العنوان أديب الأطفال الكبير عبد التواب يوسف لـ «المجتمع»: الأدب هو وقع الوجود على الوجدان معبرًا عن الكلمة الجميلة
الكاتب د. محمود خليل
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أبريل-1994
مشاهدات 92
نشر في العدد 1095
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 12-أبريل-1994
الثقافة الإبداعية وأدب الطفل
حوار مع الأديب الكبير الأستاذ عبد التواب يوسف
· نحن بحاجة إلى الثقافة الإبداعية التي تطلق في الطفل كل ملكات البحث والاكتشاف والابتكار.
· الخيال الإبداعي للطفل نوع من المخاطرة العلمية المحسوبة.
الأهمية الكبرى لمرحلة الطفولة تجعل الكتابة لها هي المهنة الأشق، وهذه الكتابة تستلزم الأديب الذي يمكن أن نطلق عليه مجمع المواهب، ذلك لأنها الفن الخاص.. لغة وفكراً وممارسة، ومحاورنا الأديب الكبير الأستاذ عبد التواب يوسف هو الرجل الذي نذر نفسه لهذه المهمة الكبيرة.
ولا شك أن أهمية الموضوع -ثقافة الطفل المسلم- ورحلة الضيف الكبير يعطيان مذاقاً خاصاً لهذا الحوار.
• المجتمع: يشيع لدى الكثيرين أن أدب الطفل وثقافة الطفل.. ما هي إلا الأساطير والمغامرات الملونة.. وتضيع عندئذ الشروط الواجب توافرها في الكتابة الأدبية للطفل عموماً.. والطفل المسلم خاصة؟
عبد التواب يوسف: أنا لا أميل كثيراً إلى التعريفات المحددة.. لأنه من الصعوبة في هذا المجال أن تضع تعريفاً جامعاً مانعاً.. لكن يجب أن نعرف أن الأدب هو وقع الوجود على الوجدان معبراً عنه بالكلمة الجميلة... ولكن يجب أن نعلم أيضاً أن خيال الطفل دنيا بلا حدود، وإذا لم تخلق له هذه الدنيا فسوف يبتكرها ويوجدها بنفسه.
ضوابط الخيال في قصص الأطفال
• المجتمع: ما هي إذن أهم الضوابط التي يجب أن تراعى في رسم حدود الخيال في قصص الأطفال؟
عبد التواب يوسف: من واقع تجربتي الطويلة في هذا المجال أرى الآتي:
أ - الخيال ضروري في قصص الأطفال وله دوره الحيوي الذي لا يمكن إنكاره.
ب - يجب أن ننقي قصص الأطفال من الخيالات المخيفة المفزعة.
جـ - يجب ألا يؤدي المزج بين الحقيقة والخيال في قصص الأطفال إلى حدوث نوع من البلبلة أو تشويه الحقائق.
• المجتمع: ولكن البعض يمزج في هذه القضية بين الخيال العلمي والعلم الخيالي؟
عبد التواب يوسف: الخيال العلمي الذي يستند إلى العلم وحقائقه واحتمالاته مقبول... أما العلم الخيالي الذي يستند إلى الأوهام والخرافات فإنه غير مقبول بالمرة.
• المجتمع: وما هو الفيصل في هذا الموضوع عندما تختلط الأمور وتتداخل الخطوط؟
عبد التواب يوسف: الفيصل عندما يثور مثل هذا الخلاف هو الانطباع الذي سيخرج به الطفل من القصة التي ثار حولها الخلاف.. فإذا خرج الطفل بانطباع سيئ أو ضار أو بمفهوم خاطئ.. فإن هذه القصة تصبح غير مناسبة للأطفال، أما إذا خرج الطفل بانطباع طيب.. أو على الأقل بانطباع لا يحمل في طياته ضرراً ما فإن القصة تكون مناسبة للأطفال.
• المجتمع: وأي الأنواع القصصية ترون أن الطفل المسلم بحاجة إليها أكثر من غيرها؟
عبد التواب يوسف: الطفل المسلم بحاجة إلى كل الأنواع القصصية بشرط خلوها مما يصطدم بالتصور الإسلامي الصحيح.. وفي اعتقادي أن أهم ما يحتاج إليه الطفل ذلك القصص الذي يكون وينمي لديه الخيال الإبداعي الذي يتيح الفرصة للخيال والتفكير وتوسيع مدارك الطفل، وقدراته وتنمية تذوقه الأدبي بما يمكن تسميته "المخاطرة العلمية المحسوبة"، وذلك لأن العقلية التقريرية التي تعتمد على الامتلاء والتفريغ لا حاجة لنا بها في عالم المستقبل.
