العنوان مصير اليمن والحرب الباردة بين الحزبين الحاكمين
الكاتب ناصر يحيي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1992
مشاهدات 76
نشر في العدد 1019
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 06-أكتوبر-1992
العلاقات السياسية في اليمن: أزمة الاتفاق والخلاف بين الحزبين
الحاكمين
توطئة: غموض العلاقة وغرابة الوضع
لخص الأستاذ
محمد سالم باسندوة -السياسي المخضرم- أزمة العلاقات السياسية في الحزبين الحاكمين
في اليمن في عبارة واحدة قائلًا: «أخشى على الديمقراطية من اتفاقهما، وأخشى على
الوطن من اختلافهما».
وهي كلمة دقيقة
في وصف غرابة الأوضاع السياسية في بلد عندما يتوقف مصير وطن وسلامته وحريته على
مصير العلاقة بين حزبين من أحزابه. ولكنها الحقيقة المرة التي يفهمها الشعب، وتجعل
أبناءه يحبسون أنفاسهم خوفًا من اتفاق الحزبين أو اختلافهما.
علاقة غريبة وتقنين الاستيلاء
قبل الاسترسال
في الحديث عن مظاهر الخلافات بين حزب «المؤتمر الشعبي العام» والحزب «الاشتراكي
اليمني»، ينبغي التذكير بأن طريقة توحيد شطري اليمن قد أعطت لهذين الحزبين وضعًا
مميزًا جعل الوحدة تبدو وكأنها قد تمت بينهما أساسًا! وعزز ذلك أنهما حرصا على
تقنين استيلائهما على معظم المناصب في الفترة الانتقالية بعد أن اتفقا على إطالتها
من (6) أشهر إلى (30) شهرًا.
على أن أخطر ما
خلفته الفترة الانتقالية هو الشعور السائد عند كثير من الأوساط بأن بقاء الوحدة
وسلامة البلد مرتبطة بالحزبين الحاكمين، وأن عليهما -حرصًا على مستقبل اليمن- أن
يتفقا على ما يرضيهما ولو كان على حساب الوطن!
دوافع الخلاف وأسسه الحقيقية
بعض الدوائر
السياسية في اليمن تؤكد أن خلافات الحزبين الحاكمين مجرد لعبة سياسية يلجأ إليها
القادة لإحراز مزيد من المكاسب المادية لهما عن طريق دفع وتيرة التوتر في البلد
إلى درجة تنذر بحرب أهلية، مما يؤدي إلى هلع عام وتسليم شعبي بأحقية الحزبين في
إحراز ما يريدان طالما أن ذلك يحفظ الأمن والوحدة!
وفي الواقع أن
الرأي السابق يستمد رؤيته من تكرار الخلافات التي يعقبها صلح مريب في كل مرة. لكن
الحقيقة أيضًا تفرض علينا القول بأن تكرار الخلافات تعود إلى أسباب حقيقية بصرف
النظر عن توظيفها لمصلحة معينة. أما الصلح الذي ينتهي به كل خلاف فيعود -أساسًا-
لاقتناع الطرفين بأن القطيعة بينهما تضر بهما أساسًا ولمصلحة تيار «الإصلاح
الإسلامي»، وأن أملهما الوحيد في الاحتفاظ بالسلطة -عبر الانتخابات- يتمثل في
تحالفهما في قائمة انتخابية واحدة وبمشاركة أهم الأحزاب الموالية لهما!
ويمكن أن نعيد جذور الخلافات إلى الأمور التالية:
أ- العداوة
التاريخية: فلا شك أن سنوات الصراع الطويلة بين نظامي شطري اليمن قد رسخ قناعات
معينة متبادلة، الأمر الذي أبقى سوء الظن وضعف الثقة علامة مميزة للعلاقات
الثنائية، مما أدى -على سبيل المثال- إلى تأخير دمج القوات المسلحة حتى الآن.
