العنوان الصنم والفكرة.. والصراع الأبدي
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 02-أبريل-1996
مشاهدات 88
نشر في العدد 1194
نشر في الصفحة 43
الثلاثاء 02-أبريل-1996
من سنن الله في خلقه أنه عندما تغرب فكرة يبزغ صنم، والعكس صحيح، وعندما تضيع معالم رسالة تأتي جاهلية، وإذا كانت الجاهلية في نظر الإسلام وثنية لأنها لا تغرس أفكارًا بل تنصب أصنامًا، فإنه لم يكن من باب الصدفة أن تجنح الشعوب المتخلفة إلى عبودية الأفراد، ووثنية الأنظمة بدلًا من التزام المبادئ، واتِّباع الدساتير والقوانين، ولم يكن من باب الخبط العشوائي أن تأفل الحضارات والأفكار في عقول الأمم ونفوسهم قبل أن تغرب عن أرضهم، وهكذا كان شأن الشرق، فقد مضى على أفول شمسه زمن بعيد، وقضى في ليلهِ وقتًا ليس بالقصير، ومن عادة التاريخ ألا يلتفت للأمم التي تغط في نومها، وإنما يتركها لأحلامها التي تطربها أحيانًا، وتزعجها حيناً آخر؛ تطربها إذ ترى في منامها أبطالها الخالدين وقد أدوا رسالتهم، وتزعجها حينما تدخل صاغرة في سلطة جبار عنيد، ولا قومة لهذه الشعوب إلا بروح وثابة، ولا يكتب لها الخلود إلا بفكرة غلَّابة ترفعها حيث يهوِي الآخرون، وتعليها وتحفظها عندما يذوب سواها، ولقد كتب للأمة الإسلامية الخلود بما أوتيت من روح الإيمان التي رفعتها فوق الهاوية، ودفعتها صوب الخلود، وإلا فليسأل السائل التاريخ عن مصير القبائل الأمريكية قبل كريستوفر كولومبس أين هي لقد أصبحت أحاديث، وتمزقت كل ممزق ودفنها الزمن في طياته، حيث صارت في ضميره نسيًا منسيًا، ونحن نرى في زوالها وانحلالها خير شاهد على أن الإسلام بما انطوى عليه من قوة روحية، كان للذين يتمسكون به درعًا يقيهم من أن تحطمهم الأيام، أو تحرقهم الحوادث في بوتقة المستعمر، أو تلقيهم المؤامرات والمحن في مكان سحيق، واليوم رغم ما يُرى ويشاهد مما يفتت الأكباد من اجتماع الباطل كله، والفساد كله، والجهل كله على الإسلام ليجعله عدوًا ورغم انصياع كثير منا وراء السراب الكاذب:
يرجون من ظلم أهل الظلم مغفرة***ومن إساءة أهل السوء إحسانًا
رغم ذلك فالإسلام غلاب، والراية الإيمانية خافقة، والعزم الرباني مُبهر والفتوة المؤمنة شامخة:
ونحن قوم لا توسط عندنا***لنا الصدر دون العالمين أو القبر
تهون علينا في المعالي نفوسنا***ومن خطب الحسناء لم يغله المهر
وشمس الهداية اليوم قد أشرقت وألهبت بأشعتها الأقفية السَّكْرَى، وعزمات الرجال قد تحركت وشقت طريقها كالمحراث في الجموع النائمة، فأحيت الموات وألقت وراءها بذور الفكرة السامقة، فسرعان ما نبت الزرع وأثمر الغرس، وآتت الشجرة الطيبة أُكُلها في الضمير الإسلامي قوية مبهرة فعَّالة، بل غیرت ما بأنفس الناس من ذلة ووهن، وبزغ الفجر كما يقول مالك بن نبي:
• وحانت الساعة التي ينساب فيها شعاع الفجر الشاحب بين نجوم الشرق.
• وكل من سيستيقظ بدأ يتحرك وينتفض في خدر النوم وأرحام الأيام.
• ستشرق شمس الإيمان على كفاحك الذي استأنفته، هنالك في السهول والوديان حيث المدينة التي نامت منذ أمس ما زالت مخدرة، ولكنها تنفض الغبار.
• ستحمل إشعاعات الصباح الجديد، ظل جهدك المبارك إلى الدنيا المشتاقة إليه.
• وسيحمل النسيم الذي يمر الآن البذور التي تنثرها يدك إلى كل الوديان والسهول.
• أبذر يا أخي الزارع، من أجل أن تذهب بذورك بعيدًا عن حقلك.. في عمق المستقبل.
• ها هي بعض الأصوات تهتف.. الأصوات التي أيقظتها خطواتك في المدينة وأنت منقلب إلى كفاحك الصباحي، هؤلاء الذين استيقظوا على ندائك سيلتئم شملهم معك.. أطلق أنشودة الصباح أخي الزارع لكي تهدي بصوتك هذه الخطوات التي جاءت في عتمة الفجر نحو الصف الذي يأتي من بعيد.
ولْيدوِّ نشيدك البهيج، كما دوَّى من قبل حداء الأنبياء في فجر الأمم فأيقظ التاريخ وأحيا الموات.
وليملأ نشيدك أسماع الدنيا، فإنه أعنف وأقوى من هذه الجوقات الصاخبة الضالة التي قامت هنا وهناك.
ها هم ينصبون الآن على أبواب المدينة التي تستيقظ سوق العمالة وساحات النفاق وملاهيه لكي يميلوا هؤلاء الذين جاءوا على إثرك، ويلفتوهم عن ندائك.
وها هم قد أقاموا المسارح والمنابر للمهرجين والبهلوانات لكي تطغى الضجة على نبرات صوتك.
وها هم قد أشعلوا المصابيح الكاذبة لكي يحجبوا ضوء النهار، ولكي يطمسوا بالظلام رسمك في السهل الذي أنت ذاهب إليه.
وها هم قد حملوا الأصنام ليلحقوا الهوان بالفكرة.
ولكن الكتيبة الزاحفة ستحس صدق الآيات الأبدية، وتلاحظ بيان السنن الإلهية ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ یُحَاۤدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ كُبِتُوا۟ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ وَقَدۡ أَنزَلۡنَاۤ ءَایَـٰتِۭ بَیِّنَـٰتࣲۚ وَلِلۡكَـٰفِرِینَ عَذَابࣱ مُّهِینࣱ﴾ (المجادلة: ٥).
وسترى وتعقل أنت وأنا وهم هدير القدرة، وفعل العناية، وسطوة الألوهية في القرار البين الواضح ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ یُحَاۤدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۤ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ فِی ٱلۡأَذَلِّینَ﴾ (المجادلة:٢٠).
وسيظهر القضاء، ويعلن البلاغ، وتسمع الدنيا ﴿كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغۡلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِی إِنَّ ٱللَّهَ قَوِیٌّ عَزِیزࣱ﴾ (المجادلة:٢١).
وستتابع شمس الهداية سيرها دون تراجع وستعلن قريبًا انتصار الفكرة، وانهيار الأصنام، كما حدث يوم تحطيم هبل عند الكعبة.
وستريد الدنيا كلمات النشيد العظيم، وأراجيز الفوز الهادر، وآيات الكفاح الأول ﴿وَقُلۡ جَاۤءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَـٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقࣰا﴾ (الإسراء: ٨١).
والمؤمن المكافح اليوم يملؤه الأمل العريض في صلاح أمته، وقد تحركت المشاعر رغم الصواعق والرعود واستيقظت رغم الفتن والكوارث، فهي تغلي غليانًا بيقظة، وتضطرب اضطرابًا بوعي، وتشعر شعورًا بفهم، وتحس إحساسًا بهمَّة، ولولا ثقل القيود من قِبل أعدائها من جهة، والفوضى في التوجيه من جهة أخرى لكان لهذه اليقظة والصحوة أروع الآثار، ولن تظل هذه القيود كثيرًا، والدهر قلب، وما بين طرفة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حال، ﴿وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحۡزَنُوا۟ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ إِن یَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحࣱ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحࣱ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَیَّامُ نُدَاوِلُهَا بَیۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِیَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَیَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَاۤءَۗ وَٱللَّهُ لَا یُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِینَ﴾ (آل عمران: 140).
﴿هُوَ ٱلَّذِیۤ أَخۡرَجَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ مِن دِیَـٰرِهِمۡ لِأَوَّلِ ٱلۡحَشۡرِۚ مَا ظَنَنتُمۡ أَن یَخۡرُجُوا۟ وَظَنُّوۤا۟ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمۡ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنۡ حَیۡثُ لَمۡ یَحۡتَسِبُوا۟ وَقَذَفَ فِی قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَۚ یُخۡرِبُونَ بُیُوتَهُم بِأَیۡدِیهِمۡ وَأَیۡدِی ٱلۡمُؤۡمِنِینَ فَٱعۡتَبِرُوا۟ یَـٰۤأُو۟لِی ٱلۡأَبۡصَـٰرِ﴾ (الحشر: ٢).
وقد أبصرت الجموع المؤمنة طريقها وعرفت دربها، وأشرقت الفكرة، ونبذ الوثن وسيفرح المؤمنون بنصر الله ﴿وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰۤ أَمۡرِهِۦ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَعۡلَمُونَ﴾ (يوسف:٢١).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل