العنوان الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية تقدم: دروسًا مجانية في القتل والسرقة
الكاتب المهدي المغربي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-نوفمبر-1988
مشاهدات 65
نشر في العدد 890
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 08-نوفمبر-1988
جرائم اللصوصية والاحتيال والسطو قديمة قدم المجتمعات، لكن الجديد فيها في أيامنا هذه طرقها وأساليبها ووسائلها التي يلجأ إليها من استهوتهم السرقة ولم يردعهم رادع من أخلاق أو وازع من دين، وإذا كانت مجتمعاتنا الإسلامية لها حصانة من دينها ضد هذه الجرائم بما ترسخ في النفوس من مبادئ دينية وبما تربي عليه أبناءها من أخلاق فاضلة، فإن ضعاف النفوس لا يخلو منهم مجتمع، ومن هنا يتهم رجال الأمن وعلماء النفس الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية التي تدور حول المغامرات ويهيمن عليها العنف بالتأثير على ضعاف النفوس هؤلاء بتشجيعهم على أعمال اللصوصية والسرقة واستدراج الكثير من الناس ولا سيما الشباب إلى دائرة الانحراف. وإذا كنا لا نستطيع أن نؤكد أن جرائم السرقة والاحتيال والسطو قد زادت زيادة كبيرة في المجتمعات الإسلامية، فإن الذي يمكننا تأكيده هو أن اللصوص والمحتالين في هذه الأيام لم يعودوا يتخفون بسواد الليل لمداهمة المنازل أو السطو على قطعان الماشية مثلما كانوا يفعلون من قبل؛ بل يقومون بأعمالهم غالبًا في وضح النهار وبأساليب شيطانية ماكرة تعلموها أحيانًا أو اقتبسوها مما شاهدوه على الشاشة الصغيرة.
زعزعة المبادئ وهدم قيم الأخلاق هي البداية:
المعروف أن الأفلام والمسلسلات الأمريكية أولًا والغربية ثانيًا تشغل حيزًا كبيرًا من العرض التلفزيوني في البلدان العربية والإسلامية، وأن قاعات السينما في هذه البلدان تعتمد اعتمادًا تصل نسبته إلى 70 أو 80% على المادة الفلمية المستوردة، وهي كما لا يخفى على أحد مادة تجارية يسيطر عليها العنف بألوانه وينضح منها الجنس نضوحًا، ويكفي أن تستعرض بعض عناوين الأفلام لتدرك محتواها، فعناوين مثل «غزغو والحسناء» و«المهمة السرية» و«كوجاك» و«الهارب» توحي بأكثر من مغامرة، وتدلل أن أفلام «الأكشن» هي المسيطرة على الساحة.
والمعروف أيضًا أن الأفلام العربية وفيما بعد المسلسلات العربية نسجت على منوال الأفلام الغربية وسقط العديد من المخرجين العرب في هوة السينما التجارية حتى أصبحت الإثارة العنفية والجنسية هي السائدة في كل عمل درامي، والذي يهمنا من هذه الأعمال السينمائية والتلفزية هو أنها تروج لفلسفة المجتمع الأمريكي، هذه الفلسفة التي تقوم على «البراغماتية» التي تضرب عرض الحائط بكل ما هو مبادئ وأخلاق وقيم؛ حيث المهم بالنسبة للفرد هو النجاح بكل الطرق -بما فيها السرقة والاحتيال والإجرام- لأن تحقيق الغلبة المادية هو الأساس وهو المعيار، وهو فوق كل اعتبار، والإيحاء بروح هذه الفلسفة يسري في جزئيات الفيلم أو المسلسل، ولعل هذا يعود إلى جذور الشعب الأمريكي والقوة الأمريكية التي قامت على مجموعات من اللصوص وقطاع الطرق المغامرين الذين يقتلون في طريقهم الإنسان وكأنهم يقتلون أرنبًا.
إن المبدأ الوحيد بالنسبة للفرد في المجتمع الأمريكي قديمًا وحديثًا هو مبدأ «الفرصة الكبيرة للحياة» وعندما يكون هذا هو الشعار في حياة الإنسان وهذا هو مبدأه الذي لا تهديه سوى الرغبة والنزوة والنجاح السهل، فإننا لا نستغرب منه أن يعمل أي عمل وأن يقوم بأي مغامرة من أجل تحقيق «فرصته الكبيرة في الحياة».