ب- التنافس على
إثبات أحقية كل حزب في حكم اليمن والسير به في طريق «التحديث» والانفتاح على
العالم الغربي وتوثيق العلاقات مع دوله!
جـ- شعور الحزب
الاشتراكي بأن الرئيس علي عبد الله صالح يسعى لاحتوائه ويراهن على حدوث انشقاق
خطير في الحزب يجذب إليه التيار المعتدل ويحول الحزب إلى فصيل يساري متطرف معزول
في الساحة السياسية!
د- وجود تيار في
كل حزب يكن كراهية للحزب الآخر وللتحالف معه!
هـ- المشاعر
المناطقية التي لا تزال تحكم تصرفات البعض وتجعله يتصرف بعقلية الممثل لدولة ثانية
وليس مسؤولًا عن بلد واحد!
و- اتفاق
المناصفة واقتسام المناصب الكبرى يثير العديد من المشاكل والمشاحنات بين أعضاء
الحزبين. فوزير النفط -مثلًا- قدم استقالة غير معلنة منذ شهور طويلة بسبب تصادمه
مع نائبه المنتمي لحزب المؤتمر الشعبي، ووزير التربية -مؤتمر شعبي- لا يدخل مكتبه
في الوزارة ويكتفي بإدارة وزارته من مركز البحوث التربوي، هروبًا من الصراعات
الحزبية التي تكاد تعصف بالوزارة!
ومع اقتراب
نهاية المرحلة الانتقالية، يتوقع كثيرون أن تشتد الحرب «الباردة» بين الحزبين حتى
يصلا إلى اتفاق معين يحرص كل طرف على أن يكون الكاسب فيه!
محطات الخلاف وأزمة الثقة
عندما يغضب النائب!
عندما يشتد
الخلاف بين الرئيس «مؤتمر» ونائبه «اشتراكي» تركد الحركة السياسية في القمة ويكاد
ينعدم ظهورها في التلفاز، وتقتصر أخبارهما على إرسال البرقيات أو استلامهما!
ومن المعتاد في
الحالة نفسها أن يغادر «النائب» العاصمة، كما حدث في مايو إذ اعتكف في منزله عدد من
أسابيع طويلة ولم يحضر احتفالات ذكرى توحيد البلد في العاصمة. والمرة الثالثة -«بدأت
في مطلع أغسطس ولا تزال مستمرة حتى ساعة كتابة هذه الأسطر»- اعتكف «النائب» في
مسقط رأسه بـحضرموت. أما المرة الأولى -يناير الماضي- فقد ظل في قصره بصنعاء حتى
تم الصلح!
وطوال العامين
الماضيين، شهدت العلاقة بين الحزبين محطات خلاف، بعضها كان شديدًا كاد يفجر الموقف
عسكريًا! كما دارت خلافات أخرى على صفحات الصحف وفي النقابات العمالية والمهنية
ووراء الكواليس. وفيما يلي استعراض لأهم مظاهر الخلاف:
أ- دمج القوات
المسلحة: وتسبب الخلاف حوله في الأزمة الأولى في يناير الماضي، إذ يشترط «الاشتراكي»
لدمج القوات المسلحة تقليص حجم الحرس الجمهوري إلى حد كبير وإخراج القوات الموجودة
في العاصمة! وهو بالطبع ما يرفضه الرئيس بإصرار لتخوفه من إلحاح «الاشتراكي»
المريب في خفض قوة الحرس الخاص برئيس الجمهورية!
ب- الحالة
الأمنية المتدهورة: وتمثلت بعدد من محاولات الاغتيال التي مست مسؤولين بارزين.
ويستغل كل طرف الأمر للمزايدة على الآخر. فـ «الاشتراكي» يعد وزير الداخلية
مسؤولًا مباشرًا عن تدهور الأمر، بينما يرفض «المؤتمر» تحميل المسؤولية لأحد
أعضائه دون سائر القيادات الأمنية المسؤولة في المحافظات، وأغلبها تنتمي لـ «لاشتراكي»!
وقد تعرضت
العلاقة بين الحزبين لهزة خطيرة في أعقاب مقتل العقيد ماجد مرشد بعد منتصف ليل أحد
الأيام التي شهدت تطبيق الخطة الأمنية. وأشارت صحف «الاشتراكي» بأصابع الاتهام بـ اتجاه
كبار المسؤولين في الأمن المركزي الموالي للرئيس وحملتها مسؤولية مقتل عضو اللجنة
المركزية وأحد العناصر الناشطة في القوات المسلحة، رغم تحريم الحزبية فيها! في
الوقت الذي اتهمت صحف «المؤتمر» العقيد ماجد بأنه يتحمل مسؤولية الحادث الذي راح
ضحيته جنديان شابان أيضًا بسبب الحالة غير الطبيعية التي كان عليها. كما نشطت
صحافة «المؤتمر» في تحميل مسؤولية عدد من الحوادث لأجنحة «الاشتراكي» المتصارعة،
كما أشارت رمزًا إلى انتماء المتهمين بمحاولة اغتيال وزير العدل إلى حزب ناصري
موال للحزب الاشتراكي الذي ينتمي إليه وزير العدل نفسه!
جـ- النقابات
العمالية والمهنية: يسيطر الاشتراكيون وأنصارهم على معظم الهيئات الإدارية
للنقابات العمالية في المحافظات الجنوبية والشرقية، إضافة إلى عدد آخر من النقابات
المهنية في عموم اليمن. وقد سعت بعض قيادات «المؤتمر» إلى تحريض العمال ضد قيادات
نقاباتهم في «عدن»، باعتبارها تولت مناصبها في ظل النظام الماركسي السابق،
وتُسَوِّف في إجراء الانتخابات الجديدة خوفًا على مراكزها! وبالفعل تكونت لجان
نقابية في مرافق كثيرة واستقطبت جماهير العمال الذين وجدوها فرصة للتخلص من
القيادات المفروضة عليهم منذ ما قبل الوحدة!
وقد أيقن
الاشتراكيون أنها وسيلة لسحب البساط من تحت أقدامهم، ولا سيما أن الرجل المحرك لها
هو «توفيق عويلي» أحد أشد خصومهم كراهية لهم! وقد تعرضت سيارته في تلك الفترة
لحريق متعمد اعتبر أنه رسالة مخصوصة. لكن اللجان النقابية توقفت بعد ذلك وإن كانت
ستبقى ورقة للضغط السياسي!
والواضح أن هناك
اتفاقات سرية باقتسام السيطرة على النقابات بين الحزبين، لكن ثلاث نقابات أفلتت من
مخطط القسمة، حيث سيطر الإسلاميون على نقابة المعلمين اليمنيين واتحاد الطلاب
ونقابة الحقوقيين، وهي النقابات التي لا تزال غير موحدة في البلد، حيث يسيطر
الاشتراكيون على النقابات المماثلة لها في المحافظات الجنوبية ويرفضون بإصرار
إجراء عملية التوحيد. نعم إن عملية التوحيد قد شملت كل النقابات الأخرى التي يسيطر
عليها «المؤتمر» أو الأحزاب الأخرى!
وقد شهدت الشهور
الماضية إنشاء منظمة «شباب الميثاق» التابعة لـ «لمؤتمر» لتواجه منظمة «شباب اليمن»
التابعة لـ **«لاشتراكي». كما بدأ «المؤتمرون» في تشكيل نقابة «اتحاد التربويين»
لتواجه «نقابة المهن التعليمية» التابعة لـ «لاشتراكي» ونقابة المعلمين اليمنيين
التي يسيطر عليها الإسلاميون!
وفي قطاع الطلاب
تتنافس ثلاث منظمات هي: «المجلس المركزي للطلاب» «اشتراكي» و «اتحاد طلاب اليمن
الدورة الرابعة» «مؤتمر» و «اتحاد طلاب اليمن الدورة الخامسة والثلاثين».