• المجتمع: البعض يصل باللغة العربية التي يكتب بها للطفل إلى درجة الضحالة بحجة التبسيط والسهولة في حين نرى أن أعظم من كتبوا للطفل مثل كامل كيلاني وسعيد العريان وغيرهم، وصلت كتاباتهم للطفل بسهولة ويسر في ظل ثوبها العربي الأصيل.. فما تعليقكم؟
عبد التواب يوسف: إن لغة الطفل الأدبية لا يحسنها إلا من تمثل القاموس اللغوي للطفل تماماً.. وجال بأذهان الأطفال وتفهم نفسياتهم وأنماطهم الفكرية فأصبح طفلاً كبيراً وبذلك تصبح اللغة عنده ليست مشكلة على الإطلاق.
السيرة النبوية للأطفال
• المجتمع: بعد تجربتكم الناجحة جداً في كتابة السيرة النبوية للأطفال "حياة محمد في قصص". ما هي أهم المحظورات التي يقع فيها كاتب السيرة النبوية للأطفال، خاصة إذا أراد ألا يتعامل مع أحداثها تعاملاً تقليدياً؟
عبد التواب يوسف: بعض المحاولات يشوبها القصور وبودنا ألا يحدث هذا في موضوع له روعته وجلاله كالسيرة النبوية. فمثلاً: أول ما يمكن أن يقع فيه كاتب السيرة التركيز على الأحداث دون الاهتمام بالدلالات أو التحدث عن السيرة بطريقة تحفل بمنجزات تتجاوز الواقع تماماً، وكأن السيرة ضرب من المعجزات المتصلة، أو النقل عن الإسرائيليات مما يشوه أحداث السيرة الكريمة التي نعرف عن يقين أن معجزتها الأولى والأخيرة هي القرآن الكريم.
• المجتمع: كيف يتعامل أديب الأطفال مع السيرة النبوية على سبيل المثال تعاملاً غير تقليدي؟
عبد التواب يوسف: أضرب لك مثالاً بسيطاً.. أنا مثلاً عندما أردت أن أكتب للأطفال عن الهجرة.. ماذا صنعت؟ طرحت على الأطفال من خلال قصة تتألق ألفاظها وتعبيراتها.. هذا السؤال.. ما هي أعظم الرحلات في التاريخ... وتبدأ الإجابات: رحلة «ماجلان» حول كذا... رحلة «فاسكو داجاما» حول كذا.. «كولومبس»... «جاجارين».. إلخ، ثم يفاجأ الطفل بأن هناك رحلة قصيرة -إذا قيست بهذه مكاناً وزماناً- كانت أعمق أثراً من كل هذه الرحلات في تاريخ البشرية وهي «الهجرة» مثل هذا التناول.. يقدم السيرة كاملة مشوقة، ويربط الصغار بما يجري من أحداث حولهم.
• المجتمع: ولكن هل كل أحداث السيرة مناسبة لسن الأطفال ومداركهم؟
عبد التواب يوسف: لا بأس من تأجيل بعض الأحداث إلى أن يستطيعوا استيعاب الأمور وقبولها، خاصة وأن الكثيرين من الأطفال يقيسون عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم وفق مقاييس ابتدعها عصرنا، فلا يدركون بعضاً من القضايا الدقيقة على الفهم، وبعضاً من القضايا الخلافية... فمثلاً: أنا أرى أنه لا حاجة بنا مثلاً إلى إطالة الحديث للأطفال حول أمية الرسول وحول زوجاته، ليس لأن ذلك يقل عظمة عن بقية جوانب السيرة النبوية!! ولكن لأن هذه الأمور قد لا تدخل في نطاق مفاهيم الأطفال في هذا السن.
عملة بالغة الندرة
• المجتمع: تواجه الكتابة للأطفال عدداً من المشاكل الصعبة.. نحب من خلال تجربتكم التي امتدت لأكثر من أربعين عاماً أن نتعرف على أهمية هذه المشاكل؟
عبد التواب يوسف: تواجه الكتابة للأطفال.. علماً وأدباً- مشكلة كبيرة، هي أن علماء الدين لديهم مادة غزيرة، لكن صلتهم بالأطفال متواضعة، وليس في استطاعتهم تبسيط مادتهم وتيسيرها للأطفال.. ومن جانب آخر نجد أن كتاب الأطفال ليسوا متفقين بل إن الكثير منهم معلوماته الإسلامية مضحكة من فرط تواضعها...
• المجتمع: ولكن هل هناك صعوبة ما في إبداع الأدب الإسلامي الخاص بالطفل؟ وما هي النتائج المرجوة من وراء هذا الأدب؟
عبد التواب يوسف: اتصاف الأدب بأنه إسلامي يعني ذلك في «محتواه» وداخل التجربة الشعورية والصياغة الفنية لها، وبالتالي فإن المباشرة تقضي عليه، ومن الممكن أن يكون لدينا عمل أدبي إسلامي متكامل دون عبارة واحدة عن الإسلام، إنه الروح التي تسري في كل أرجاء العمل فتجعله كائناً حياً.. ورحم الله «العقاد» حين قال: أنت تدخل إلى الحديقة ضيق الصدر، وتخرج منها وقد انشرح صدرك دون أن تقول لك الخضرة والزهرة والشجرة كلمة واحدة.
• المجتمع: هذا يقودنا إلى المعدلات القرائية لدى الأطفال.. وهل هي بالدرجة الكافية التي تشجع الأديب المسلم على الكتابة لهم؟
عبد التواب يوسف: يؤسفني يا أخي أن أقول لك: إن أمة «اقرأ لا تقرأ».. وأنا هنا أركز بشدة على ما قاله المرحوم رشدي خاطر حول «الانقرائية» أو القدرة على القراءة "Readability"، لأن الطفل الذي لا يجيد القراءة سوف يتعثر في القراءة في كل العلوم وبالتالي لن يحب أن يقرأ شيئاً على الإطلاق وسوف يؤثر ذلك على مستواه الفكري والتعليمي بشكل عام.
العالمية الإسلامية
• المجتمع: نعلم أنكم تجيدون الكتابة بالإنجليزية، بمهارة وإتقان ولكم جهودكم الطويلة في الترجمة ولكم أيضاً بعض الأعمال الأدبية «بالإنجليزية» فماذا يحول بينكم وبين الانطلاق إلى العالمية؟
عبد التواب يوسف: قبل عشرين عاماً. كنت في زيارة إلى إنجلترا، وألقيت محاضرة في اتحاد كتابهم عن أعمالي وكتاباتي، بعدها انتحى بي رئيس جماعة كتاب الأطفال وهمس قائلاً: أفكارك وأسلوبك ومستواك الأدبي بلا مجاملة، يرقى إلى العالمية، يحول بينك وبينها أنك تكتب بالعربية لجمهور محدود؛ اكتب بالإنجليزية تحقق لنفسك العالمية!! بعد العودة للوطن تساءلت: لماذا أكتب للأطفال؟ هل المطمع خاص ومطمع شخصي؟ هل مهمتي تثقيف الأطفال قراء الإنجليزية؟
كان الجواب: لا بالقطع.. إن أطفال أمتي أمانة في عنقي ولغة القرآن هدايتي وبياني.. وامتشقت قلمي وحسامي من أجلهم.
ويوم فزت بجائزة الملك فيصل العالمية في الآداب عام 1991م، أبرقت إلى رئيس جماعة كتاب الأطفال في إنجلترا قائلاً: حققت العالمية بإسلامي وعروبتي.
• المجتمع: يبدي الأستاذ عبد التواب يوسف اهتماماً خاصاً لشعر الأطفال رغم أنه لم يكتب لهم شعراً.. نريد أن نتعرف على جهودكم في تقديم دواوين الرواد للأطفال مع الإشارة إلى دور شعر الأطفال في النشأة الأدبية لهم؟
عبد التواب يوسف: نعم.. أنا قمت بجمع هذه الدواوين التراثية خشية ضياعها مع الزمن فجمعتها في كتب لتصبح بين أيدي الأطفال والمربين والدارسين فقدمت دواوين «الهراوي» و«الرصافي» و«شوقي» و«كامل كيلاني» و«إبراهيم العرب» وقدمت دراسات حول هذه الدواوين ولكن دعني أقول لك.. أنا لست شاعراً، ولكني أحاول أن أعيد أطفالنا إلى ساحة الشعر التي هربوا منها.
• المجتمع: قادنا الحوار إلى التمثيلية الإذاعية والتلفزيونية للطفل.. هل تنافس الكتاب؟ وما مستقبل الكتاب في ظل هذه التحديات العصرية الحديثة؟
عبد التواب يوسف: الكتاب هو سيد أدوات المعرفة وحين أراد الله أن يهدي البشرية أرسل لها «كتباً» من لدن صحف إبراهيم وموسى وحتى «القرآن الكريم».. والإذاعة المحترمة، والتلفزيون المحترم لا يضيقان على الكتاب أو أي شيء من هذا القبيل، إنما هذه «الوسائط» الحديثة تعمل على إذاعة الكتاب وإشاعته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل