رجال الأمن التابعين لمصلحة العمليات التقنية قبل سفرهم إلى الخارج المقرر ليلة ٢٦ مارس وللعشرة الآخرين التابعين لمصلحة مكافحة الشعب الذين سيتكلفون بمهمة مراقبتهم خارج المغرب، كما تطرق الاجتماع إلى مسألة تعويض الغائبين في الدوام الخاص بعد ٢٦ مارس.
في حوالي الساعة السابعة مساء تسلم كل واحد من رجال الأمن الثلاثين المكلفين بمهمة في الخارج غلافًا يحتوي على مبلغ ۲۰۰ ألف فرنك وتذكرة سفر بالطائرة إلى جنيف، وجوازي سفر ورخصة سياقة مزورة - حقيقية وتسلم رئيسا المجموعتين وهما محمد المدغري العلوي وميلود التونسي، غلافًا بمبلغ مليوني فرنك لكل واحد وتذكرة سفر بالطائرة من الدار البيضاء إلى جنيف وجواز سفر ورخصة سياقة مزورين – حقيقيين، وبعد أسبوعين تلقى كل واحد من الثلاثين المشار إليهم مبلغًا ماليًا مقداره ٥٠٠ ألف فرنك وجواز سفر ورخصة سياقة أخريين مزورين حقيقيين.
الأغلفة الأولى سلمت للمعنيين من طرف رئيس مصلحة مكافحة الشغب شخصيًا في مكتبه، وبحضور محمد المسناوي وأحمد أدجين وأنا، وكانت هناك العشرات من الأغلفة المغلقة والموقعة معدة للإرسال والاستخدام في عملية «بويا البشير» خلال سبعة أشهر، ما بين ۲۷ مارس و ۲۹ أكتوبر١٩٦٥.
كانت المجموعة الأولى مكونة من عشرين شخصًا يرأسهم ميلود التونسي مهمتها المتابعة السرية لخطوات المهدي بن بركة في سويسرا والجزائر ومصر وفرنسا وألمانيا وفي أي مكان آخر في العالم يسافر إليه.
أما المجموعة الثانية فقد كانت مكونة من عشرة أشخاص يرأسهم محمد المدغري العلوي ومهمتها التنصت إلى مكالمات بن بركة الهاتفية والاطلاع على الرسائل والطرود البريدية التي تصله في جنيف والجزائر والقاهرة.
وكانت هناك مجموعة ثالثة لكنها بقيت بالمغرب، مكونة من عشرة أشخاص يرأسهم بن منصور، وتقوم بنفس مهمة المجموعة الثانية في الداخل، أي التنصت على مكالمات عناصر الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وفتح الرسائل والطرود البريدية الموجهة منهم وإليهم.
تم ترتيب الدوام الخاص في جميع المكاتب التابعة لمصلحة مكافحة الشغب ووضع خط هاتفي خاص جديد لمتابعة التطورات، وفتح سجل جديد للدوام يحمل تاريخ ۲۷ مارس ١٩٦٥ موقع من طرف رئيس المصلحة شخصيًا.
وتم في نفس اليوم تسجيل أول مكالمة هاتفية من الخارج، وبدأ رجال الأمن المكلفون بالدوام يتناوبون على الخدمة في نفس اليوم، وفي الأسبوع الأول من شهر أبريل الموالي تم تلقي أولى التقارير المشفرة الواردة من الخارج وأول تقرير تحليلي أسبوعي.
عملية بويا البشير
كانت عملية «بويا البشير»، ذات هدف واحد: اختطاف المهدي بن بركة في الخارج، سواء في الجزائر أو في أي مكان آخر، ثم نقله منومًا إلى المغرب، وحمله مباشرة نحو النقطة المركزية دار المقري حيث يتم الاحتفاظ به لمدة أسابيع أو أشهر أو سنوات، إلى أن تأتي أوامر جديدة من المخزن « النظام».
كان مبرمجًا في البداية أن تجري عملية الاختطاف في الجزائر لأن الظروف كانت قد هيئت جيدًا من قبل، ولكن بعد أسابيع من الشروع في تنفيذ العملية تم إدخال تعديلات على المخطط الأصلي، فتقرر أن تجري عملية الاختطاف في باريس فوق التراب الفرنسي، كما كان الوقت المخصص لإنهاء العملية في البداية هو ثلاثة أشهر فجرى تمديدها إلى أربعة.
