; ثمرات رمضان (1).... العفو والصفح | مجلة المجتمع

العنوان ثمرات رمضان (1).... العفو والصفح

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 13-سبتمبر-2008

مشاهدات 57

نشر في العدد 1819

نشر في الصفحة 58

السبت 13-سبتمبر-2008

يقول أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه: «من كرمت عليه نفسه؛ هانت عليه شهوته». جملة قليلة الألفاظ لكنها جامعة للمعاني، توجز أثر رمضان المبارك عندما يكبح المسلم شهواته، ولا يقدر على كبحها إلا كل إنسان ذي كرامة.

فإذا كرمت نفسك؛ هانت عليك شهوتك، وإذا ذلت نفسك؛ فاعلم أن شهوتك قد سيطرت عليك، لذا فجدير بنا أن نفقه تلك المنحة الرمضانية التي منحنا إياها الكريم الوهاب، فشكرًا لك ربي على أن كرمت نفسي، وأعنتني بالصوم على ضبط شهوتي.

ومن المكرمات الربانية والثمار الرمضانية اكتساب الإنسان حسن الخلق، وخاصة أنها غاية الدين، وثمرة رسالة الإسلام، يقول صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (رواه الإمام مالك في الموطأ).

ولقد تعارف كثير من الناس على أن يعذر بعضهم من الفعل، وخرج عن إطار الأخلاق الفاضلة، بقولهم: اعذروه فإنه صائم، وكأن الصيام صار سببًا مقبولًا لسوء الخلق.. على حين أن الحقيقة عكس ذلك تمامًا، فقد علمنا الشرع الحنيف أن رمضان مدرسة للأخلاق، تربى تلاميذها على الأخلاق الرفيعة الفاضلة.

والحلم والعفو من أرفع الأخلاق وأسماها، فهما قيمتان يستمدان عظمتهما من حب الله لهما، فالله عز وجل هو الحليم، كما قال في محكم آياته: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٦٣).

ووُصِف بها إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (التوبة: ١١٤), وكذلك سيدنا إسماعيل عليه السلام، قال سبحانه: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ (الصافات: ١٠١).

اصفح يصفح الله عنك

يقول ابن القيم: «يا بن آدم، إن بينك وبين الله خطايا وذنوبًا لا يعلمها إلا هو، وإنك تحب أن يغفرها لك، فاغفر أنت لعباده، وإن أحببت أن يعفوها عنك، فاعف أنت عن عباده، فإنما الجزاء من جنس العمل... تعفو هنا يعفو هناك, تنتقم هنا ينتقم هناك...».

كيف يكسبنا الصوم الحلم والعفو؟

لقد وجهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ضبط النفس، وعلم الصائم أنه عندما يسبه أحد يكون رده: إني صائم.. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصوم جُنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه؛ فليقل إني صائم مرتين» (رواه البخاري ومسلم).

إنه تدريب على حسن الخلق، وهذا التدريب عندما يواظب صاحبه عليه يستطيع بذلك أن يكتسب هذه القيمة الأخلاقية، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتعلم، وإنما الصبر بالتصبر».

ولقد سمى علماء التربية الإسلامية هذا الحديث بـ«القاعدة الذهبية» في تغيير السلوك وتحسين الأخلاق، وغرس القيم، وأشار إليه الإمام أبو حامد الغزالي وبيَّن أثره فيما أسماه به قانون العادة والتكرار؛ حيث أشار إلى أن تكرار العادة يؤدي إلى اكتسابها، كخلق أصيل من أخلاق الشخص.

مواقف تربوية لشخصيات تميزت بالحلم والعفو

  1. عيسى عليه السلام: مر عيسى عليه السلام بقوم فقالوا له شرًا، فقال لهم خيرًا، فقيل له: «إنهم يقولون شرًا، وتقول لهم خيرًا؟» فقال: «كل ينفق مما عنده».
  2. علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه: دعا علي بن أبي طالب - كرَّم الله وجهه - غلامه مرات فلم يجبه، فنظر فإذا هو بالباب، فقال: «لم لا تجيبني؟» فقال: «لثقتي بحلمك وأمني من عقوبتك»، فاستحسن كلامه وأعتقه.
  3. ابن مسعود رضى الله عنه: سُرقت دراهم لابن مسعود، فجعلوا يدعون على من سرقها، فقال لهم: «اللهم إن كان حملته على أخذها حاجة فبارك له فيها، وإن كان حملته جرأة على الذنوب، فاجعله آخر ذنوبه».
  4. الحسن البصري: عَلِم الحسن البصري مرة أن رجلًا اغتابه، فأرسل إليه طبقًا من الفاكهة هدية وشكره، موضحًا سبب شكره أنه حمل من خطاياه.
  5. علي بن الحسين: سب رجل علي بن الحسين رضي الله عنه فرمى إليه بخميصة كانت عليه، وأمر له بألف درهم، فقال بعضهم: «جمع له خمس خصال محمودة: الحلم، وإسقاط الأذى، وتخليص الرجل مما يبعده من الله عز وجل، وحمله على الندم والتوبة، ورجوعه إلى المدح بعد الذم، اشترى جميع ذلك بشيء من الدنيا يسير».
  6. عمر بن عبد العزيز: دخل قوم على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فكلمهم، فأغلظوا له، فغضب، فقال له ابنه عبد الملك: «وما يغضبك يا أمير المؤمنين، وإنما بحسبك أن تأمر فتطاع؟» فقال: «أما غضبت أنت يا عبد الملك؟» قال: «بلى والله، ولكن ما ينفعني حلمي إذا لم أرده على غضبي فيسكن»، وأنشد: 

وما الحلم إلا ردك الغيظ في الحشا     ***      وصفحك بالمعروف والصدر واغر

ترى المجد والأحلام فينا فما ترى       ***     سفيهًا هذا إلا وآخر زاجر

  1. الشعبي: شتم رجل الشعبي، فقال له: إن كنت صادقًا فسوف يغفر الله لي - يقصد أنه سيحمل من أوزار الشعبي - وإن كنت كاذبًا فغفر الله لك، أي إنه يدعو له بالمغفرة. 
  2. أبو ذر رضي الله عنه: شتم رجل آبا ذر فقال: یا هذا لا نكافئ من عصا الله فينا بأكثر من أن تطيع الله فيه؟!!

وللمنفلوطي في الحلم أبيات مؤثرة يقول فيها:

إذا ما سفيه نالني منه نائل من الذم          ***              لم يحرج بموقفه صدري

أعود إلى نفسي فإن كان صادقًا              ***             عتبت على نفسي وأصلحت من أمري 

وإلا فما ذنبي إلى الناس أن طغى             ***             هواها فما ترضى بخير ولا شر 

ومن جميل ما قيل في الحلم قول المتنبي:

وأحلم عن خِلِّي وأعلم أنني              ***               متى أجزه حلمًا عن الجهل يندم 

وإن بذل الإنسان لي جود عابس      ***              جزيت بجود التارك المبتسم

أضواء على خلق العفو

ليت العباد في هذا الشهر الكريم يسمعون نداء ربهم، ويلبون النداء، فإن الله عز وجل العفو الحليم الرحيم يدعوهم إلى ما فيه حياتهم ونجاتهم.. فيناديهم: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ  (آل عمران: 133-134).

ليتنا جميعا نقتفي آثار أبي بكر الصديق عندما خاض ابن خالته مسطح بن أثاثة في عرض ابنته الطاهرة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها في حديث الإفك، وقرر أبو بكر ألا ينفق عليه؛ حيث كان ينفق عليه لفقره وقرابته منه، فلما نزل قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النور: ٢٢)، فاستجاب أبو بكر بلا تردد وسامحه، وعفا عنه، وعاد لينفق عليه.

إن العفو خلق مهجور برغم أنه من أرفع الأخلاق وأسماها، فهل استثمرنا فرصة شهر العفو؛ لنبادر ونعفو عن غيرنا عسى أن يعفو الله عنا؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 39

1385

الثلاثاء 15-ديسمبر-1970

يوميات المجتمع (39)

نشر في العدد 91

100

الثلاثاء 14-مارس-1972

بريد القراء (العدد 91)