; الرؤية الإسلامية في رواية سقيفة الصفا (١من٢) | مجلة المجتمع

العنوان الرؤية الإسلامية في رواية سقيفة الصفا (١من٢)

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يوليو-1998

مشاهدات 73

نشر في العدد 1308

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 14-يوليو-1998

  • السيرة الذاتية تجعل الأحداث تتمحور حول شخصية البطل الذي تصوره من الداخل والخارج بينما الشخصيات الثانوية تبدو مرسومة من الخارج

  • الرواية تجتهد في تحقيق الغاية الإصلاحية النقدية من غلال تركيزها على عناصر التخلف الاجتماعي

لعل حمزة محمد بو قري من جيل البناة الذين أصلوا لفن الرواية الإسلامية في الجزيرة العربية، هذا الجيل الذي يعد من أبرز رواده «حامد دمنهوري» ومعظم أبناء هذا الجيل من الذين ابتعثتهم الدولة إلى الخارج لإكمال تعليمهم والتزود من ينابيع الثقافة، وقد أطلعوا على الفن القصصي العربي والمترجم وعادوا متأثرين بما اطلعوا عليه، وتمثل هذا التأثر فيما كتبوه من روايات وقصص تراعي نظرية الأدب الحديثة في كتابة الفنون الأدبية، فأصلوا بذلك للفن القصصي عامة والروائي خاصة.

ولد حمزة محمد بوقرى في مدينة الطائف، ولا نعرف بالضبط سنة مولده، ولكنه توفي عام ١٤٠٣هـ في سن مبكرة نسبيًا، لعلها بين الأربعين والخمسين، أو قبل ذلك، وقد حصل على درجة الليسانس في الآداب من جامعة القاهرة، ولم يترك أعمالاً أدبية كثيرة، ومن أهم أعماله –أو لعلها كل أعماله– دراسة بعنوان: القصة القصيرة في مصر ومحمود تيمور، ثم مجموعة قصصية مترجمة بعنوان: «بائع التبغ» ثم روايته «سقيفة الصفاة».

ولعل وفاته الباكرة، كانت وراء قلة أعماله ولكن رواية سقيفة الصفاء تدل على كاتب واع بالفن الروائي، كما تكشف ثناياها عن اهتمامه الواضح بالأدب الروائي الأجنبي حيث يشير الراوي إلى بعض الأعمال الشهيرة لشتاينبك وغيره.

لقد نشرت رواية «سقيفة الصفا» عقب رحيل «بوقري» مباشرة، مما يعني أنه كان يستعد لإثراء هذا الفن لو قدر الله له العيش عمراً أطول، فروايته تحمل العناصر الأساسية لموهبة روائية تسعى للنمو والنضج، وتبشر بميلاد روائي جيد، ولكن قدر الله سبق.

     (۲)

تنتمى رواية «سقيفة الصفا» إلى ما يعرف برواية السيرة الذاتية، أو هي قريبة من هذا اللون الذي يندرج تحت ما يسميه «يحيى عبدالدايم» بالتيار الإصلاحي النقدي، أصحاب هذا اللون من الروايات يسعون إلى رصد الظواهر الاجتماعية المختلفة، وتسليط الأضواء عليها في محاولة لعلاجها أو وضع الحلول لها، يمكن أن نرى ذلك لدى طه حسين في كتابه «الأيام» و«العقاد» في «سارة» والمازني في كتابيه «إبراهيم الكاتب» و «إبراهيم الثاني» وميخائيل نعيمة في «مرداد» وتوفيق الحكيم في «عودة الروح» و«عصفور من الشرق»، وسهيل إدريس في «الحي اللاتيني» وزكي نجيب محمود في «قصة نفس» وإبراهيم  عبدالحليم في «أيام الطفولة»، وغيرهم.

وتجتهد الرواية في تحقيق هذه الغاية الإصلاحية النقدية من خلال تركيزها على عناصر التخلف الاجتماعي المتمثلة بوضوح بارز في سيطرة الخرافات والبدع والجهل والشرور ومن خلال سيرة البطل الروائي في «سقيفة الصفا» نطالع صورة للمجتمع في مكة المكرمة قبل ثلاثة أرباع قرن تقريباً، فنتعرف على الحياة الاجتماعية السائدة بعاداتها وتقاليدها، أفكارها وموروثاتها، الواقع العلمي والمستوي الطبي التكوين الطبقي والثقافي، فنرى مثلًا وسائل المواصلات في ذلك الزمان المعتمدة على الجمال والحمير ودورها في موسم الحج ونقل الأثقال ونسمع عن بعض المخاطر المرتبطة بالقوافل مثل هول الليل، بل إن الحج في تلك الفترة كان محفوفاً بالصعوبات والشتات واللصوص وقاطعي الطرق، ونتعرف على شخصية المزهد الذي كان ينشد ويتلو نصوصاً، تتعلق بالتزهيد في الدنيا بصوت منغم قبيل الاستعداد للحج، وتقدم لنا الرواية معالم الطبقات الاجتماعية والأجناس التي تكون من المجتمع المكي ومهنهم وحرفهم... إلخ. 

ولكن الرواية تركز على «الموت» بطريقة جادة فنراها تبدأ بالموت وتنتهي به تقريبًا، وتعرض للمفازات والمقابر بصورة ملفتة للنظر، ترى هل كان الكاتب يستشعر أنه سيموت مبكرًا، فلازمه الإحساس بالموت، وهو يكتبها؟ 

على كل، فإن الجانب الإصلاحي النقدي الذي تجتهد الرواية في التركيز عليه، يقوم على الالتزام بالفكرة الإسلامية في الفكر والسلوك، ومع أن الكاتب فيما نستشف من الرواية لديه وعي جيد بالمدينة الغربية ومعطياتها، فإنه منحاز للمفاهيم الإسلامية عبر سرده الروائي ومن خلال تصورات شخوصه وسلوكهم سواء المطابقة للفكرة الإسلامية أو المخالفة. إنه معني بالإصلاح الذي يسعى لاستئصال الخرافة والبدعة والشر وتأصيل القيم الإسلامية النبيلة وبخاصة التضامن الاجتماعي والمروءة والشهامة وجميل العادات القديمة، مع ترحيب ضمني بمنجزات المدينة الحديثة في المجالات المادية، ودعوة إلى العلم بمعناه الشمولي الرحب الذي يشمل جميع المواطنين رجالاً ونساء، وهي دعوة لها قيمتها الحقيقية في ذلك الزمان إذا عرفنا مدى سيطرة الأمية وبعض المفاهيم العادية للعلوم التطبيقية واللغات الأجنبية.

 (۳)

يقوم البناء الروائي في «سقيفة الصفا» على تقسيمها إلى عدد من الفصول المرقمة يصل عددها إلى أربعة وثلاثين فصلاً، تتتابع فيها الأحداث... تتابعاً مطرداً منذ البداية حتى النهاية ومذ كان البطل طفلاً صغيراً حتى انتهى شاباً ناضجاً، وتقدم لنا الفصول حياة أسرة صغيرة محدودة العدد من خلال زوجة وابنها بطل الرواية، وزوجها الذي بدأت الرواية بالحديث عن موته أو إعلان وفاته لتصبح الأسرة على مدى الرواية مكونة من الابن والأم وحدهما في بيت كبير يؤجران معظمه في موسم الحج... تعيش الأم مع ابنها ولأجله، وتمثل في حياته «المشير أو المستشار» الذي يوجه حياته ويؤثر فيها.

من خلال عملية السرد نتعرف على الشخصيات الأخرى بالتتابع فيما يشبه قصصًا داخل قصة، مثل قصة سفيان زميل البطل والمرحلة الأولى وقصة الخالة أسماء، وقصة العم عمر، وقصة الجمال، وغيرها... كل شخصية تكشف جانبًا من جوانب البناء الروائي عبر قصة خاصة أو شبه قصة يظهرها الراوي «البطل» من خلال ذكرياته، إنه يتوقف عند الشخصيات المهمة في حياته، ليس مهمًا أن تكون مهمة في واقع الحياة، فيصفها ويحللها ويحكي ما وقع منها من أحداث أو ما جرى لها من مواقف، وقد يكون لبعض الشخصيات قصص متعددة مثل «سفيان» فله أكثر من قصة طريفة تعبر عن مواقفه في مجال الشغب والانحراف.

وبصفة عامة يعتمد البناء الروائي على السرد بضمير التكلم مع حوار قليل، ويمكن أن نرى في السرد بعض العناصر الفنية المساعدة مثل التضمين بالشعر أو الأمثال الشعبية أو الجمل أو قصص الأطفال.

ولكن الظاهرة الواضحة في هذا السرد تكمن في لجوء الكاتب أو الراوي إلى التحليل والاستطراد، إنه يصف حدثًا أو شخصًا أو موقفًا فلا يكتفي بدلالة الوصف بل يتطوع بالشرح والاستفاضة فيه، وبخاصة في المجال النفسي والمجال الذهني، إنه يذكرنا بما فعله «العقاد» في «سارة»، ولعله تأثر بالعقاد في هذا السياق يكشف عن وعيه بالكثير من القضايا النفسية أو العقلية أو الفكرية، ويجتهد في ربط الأحداث فنيًا بالتحليل.

ثمة نقطة مهمة في البناء الروائي تربط عنصر المقارنة بين الزمان الماضي والزمان الحاضر، ولعله يهدف من وراء ذلك إلى بيان قيمة الحاضر على ضوء الماضي.

كان من المتوقع أن يمضي السياق الروائي في صاعده، وأن يمضي بالأحداث إلى نهايات متوقعة تحقق للبطل أمانيه أو تصب في الإطار الذي عبرت منه المقدمات الروائية، فالبطل قد كافح من أجل التعلم والثقافة وتحول من شخصية هامشية مستلبة تخضع لمشورة الأم ورغباتها، إلى مدرس مرموق يؤدي دورًا اجتماعيًا له قيمته، وقد عرض عليه أحد المدرسين الكبار في السن أن يزوجه من بنته تعبيرًا عن ارتفاع منزلته وسمو مكانته، ولكن وفاة الأم بعد مرض عضال تقلب الأمور رأسًا على لقب، وتؤثر على عقله وذهنه، وتنتهي به الأحداث الرواية إلى شخصية شبه فاقدة للعقل والصواب ترى هل كانت فكرة الموت التي عمرت سطور رواية من وراء هذه النهاية شبه «الميلودرامية»؟

ربما هل كانت علاقة البطل بالأم، حيث عاشت له ومن أجله  وراء هذا الانهيار الذي عصف رجل يملك من الثقافة الرفيعة والتصور الإسلامي ناضج، ما يكفيه شر الانهيار والعواصف لعلها.

   (٤)

«سقيفة الصفا» رواية مكان وزمان بالدرجة الأولى، يتحول المكان والزمان إلى بطلين، أو بطل اشترك، حيث نرى المكان والزمان يمثلان بيئة لها ملامحها وشخصيتها المتفردة، في زمان ذهب ولن  ترى هل كان الموت الذي الحت عليه الرواية موازيا لهذا الزمان الذاهب؟ ومع أن الرواية حافلة بالشخوص والأحداث، فإن المكان والزمان يلحان في صفحات الرواية بوصفهما البيئة التي نضجت البطل أو نضج فيها البطل، ومنذ عنوان الرواية «سقيفة الصفا»، حتى الصفحات الأخيرة تقريبا، فإن القارئ يتجول في مكة المكرمة: أحياؤها ، شعابها، ومرتفعاتها، ومنخفضاتها الحرم ، مقبرة المعلاة، يعبر الدروب والأزقة، ويسوح داخل الدور البسيطة والمدارس المتواضعة، ويرى عالمًا محدودًا لا ينفسح إلا داخل الكعبة حيث يمثل الحرم عالم الرحابة والسعة الذي يستوعب المهمومين والمحزونين والباحثين عن الطمأنينة والصفاء والسلام الروحي، ويخبرنا البطل في أكثر من موضع أن الحرم يصير دائمًا وجهته كلما حز به أمر، أو ألمت به محنة، وما أكثر المحن التي مر بها وعاشها على مدى الرواية.

يتحدث البطل «محيسن» عن صديقه سفيان فيقول: ألم يكن هو الذي نبهني إلى أن الدنيا ليست هي ذلك الشارع الضيق الذي أسير فيه والمحصور بين جبلي أبي قبيس والسبع بنات مع ما يتفرع عنه من أزقة أكثر ضيقًا تنتهي كلها إما يمينًا أو شمالًا مصطدمة بهذا الجبل أو ذاك؟ ألم يأخذني أول مرة خلال سقيفة الصفا المظلمة إلى العالم الرحب الذي انتهى بعد سير ساعات إلى «محبس الجن» مرورًا بربع اللصوص، وطلعة أبي لهب وغيرها؟

 ومع ذلك فإن المكان يظل ضيقًا ومحصورًا بالجهات الأربع حول مكة وشعابها ودروبها، لا ينفرج ولا يتحسن إلا في الحرم، وليس بالنسبة للبطل وحده، ولكن لأهل مكة جميعًا وبخاصة عند صلاة الفجر، وقد عبر البطل عن ذلك في أكثر من موضع كما سبقت الإشارة يقول: كانت صلاة الفجر في المسجد الحرام أو الحرم، كما يسميه أهل مكة -وبخاصة «السجدة»- فجر يوم الجمعة تمثل محفلًا روحيًا هائلاً بالنسبة لي ولكثيرين ممن عاشوا تلك الفترة، ربما كانت كذلك حتى اليوم بالنسبة لمن بقي من أهل مكة فيها ... وكانت قمة النشوة أن يتمكن إنسان من أن يصل إلى الحرم قبل الأذان بساعة، أو بعض ساعة ... إلخ.