بدأ رجال الأمن الخمسون مهماتهم يوم ٢٧ مارس ١٩٦٥ في الساعة السادسة صباحًا، وانطلقت عملية ملاحقة خطوات بن بركة في جنيف في نفس اليوم، قبل أن تنتشر إلى باريس والقاهرة والجزائر وفرانكفورت، وفي نفس اليوم أيضًا تم تجهيز وسائل التنصت على المكالمات الهاتفية لتسجيل جميع المكالمات الصادرة والقادمة من وإلى بن بركة في العالم، حيث تم نصب أجهزة تنصت في مقرات إقامة مسئولي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في جنيف والقاهرة والجزائر، وربط الاتصال مع الخطوط الهاتفية للاتحاد في الرباط والدار البيضاء ومسؤولية في جميع مدن المملكة وكان الأمر سهلًا، حيث إنه ومنذ ٢٧ مارس أصبحنا على اطلاع على كل ما يجري حول بن بركة وما يقوم به، وعلى اتصالاته وعلاقاته وتنقلاته ومواعيده وبريده ومحادثاته الهاتفية.
كان رجال الأمن العشرة المعينون في إطار متابعة العملية بمصلحة مكافحة الشغب يتحركون حول رئيسهم محمد العشعاشي ليلًا ونهارًا، بدون انقطاع.
وبالتناوب مرة أو مرتين في الأسبوع ومرة واحدة بين كل ثلاث عطل أسبوعية المواصلة الدوام الخاص، وكان العشعاشي يغادر مكتبه حوالي الساعة السابعة وعشرين دقيقة مساء تاركًا خلفه للضرورة هواتف الأمكنة التي يفترض أن يكون بها أثناء غيابه، ويعود حوالي منتصف الليل للاطلاع على آخر المعلومات المتعلقة بعملية «بويا البشير» وقراءة آخر ما سجل في سجل الدوام الخاص بعد مغادرته، ثم يتحدث قليلًا مع مسئول الدوام الخاص قبل أن يلتحق بأصدقائه بإحدى علب الليل في العاصمة أو في القنيطرة المدينة الأمريكية التي تبعد عن الرباط بنحو أربعين كيلومترًا، وحوالي الساعة الثالثة أو الرابعة فجرًا يعود إلى المقر لمعرفة المستجدات وكتابة أوامره المعاونية بقلم أخضر في هوامش السجل، وهم المسناوي وصاكا وزيني وأدجين والعلمي وأنا.
كان هذا هو برنامج العشعاشي اليومي قبل أن يذهب إلى بيته الواقع بشارع مولاي إدريس قرب مقر الكاب حيث يطل مباشرة على نوافذ مقر مصلحة مكافحة الشغب، ولم يتغير هذا البرنامج طيلة سبعة أشهر ما بين ۲۷ مارس و ٢٩ أكتوبر ١٩٦٥ . أما رجال الأمن العشرة التابعون للمصلحة فقد كان لهم هم أيضًا برنامجهم الذي لم يتغير طيلة هذه الفترة، حيث يبدؤون يومهم بقراءة سجل الدوام لليلة أمس حوالي الساعة التاسعة صباحًا، ثم يطلعون على تعليمات العشعاشي المقيدة في الهوامش للشروع في تنفيذها فورًا، وحوالي الساعة العاشرة يأتي هذا الأخير لمكتبه ويتحدث إلى الكولونيل مارتان لمدة نصف ساعة أو أكثر قبل أن يعقد اجتماعًا مع معاونيه للتحليل والتعليق على معلومات سجل الدوام الخاص المتعلقة بالمهدي بن بركة، وفيما يتعلق بالكولونيل مارتان الذي كان دقيقًا في مواعيده، فقد كان يلتحق بمقر مصلحة مكافحة الشغب في الساعة الثامنة صباحًا ويبدأ بقراءة السجل بدقة ثم يسجل بعض الملاحظات لمناقشتها مع العشعاشي لدى مجيئه في الساعة العاشرة.
يتبع
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل