; المجتمع الثقافي (1091) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1091)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 08-مارس-1994

مشاهدات 93

نشر في العدد 1091

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 08-مارس-1994

ومضة

هل يكفي أن نتحدث عن التقوى مرة واحدة بمناسبة شهر الصيام؟ وهل التقوى مجرد كلمات نلوكها بألسنتنا ونتفاصح في عرضها والكتابة عنها؟ أم أنها معاناة وجدانية تعمقها في قلوبنا عبادات خالصة، ومجاهدات لا تعرف الملل بحيث يتم التناسق بين الحرف والحركة في حياتنا.

إن القلب الإنساني الذي هو مجمع الدوافع ومحطة الاستجابة لجميع المؤثرات الخيرة والشريرة بحاجة ماسة إلى جهاز للتحكم، يوجهه الوجهة التي نريد، ويضعه على الطريق التي نختار. من هنا فإن تعدد آراء الناس واختلاف ميولهم وطبيعة اهتماماتهم يدل على العنصر الذي يتحكم في قلوبهم.

ألا ترى إلى من يحرص على المال كيف يوجه كل اهتماماته ويسخر كل إمكانياته لرعاية ثروته وتنميتها وتنويع مصادرها. ومن تستهويهم الشهوات وتغرهم الحياة الدنيا يستغرقون في مفاتنها ومفاسدها وإغراءاتها فلا يفكرون إلا بها ولا يصيخون إلا لحديثها ولا يلقون بالًا لغيرها.

وكذلك من تسحرهم المناصب، وتذهب بألبابهم حمى الكراسي، تراهم يسفحون أمامها ماء وجوههم، ويضحون بالكثير من قيمهم في سبيل الحفاظ عليها. أما الذين يقدمون أموالهم، ويسخرون مناصبهم، ويفنون ذواتهم ويضحون بمتعهم ورفاهيتهم عن رضى وطيب خاطر، لكي تعيش مبادئهم، وتسود القيم التي يؤمنون بها، فأولئك الذين أمسكت التقوى بزمام قلوبهم، وانصهرت نفوسهم في بوتقة الإيمان، فأصبحوا كأنهم ملائكة في صورة بشر وحققوا معجزة المصاحف التي تمشي على الأرض.


قصة قصيرة

وأنا السائل الأول

بقلم: عبد الله بن أحمد الملحم الجبيل – السعودية

 أقفرت الطرق من المارة فسكنت أرجاء المدينة وأنحاؤها فاستيقظ حسان وقد آلمه الجوع.. والحقيقة أنه استيقظ بسبب رائحة الشواء المنبعثة في الهواء.. لم يكن حسان من الذين يسألون الناس إلحافًا.. إنما كان فقيرًا ذا عزة وكرامة يُظهر الغنى من التعفف، فلم يكن يمد يده لأحد مهما علت منزلته، إنما يجلس في مكانه مكتفيًا على ما تجود به أيدي المحسنين من أهل المدينة.

أما هذه الليلة فهي عتمة يوم ثالث جديد لم يذق فيها طعامًا كأنما نسيه الناس أو كأنما اتكل كل واحد منهم على الآخر فلم يقدموا له شيئًا منذ أيام، كانت رائحة الشواء تقرب أكثر فأكثر أو كأنما زادها الجوع قربًا، أخذ حسان يتحسس ثنايا أسماله البالية عله يظفر بقليل من تمر أو كسرة خبز تقيم أوده إلا أن أمله هذا تكسر في جيوبه الخاوية.

قام حسان يتحرك يمنة ويسرة وذهب يمشي قليلًا ثم عاد من حيث أتى عله ينسى الجوع غير أن لسعات البرد القارصة زادته ضعفًا ووهنًا، فكر أن يطرق باب تلك الدار فيعطوه من طعامهم ما يطفئ ألم جوعه المستمر.. إلا أنه لا يستطيع ذلك، لأنه لم يطرق بابًا قط.. لأنه لا يعرف أحدًا يطرق بابه.. وما عساه أن يقول إن طرق الباب؟ فهو لم يتعود محادثة أحد.. لقد كان وحيدًا قد قدم إلى تلك المدينة لا يكلم أحدًا ولا يكلمه أحد.. غير أطفال المدينة الذين كان أحدهم يأتيه بما فضل من طعام أهله.

كانت السيدة فاطمة تجلس مع زوجها مسعود - أغنى تاجر بالمدينة - على مائدة طعام حافلة بأطباق اللحم المشوي، والحساء الشهي، وأطباق الحلوى اللذيذة، ومن حول هذا كله وضعت أطباق الفاكهة مملوءة بالخوخ والرمان والعنب، أخذ مسعود يعب من أقداح اللبن بنهم حتى تخضب شاربه فقالت له زوجه:

  • على رسلك يا مسعود فليس يجلس على المائدة سوانا!
  • ها.. ها.. ها. لقد تأخرت عليّ بالطعام وقد بلغ الجوع مني مبلغه فلا تلوميني ولومي نفسك.
  • لو أحضرت لي جارية تعينني على أعمال الدار لأمكنني تحقيق رغباتك كما تريد.
  • سوف أفعل - إن شاء الله - ولكن ليس الآن.
  • إذن لن تفعل.

وفي هذه الأثناء طرق الباب فقام مسعود ليفتح الباب فإذا هو حسان.. علم مسعود أنه مستجدٍ رغم أن حسانًا لم ينبس ببنت شفة، غضب مسعود لما رأى حسانًا لا لشيء سوى أنه لم يتعود العطاء كما أن حسانًا لم يتعود السؤال حتى ساقه الجوع وآلمه إلى هذا الرجل البخيل، عاد حسان غضبان أسفًا يجر أذيال الخيبة وراءه غير أنه تفتق عن هذه الخيبة عزم يفل الحديد وهمة تناطح عنان السماء... عندما لمعت في خاطره فكرة الهجرة إلى أرض يجد فيها رزقه ومعاشه.

لامت السيدة فاطمة زوجها مسعود أشد اللوم على شحه وتقتيره:

  • لقد كان يكفينا من هذه المائدة نصفها.. فهلا أعطيت السائل ما يسد رمقه.
  • يعطيه الله.
  • ولكن الله أمرنا بالصدقة.
  • لقد ذهب السائل الآن فلا تلحي عليَّ بهذا الكلام.

مرت الأيام تلو الأيام فإذا بتجارة مسعود تبور وتتدهور، والتجار يطلبون أموالهم التي عنده، فاضطر مسعود إلى بيع أملاكه حتى لم يبق بحوزته غير داره التي يسكنها، لقد ساءت أحوال مسعود فأصبح ضائقًا من كل شيء.. حتى زوجه السيدة فاطمة التي نصحته يومًا فنهرها فارتفع لغطهما فصار نزاعًا فطلقها، فلم يبق له من هذه الدنيا غير قافلة.. ذهبت للتجارة.. ينتظر عودتها على أحر من الجمر، مضت الأيام ومسعود ينتظر حتى أتى اليوم المحدد لمجيء القافلة إلا أنها لم تصل.. فجن جنونه فأصبح كالمجنون.. حتى أتاه الخبر اليقين أن اللصوص قد سرقوا القافلة في طريق عودتها إليه.

اختفى مسعود فسقط اسمه من بين تجار المدينة فنسيه الناس أما زوجه السيدة فاطمة فقد عاشت في كنف أبيها معززة مكرمة كما كانت من قبل.. فلم تجهد نفسها بتتبع أخباره بل إنها حاولت نسيانه لأن مجرد الحديث عنه كان يسبب لها الكثير من الحسرة والألم.. عندما تتذكر صباها الفاتن، وأنوثتها الساحرة، وجمالها الخلاب ذاك الذي تنافس فيه صفوة شباب المدينة.. ليناله في النهاية من لا يستحقه.

ولكن مالي أجيل هذه الخواطر والأفكار في نفسي وأنا لا أزال في ريعان الشباب، وما المانع من أن أتزوج مرة أخرى؟ لقد ألمح والدي لهذا في غير إلحاح، إذن أتزوج ولكن فلأحسن الاختيار في هذه المرة.

تناقل الناس أخبار التاجر الجديد الذي قدم إلى المدينة قبل أيام فاشترى الدور والبساتين والحوانيت.. إنه رجل كريم المحتد سخي اليد رضي النفس.. يده أقرب إلى كيسه من لسانه إلى فيه.. هكذا قال عنه كل من لقيه، لقد فاق تجار المدينة كلهم حتى أصبح أكثرهم مالًا وأوسعهم ثراءً.

ابتاع التاجر الجديد دار مسعود فزاد في بنائها وحسنها حتى غدت أحدوثة الزمان، تناقل الناس أخبار التاجر الجديد وتحدثوا عن كرمه وجوده فسمعت به السيدة فاطمة كما سمع الناس فأعجبت به من قبل أن تراه وتمنت رؤيته لتشكر له نبله وطيب سجاياه.

ذهب التاجر الجديد إلى والد السيدة فاطمة يزوره في داره لأنه أولم وليمة دعا فيها وجهاء المدينة وتجارها فحضروا جميعًا إلا هو لم يحضر، إلا أنه في هذه الزيارة لم يأت داعيًا إنما جاء خاطبًا السيدة فاطمة زوجًا له، استبشر الشيخ خيرًا بهذه الخطبة الميمونة إلا أنه أسر فرحته في نفسه فلم يبدها حتى يعلم خبر ابنته.. وضرب للتاجر الجديد موعدًا يجيبه فيه، انصرف التاجر فدعا الشيخ ابنته ثم شاورها في الأمر فقالت الرأي رأيك يا أبي ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ﴾ (طه: 72).. وما هي إلا أيام قليلة حتى زفت بعدها السيدة فاطمة إلى التاجر الجديد في عرس بهيج لم تشهد المدينة مثله منذ زمن بعيد.

عاشت السيدة فاطمة في كنف زوجها الجديد حياة رغيدة.. قريرة العين مسرورة النفس فوجدت في هذا الزوج عوضًا عما فاتها من أيامها الماضية، وفي ليلة من ليالي الشتاء القارس، مدت المائدة ووضع عليها أطايب الطعام، ومن ألوان الحلوى المتنوعة والفاكهة الغضة الطرية ألوان وألوان، وقبل أن يسميا ويأكلا طرق الباب على غير موعد!

فأخذ التاجر وعاءً كبيرًا وضع فيه كل لون من ألوان الطعام المعد على المائدة وقال لزوجه: لعله سائل يسأل تعطينه هذا الطعام.. قامت السيدة فاطمة مسرورةً تغبط نفسها بهذا الزوج الكريم وتتذكر تلك الأيام العجاف التي قضتها مع زوجها الأول مسعود.. فتحت الباب وعلى وجهها ابتسامة رضى، ثم أعطت السائل الطعام وعادت تمشي مطرقة الأسى محزونة النفس ودمعها يسيل على وجنتيها، فقال لها زوجها: مالك يا فاطمة، مالك يا فاطمة؟ أجيبي، أجيبي، فقالت: إن السائل.. هو زوجي الأول، فبكى التاجر وقال: وأنا كنت السائل الأول.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 42

151

الثلاثاء 05-يناير-1971

الأسرة (42)

نشر في العدد 34

106

الثلاثاء 03-نوفمبر-1970

صحتك و... الصوم