يبدو الحرم في الرواية مكانًا خارج المكان وربما الزمان أيضًا، فهو نبع العلم والمعرفة ومصدر السكينة والأمل، ورمز الإيمان واليقين وينتقل فيه الناس من الدنيا إلى الآخرة، حيث يكون آخر عهدهم بالدنيا أن يصلي عليهم في رحابه ليذهبوا بعد ذلك إلى حيث لا عودة، الحرم إذا عنصر فاعل في حياة البطل والمجتمع معًا ليس من الناحية الروحية وحدها، ولكن من الناحية الاقتصادية وبخاصة في موسم الحج كل عام لتكون طوافة وتجارة وبيع وشراء وتعارف وأشياء أخرى، وقد أبرزت الرواية دور الحرم وتأثيره بطريقة جيدة، وأعطته بعدًا طبيعيًا عن السرد والأحداث.

أما الزمان فهو صنو المكان -ونقصد بذلك الزمان الخارجي – فيه من الحياة البسيطة الصعبة ما يجعل للمفارقة موضعها، فهو زمان بسيط متواضع يعبر عن الترف والتعقيد، وصعب يسبب مشقة الحصول على الضروريات أو مشقة توفير المال اللازم للحصول عليها، فضلاً عن الكد أو الكدح الذي لابد من بذله لمن أراد أن يعيش مستورًا.

والزمان يقدم لنا فترة من عمر مكة حافلة بالعادات والتقاليد والمستويات الاجتماعية والنظم التعليمية والملابس والمأكل والأطعمة وطرق الحياة وتجتهد في توصيف ذلك عبر ذاكرة الكاتب التي تبدو حادة الوعي بالماضي ومعالمه، فترسمه بدقة وتقدمه أحيانًا في تفصيلاته البسيطة المتنوعة. إنها تقدم لوحة لزمان غير بعيد، يحمل روائح مميزة، ونكهة خاصة، وطعمًا متفردًا بكل ما فيه من حلاوة ومرارة، ويسر ومشقة، لتترسم الأجيال الجديدة أفضل سبل المقاومة مع حاضرها، وتتهيأ للمستقبل المأمول.

إنه لا يحدد وقتًا دقيقًا لأحداث الرواية، بقدر ما يرصد المعالم الدالة عليه، في إشارات خاطفة تلوح عبر السرد فتقرأ مثلًا عن المجيدي، عملة ذلك الزمان ويقصد الريال «المجيدي» نسبة إلى العملة السائدة في العصر العثماني، ويشير إلى الحرب العالمية الأولى عند سرد بعض الأحداث القريبة منها.

بيد أن الزمان الروائي أو الداخلي يمتد متصاعدًا، ومرتبطًا بعمر البطل محيسن، الذي يحدثنا عن نفسه مذ كان طفلًا صغيرًا حتى صار شابًا ناضجًا، يعمل مدرساً في المدرسة التي تخرج فيها، وفيما بين الفترتين نعيش مع الكاتب مرحلة زمنية طويلة تكشف عن تطور البطل على كافة المستويات الخارجية والفكرية والنفسية والاجتماعية.

قد يتوقف الزمان الروائي أحياناً ليعود الراوي بذاكرته إلى الوراء ليوضح حادثة بعينها، أو يلقي الضوء على بعض الأحداث، أو يفسر موقفاً من المواقف التي تعرض لها البطل، أو تعرضت لها بعض الشخصيات، ويبقى المكان والزمان متعانقين، ليقدما لنا بيئة خاصة في عصر خاص من خلال مذاق خاص، يستشعره من عاش بالقرب من هذا العصر وتلك البيئة، وينبهر بهما من يسمع عنهما من الجيل الجديد.

[1] أستاذ النقد الأدبي – جامعة طنطا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

398

الثلاثاء 24-مارس-1970

أطفالنا من هم وإلى أين؟

نشر في العدد 52

120

الثلاثاء 23-مارس-1971

الأسرة (العدد 52)

نشر في العدد 1395

71

الثلاثاء 11-أبريل-2000

صندوق الدنيا