إن أوضح دليل على هذه الفلسفة رجل الشاشة الأمريكي المعروف «بالكاوبوي» حيث تتلاشى داخل شخصيته كل القيم ولا يبقى للروح الديني إلا ما يظهر من أسف على دفن عزيز. إنه يستعمل مسدسه أو بندقيته سواء للدفاع أو للسطو أو السرقة أو الإغارة ربما أكثر مما يستعمل الملعقة أو الشوكة للأكل، وشبابنا الذي يحملق في الشاشة الصغيرة والكبيرة متتبعًا أطوار الفيلم منفعلًا به لا بد أن يتأثر بما يشاهد وأن تنطبع في ذهنه بعض الأعمال الإجرامية التي يبررها سياق الفيلم، فيكون ذلك -خاصة بفعل التكرار والدوام والتركيز- ثغرة لزعزعة القيم والأخلاق والقفز فوق المبادئ، وهكذا تجد بعض الشباب يدخلون دائرة الانحراف ولا يفيقون من ذلك إلا «والكلبشات» في أيديهم.
علماء النفس يتهمون:
يقول الدكتور سعيد نصر أستاذ علم نفس بالقاهرة: «إن الصراع بين الخير والشر غير محدد بالنسبة للمسلسلات التلفزيونية فدائمًا ما يبرز التلفزيون الشر بضخامة بحجة أن يتعرف المشاهد على الشر، وهذا خطأ لأن الفرد لا يتابع عادة كل الحلقات ليتعرف في نهايتها على انتصار الخير على الشر». ثم يضيف: «المشكلة كل المشكلة في رسم الشخصية؛ فالشخص الشرير ترسم شخصيته في المظهر الشكلي والمستوى المعيشي الرفيع؛ يركب المرسيدس ويسكن الفيلا، وهذا بدوره يعطي انطباعًا يجعل المشاهد يتوقد مع الجمال والشياكة اللذين هما في جانب القوى الشريرة».
وتصديقًا لكلام هذا الدكتور نرى أن التركيز على المخدرات وما يتصل بها من جرائم السرقة والاحتيال والتهريب في موجة الأفلام المصرية الأخيرة لم تساعد على القضاء على هذه الآفة، بل وجدنا من المهربين والمحتالين من يقتبس حيلة مما شاهده على الشاشة ويستنبط حيلًا أخرى بناء على ما رآه من مشاهد حتى أن ضابط أمن مصري قال: «إننا لا ندري إن كان الممثلون يقتبسون ويأخذون من المهربين والمجرمين أم العكس؟!».
من جهة أخرى عندما يشاهد الشاب الذي ضعف عنده الوازع الديني على الشاشة المحتال وهو يعيش عيشة رغدة مرفهة، ويفهم أن ما يقوم به هذا المحتال من أعمال نهب وسرقة مباشرة أو غير مباشرة إنما هو شطارة وذكاء وفطنة، وهو بالتالي يستحق ما ناله وما وصل إليه، ويصور له الفيلم المجتمع وكأنه حلبة صراع أو حلبة نهب وسلب، فإنه سيلجأ للسرقة والاحتيال بل ربما برر ذلك بأنه إنما يأخذ حقه الذي لم يوفره له المجتمع. والكثير من اللصوص يفسرون ما قاموا به من أعمال سرقة بأنه لم توفر لهم فرصة العمل والكسب الشريف، وحتى إذا توفر لهم ذلك فإنه لا يغطي احتياجاتهم الضرورية في حين أنهم يرون آخرين لا يعملون وينعمون بحياة مرفهة؛ فتختلط الأمور عندهم ويتساوى في أذهانهم الكسب الشرعي مع الكسب الحرام فينزلقون إلى مزالق السرقة التي لا تحمد عقباها.
تقول الدكتورة سامية أحمد علي الأستاذة بكلية الإعلام بالقاهرة: «إن بعض التمثيليات أحيانًا ما تصور أن الفرد يعيش متعطلًا بلا عمل أو عن طريق خداع الآخرين أو النجاح بالحظ أو الصدفة دون الاجتهاد والكفاح، وهذه التمثيليات ترسم للمجرمين المناهج التي يتبعونها.. وقد دلت البحوث على اعتراف الأحداث بالتأثر بما شاهدوه من أفلام ومسلسلات في سلوكهم الإجرامي».
التلفزيون والسينما يوفران للصوص الحيل والمعلومات والسيناريو:
في إيطاليا طبق لصوص إيطاليون فكرة السرقة الصغيرة التي تغطي على السرقة الكبيرة لسرقة محتويات بيت، والتي اقتبسوها من مسلسل تلفزيوني حيث عمدوا إلى سرقة سيارة صاحب البيت عند رجوعه من عمله في المساء، وبعد ساعة تقريبًا اتصل اللصوص بصاحب السيارة وقالوا له: لا تقلق على سيارتك فنحن احتجنا لها في مهمة طارئة ومستعجلة فأخذناها وستجدها الآن في مكانها في الموقف الذي تركتها فيه، وقد كافأناك على استخدامنا لسيارتك دون إذن منك بأن حجزنا لك ولأفراد أسرتك طاولة طعام في المطعم الفلاني ودفعنا ثمن وجبة العشاء لك ولأفراد أسرتك، فاذهب إلى ذلك المطعم واستمتع بهذا العشاء، وتقبل اعتذارنا على إزعاجك وقلقك على سيارتك. وبالفعل وجد صاحب السيارة سيارته في مكانها واتصل بصاحب المطعم فوجد طاولة محجوزة باسمه فصدق وذهب هو وأفراد الأسرة للاستمتاع بالعشاء في المطعم الفاخر؛ ولكنه عندما عاد إلى البيت وجد أن كل محتوياته الثمينة قد سرقت في غيابه.
وفي مدينة من المدن العربية وقع سطو مسلح على فرع من فروع بنك مشهور على طريقة «الهلد أب» الغربية، ولكن العملية فشلت، وعند التحقيق مع العصابة تبين أنهم قلدوا ما شاهدوه على الشاشة وطبقوا خطة عصابة من المغامرين في فيلم من الأفلام.
وفي إحدى العواصم العربية الكبيرة يقول مسئول أمني: إن جرائم السرقة بالتخدير كما يظهر على الشاشة قد تنوعت وكثرت خاصة في القطارات ووسائل النقل والمستشفيات والفنادق، ويقول هذا المسئول: إن الجريمة تتم باستخدام العقاقير الطبية غير المدرجة بجداول المخدرات والتي تمزج بمأكولات أو مشروبات، وضرب على ذلك مثالًا وهو ضبط طالبة تشترك مع نجار وسباك في تخدير راكب بالقطار لسرقة حقيبته «السامسونايت» وحافظة نقوده، وذلك بتقديم علبة عصير فواكه للضحية. ويضيف أن الجناة اعترفوا بارتكاب أكثر من واقعة أخرى بالقطارات والأتوبيسات منها سرقة مواطن سوداني.
وتعطي الأفلام البوليسية بالخصوص مزيدًا من التجارب للصوص وتنمي فيهم القدرة على المراوغة وإبعاد الشبهات وتضليل البوليس. ويعترف أحد لصوص المنازل في عاصمة عربية أن الإذاعة والتلفزيون بما يذيعانه من مسلسلات بوليسية أكسباه حنكة كبيرة في الميدان؛ حيث بقي مدة سنوات يقوم بأعماله دون أن يتوصل إليه البوليس، ولم يتم القبض عليه إلا بعد سرقته رقم 18، وأنه تعلم مما شاهده من مسلسلات كيف يقوم بعمله ببرودة دم، وكيف يدرس خطته دراسة ضافية وكيف يحسب حسابًا لكل الإمكانيات، بل عبر عن إعجابه بما قام به لصوص فرنسيون في مدينة نيس سنة 1980 أو 1981 حيث استطاعوا في عطلة نهاية الأسبوع وبعمل جماعي من السطو على خزائن بنك من البنوك وصلوا إليه من تحت الأرض عبر نفق المجاري، ولم يقبض عليهم البوليس حتى اليوم.. وقد تم تمثيل سيناريو هذه السرقة الضخمة في فيلم فرنسي.
وفي تحقيق نشرته مجلة صباح الخير المصرية هذا الشهر يقول أحد اللصوص الذين قبض عليهم أخيرًا في القاهرة: «أنا عايش مع والدي وهو رجل مصلي ويعرف ربنا.. ومن يوم ما قبضوا على لم يزرني أبدًا.. أنا كنت عاوز أتجوز وأستقر والفلوس مش مكفية وعاوز أخرج وأشتري لبس.. الله يجازي السينما.. الواحد مننا يشوف الفيلم يفتكر السرقة دي حاجة سهلة.. أنا كنت عاوز أعيش محترم لكن طلعت غبي».
هذه الكلمات البسيطة تبين بوضوح كيف تتفاعل الضغوط المادية والعوامل الاجتماعية مع سينما ومسلسلات المغامرات على إيقاع الشباب في المحذور، والأخطر من ذلك على هدم المبادئ ومحو الوازع الديني والخلقي حتى وإن لم يدخلوا بعد دائرة الانحراف، وإذا تهيأت الفرصة ووجد قرين السوء ربما انزلقوا إلى ما لا تحمد عقباه.
وبعد لا يسعنا من باب الحرص على نظافة مجتمعنا إلا أن ننادي بأعلى صوتنا: أوقفوا عرض كل ما هو يخرب نفوس أطفالنا وشبابنا، أوقفوا هذه الدروس المجانية في السرقة والاحتيال واللصوصية.. إنه لا شك أن جريمة السرقة موجودة طالما هناك مجتمعات، ولكننا نأمل في محاصرتها وإبقائها في أضيق الحدود.