; التطبيع اصطلاح جديد وممارسة قديمة - التطبيع على الساحة الفلسطينية | مجلة المجتمع

العنوان التطبيع اصطلاح جديد وممارسة قديمة - التطبيع على الساحة الفلسطينية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-نوفمبر-1980

مشاهدات 77

نشر في العدد 505

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 18-نوفمبر-1980

قلنا في العدد الماضي إن أركان المؤامرة الكبرى في إيجاد دولة يهودية في فلسطين هي:

 1 - اليهودية العالمية صاحبة الخطة الرئيسية.

2 - القوميات في جسم البلاد الإسلامية. 

3- الصليبية الجديدة متمثلة في الغرب بقيادة أمريكا، وبريطانيا، وفرنسا. 

4- دول الكفر والاتحاد متمثلة في المعسكر الشرقي بقيادة روسيا. 

5-عملاء هذه الأركان الأربعة في المنطقة.

 وأن تبرئة أي ركن من هذه الأركان هو نوع من أنواع (التطبيع اليهودي)، ولقد كان دور عملاء هذه الأركان مجتمعة أو متفرقة هو القيام بعملية التطبيع اليهودية لشعوب المنطقة لتمرير الخطة واستمرارها، وذلك بالإعلام المضلل الكاذب، وبإفراغ الأمة من إيمانها بضرب الحركات الإسلامية، وتشويه سيرتها، ونشر الفساد في المجتمع، ومن ثم إبقاء الأمة في هزيمة عسكرية مستمرة ودائمة.

وقلنا إن أخطر عملية تطبيع تلك التي تمارس الآن على الساحة الفلسطينية.

-إن الحديث عن أي جانب من جوانب القضية الفلسطينية سيكون حديثًا طويلًا ومتشعبًا، وحرصًا منا على تماسك الموضوع؛ فإننا سنستعرض وباختصار لأهم الممارسات التي تمت وتتم على الساحة الفلسطينية ضمن عملية (التطبيع اليهودي) بأدوات التطبيع الفلسطينية الرسمية.

أولًا- (التطبيع اليهودي) بواسطة طمس معالم الجهاد الإسلامي على أرض فلسطين:

      فقد اختفى من التاريخ الفلسطيني المعاصر كثير من الحقائق منها صور البطولات والتضحيات التي كانت تتم تحت شعار الجهاد في سبيل الله، ففي الفترة ١٩١٧ – ١٩٤٧م، لم يعد يذكر المجاهدون عز الدين القسام، وعبد الرحيم الحاج محمد، والشيخ فرحان السعدي (الذي أعدم وهو صائم) وحسن سلامة كمجاهدين، وإنما يذكرون -إن ذكروا- تحت اصطلاحات من قاموس الثورات الاشتراكية، فهم في منطق الإعلام الفلسطيني ثوار قوميون ضد الإمبريالية الإنجليزية والصهيونية العنصرية، وتتسابق المنظمات والجبهات على إبرازهم بصورة المنتمي إلى أفكارهم ومناهجهم.

وفي حرب (١٩٤٨م) تسقط صفحات جهادية إسلامية، تؤرخ دور الإخوان المسلمين الذين جاءت قوافلهم من أرض الكنانة لتجاهد في سبيل الله على أرض فلسطين، فبينما يشهد لهم القاصي والداني، تختفي هذه الصفحات من الإعلام الفلسطيني الثوري، ويلتقي الإعلام الفلسطيني بذلك في عملية (التطبيع اليهودية) مع مواقف الملك فاروق في تذكره لدور الإخوان في حرب فلسطين، ويلتقي كذلك مع عبد الناصر في تذكره لدور الإخوان في حرب قناة السويس ضد الإنجليز.

وفي الفترة ١٩٦٨ – ١٩٧٠م، يمارس الإخوان عملياتهم الجهادية الفدائية من مخيماتهم في أغوار الأردن ضد الوجود اليهودي على أرض فلسطين، ونبحث عن هذه الفترة في أدوات الإعلام الفلسطيني فلا نجد لها أثرًا اللهم إلا التهم التي (تقيأت) بها الجبهات الشعبية، تتهم فيها الإخوان بالرجعية والعمالة؛ كونهم رفضوا الانقياد وراءهم في حربهم مع الجيش الأردني، تلك الحرب التي راح ضحيتها عشرات الألوف من الأبرياء بمؤامرة بعض الأنظمة العربية وسكوت البعض الآخر، وبخيانات داخل جسم الثورة الفلسطينية، كما ثبت بعد ذلك، وعلى ألسنة قادتهم في مرحلة الشتم المتبادل، وكل يحمل مسئولية ما حصل للآخر، والعجيب أن منظمة (فتح) التي تعرف جيدًا حقيقة موقف ودور مخيمات الإخوان وقفت ساكنة كالشيطان الأخرس، ولم تنطق بكلمة حق واحدة تدافع بها عن الإخوان المجاهدين.

هذه الممارسات من قبل الإعلام الفلسطيني تبعد الإسلام عن المعركة، وهو ما تهدف إليه اليهودية العالمية إعلاميًا وواقعيًا.

ثانيًا-) التطبيع اليهودي (بالتضليل الفكري، وذلك بطرح (أيديولوجيات) مستوردة.

لقد تعرض العقل الفلسطيني لعملية تضليل قدمت بمجموعها خدمة كبيرة للخطة اليهودية لفصل الشعب عن فكره الإسلامي، واستبداله بفكر مستورد بائد، لم يعد صالحًا حتى في البلاد التي (أفرزته)، ومن كتاب المسألة الفلسطينية لمهدي عبد الهادي تقرأ:

فمن (فتح) تقرأ ما قالته في كتابها السنوي لعام ١٩٦٨م: إن الثورة الفلسطينية إنسانية، تقدم للعالم أجمع المجتمع الفلسطيني المفتوح كبديل للمجتمع الصهيوني المغلق.

التعتيم على دور المجاهدين في فلسطين صورة من صور (التطبيع اليهودي)

تبرئة روسيا من المؤامرة الكبرى مطلب يهودي يتحقق (بالتطبيع اليهودي (ومن الجورجيين يقول زعيمهم جورج حبش (النصراني):

«إن الخطوط الأساسية لمعارك التحرر الوطني الديمقراطي ذات الأفق الاشتراكي في العالم صارت معروفة وواضحة: حزب ثوري (ماركسي – لينيني) جبهة وطنية عريضة».

ومن الحواتميين يقول زعيمهم نايف حواتمة (النصراني:

«وطرحت الجبهة الشعبية الديمقراطية بالمقابل مشروعها القائم على ضرورة إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية شعبية، كما طرحت الجبهة الشعبية الديمقراطية أن من ضرورات إقامة هذه الدولة الفلسطينية الديمقراطية الثورية أو الشعبية أن يكون النظام بالضرورة من طبيعة اشتراكية «هكذا يعلنونها اشتراكية، وإذا عرفنا:

أولًا- أن دولة اليهود في فلسطين هي عضو عامل ونشط في الاشتراكية الدولية.

وثانيًا- أن دولة اليهود كانت تبدي ارتياحها كلما قام انقلاب للحكم في بلد عربي، وأعلن أن نظام حكمه اشتراكي.

عندها نعلم لأي درجة مورس (التطبيع اليهودي (من خلال طرح الأيديولوجيات المستوردة على الساحة الفلسطينية.

ثالثًا-) التطبيع اليهودي (عن طريق العمالة الواضحة للاتحاد السوفياتي.

     مقابل وجود عملاء للصليبية الجديدة بقيادة أميركا فقد ظهر العمل الفلسطيني الرسمي بصورة العميل النشط لروسيا؛ حيث أظهر الإعلام الفلسطيني روسيا بمظهر الصديق العزيز، الذي يؤيد الحقوق الفلسطينية، ويدعم المواقف الوطنية وحركات التحرر، وكم أسعدوا بذلك يهود العالم، الذين قالت لهم روسيا منذ البداية) إسرائيل وجدت لتبقى.

ألا يوجد في أرشيف مؤسسة الدراسات الفلسطينية محاضر جلسات عصبة الأمم والأمم المتحدة ليطلع الرسميون الفلسطينيون على دور الاتحاد السوفيتي في إيجاد دولة يهود بالاعتراف بالتقسيم، والاعتراف بالدولة، وبدعمها، وبمدها بالعنصر البشري.

لقد قدم الإعلام الفلسطيني -بهذا الموقف- خدمة جليلة لليهودية العالمية؛ حيث استطاع أن (يطبع) غالبية الشعب الفلسطيني على براءة روسيا من ايجاد دولة يهود في فلسطين، بل أن بعض قادة الفلسطينيين قد ذهب لأبعد من هذا، عندما أعلنوا تأييدهم لاجتياح القوات الروسية لأفغانستان ضد الثورة الإسلامية تمامًا، كما مارس حلفاء الثورة الفلسطينية في عدن عندما قبلوا أن يحاربوا ثوار أريتيريا بالوكالة عن روسيا.

إن وجود دولة اليهود في فلسطين هو خدمة للمصالح الأميركية والروسية في المنطقة، وإن أي إخفاء، أو تعتيم دور أحد هاتين القوتين من قبل عملائهما في المنطقة هو بحد ذاته تطبيق عملي (للتطبيع اليهودي).

رابعًا) -التطبيع اليهودي (بالاتجاه نحو التسوية السلمية (وهو ما تمارسه منظمة التحرير الفلسطينية الآن)، أو بالتخويف (كما قال ياسر عرفات» من يستطيع أن يدمر إسرائيل وعندها خمس عشرة قنبلة ذرية («أو بالتنازلات، فمن: 

1- دولة فلسطينية على كامل التراب الفلسطيني إلى.

 ٢ - دولة فلسطينية على ما يتم تحريره من فلسطين إلى.

 3 - دولة فلسطينية على ما ينسحب منه العدو من أرض فلسطين إلى

 4 - دولة فلسطينية في المنفى إلى. 

5 - تقبل بدولة فلسطينية ولو في أريحا.

خامسًا) - التطبيع اليهودي (بفصل اليهودية عن الصهيونية، وهذا في الحقيقة أخطر ما ينفذ الآن على الساحة الفلسطينية، وهذه النقطة بالذات تكاد تكون من أكثر الأمور التي تجمع عليها جميع المنظمات الفدائية التي بلغ بها التشرذم والتفتت حدًا لم تبلغه ثورة من قبل، جاء في كتاب المسألة الفلسطينية ما يلي:

وفي مطلع (١٩٦٩) صرح (ياسر عرفات) لصحيفة (باري ماتش) بأن اليهود شيء، والصهيونية الممثلة في دولة إسرائيل شيء آخر، وقد أكد هذه المقولة جميع قادة العمل الفلسطيني سياسيون وعسكريون، لقد قدمت الثورة الفلسطينية لليهودية العالمية أكبر خدمة، وأكبر تأييد إذ برأت اليهود من كل ما حل بالقضية الفلسطينية، وأن شعار الدولة العلمانية الذي تنادي به منظمة التحرير الفلسطينية وجميع قادة المنظمات الفلسطينية ما هو إلا ترجمة عملية للخطة اليهودية، والتي تحاول ومن خلال عملية (تطبيع) أن تثبت كيانها، وتنفذ خططها التوسعية لتحقيق هدفها البعيد.

إن مناداة ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، ورئيس منظمة (فتح)، والقائد العام لقوات الثورة الفلسطينية أن مناداته أمام الأمم المتحدة بإيجاد دولة ديمقراطية علمانية في فلسطين يعيش فيها المسيحي واليهودي والمسلم بلا تمييز- هذه المناداة هي التي أعطت (م. ت. ف) الاعتراف الدولي بتمثيل الفلسطينيين، ذلك لاطمئنان المجتمع الدولي واليهودية العالمية بأن (م. ت. ف) والثورة الفلسطينية قد طبقت (التطبيع اليهودي) على غالبية الساحة الفلسطينية.

لقد اندفع القادة على الساحة الفلسطينية في إبراز الدولة الديمقراطية بأشكال شتى وصور عديدة، وكلها تخدم الخطة اليهودية لكون هذه الدولة تنحرف بالصراع عن مفاهيمه الصحيحة، وهي أن الصهيونية واليهودية وجهان لعملة واحدة، وما الصهيونية إلا مرحلة سياسية لعمل اليهودية العالمية.

نكتفي بهذا القدر من طرق (التطبيع اليهودي) على الساحة الفلسطينية، ونحن على ثقة تامة بأن أي دارس للقضية الفلسطينية من منظور إسلامي سيجد الكثير الكثير من هذه الممارسات التي تخدم يهود العالم بتوسيع دولتهم في فلسطين، وتدعيمها، وتثبيتها، وإبقاء أعدائها في هزائم مستمرة ودائمة، ونحمد الله -تعالى- أن هدانا للإسلام، نستمد منه مقومات حياتنا ومماتنا بما يرضي الله تعالى.                                                            

الرابط المختصر :