وتشتد المنافسة
في قطاعي الطلاب والشباب والمعلمين بين الإسلاميين والاشتراكيين، بينما لا تزال
خبرة «المؤتمرين» متواضعة في مجال النقابات والعمل الجماهيري.
د- التحالفات
الحزبية المتعارضة: تشكل تحالفات كل حزب صورة من الخلافات المتجددة. فـ «المؤتمر»
يحتضن المنشقين عن «الاشتراكي»، مثل جناح «علي ناصر محمد» ومقاتلي الجبهة الوطنية
الذين أعلنوا انفصالهم عن «الاشتراكي» بعد الوحدة!
وفي المقابل،
تبنى «الاشتراكي» عبر صحفه المطالبة بعودة «عبد الله عبد العالم» الذي قاد تمردًا
دمويًا ضد الرئيس علي عبد الله صالح في (1978)م وعاش منفيًا في «عدن» بعد فشل
التمرد. كما تبنى الاشتراكيون الدعوة إلى عصيان مدني في محافظة «تعز» في محاولة
لإحراج الرئيس وإثبات ضعف شعبيته في إحدى أهم المدن اليمنية التي تموج بالتيارات
السياسية! وكانوا قد اختاروا يوم (17) يوليو من العام الماضي لإعلان العصيان، وهو
ما يوافق الذكرى الـ (13) لتولي الرئيس الحكم في (17) يوليو (1978)م. للاطلاع على
الخلفيات التاريخية، يمكن زيارة تاريخ اليمن الحديث.
كما يتحالف
الاشتراكيون -الآن- مع أحزاب «التيار الشيعي»، ودعموا تأسيس ما يسمى بـ «مؤتمر
التلاحم الوطني» الذي يتزعمه عدد من شيوخ القبائل المختلفين مع الرئيس والشيخ عبد
الله حسين الأحمر، باعتبارهم رموزًا للقبائل الوطنية!
هـ- الحرب
الصحفية: تمتلئ صحافة الحزبين الحاكمين بحملات صحفية رمزية ضد بعضهما، ويحرص كل
طرف على إبراز مساوئ الفترة التي حكم فيها الطرف الثاني. وللإنصاف، فإن صحافة «الاشتراكي»
الرسمية أقل حدة في هذا، تاركة الأمر لعدد من الصحف الموالية! وعندما احتفلت صحافة
«المؤتمر» هذا العام بذكرى (17) يوليو، ردت عليها صحافة «الاشتراكي» والموالية له
بحملة استهجان مكشوفة، وصدرت «الثوري»، لسان حال «لاشتراكية»، بعنوان ضخم يسخر من
المناسبة، باعتبار أن يوم الانتخابات هو يوم الديمقراطية الحقيقي. وشهدت صحف «التيار
الشيعي» الاحتفال بـ (17) يوليو بأنه شبيه باحتفال الأنظمة الملكية بيوم الجلوس
على العرش!
الخلاف الأخير واستراتيجية المؤتمر
الخلاف الأخير
بين الرئيس ونائبه يتركز حول مطالبة «الاشتراكي» أن يتم الاتفاق منذ الآن حول
الانتخابات المقبلة ونصيب كل حزب من غنائم السلطة! ويقترح بعض زعماء «الاشتراكي»
المشاركة بقائمة موحدة أو دمج الحزبين في حزب واحد يحتمل أن يدعى «التحالف الوطني
الديمقراطي» في مقابل الموافقة على تغيير دستوري واسع يلغي مجلس الرئاسة الجماعي
ويستحدث منصب «رئيس الجمهورية» تلبية لرغبة الرئيس.
وبرغم أن «المؤتمر»
سيوافق في الأخير -كما نتوقع- على هذا المقترح، إلا أن سياسة رفع شعار «الانتخابات
قبل انتهاء الفترة الانتقالية» نوع من الضغط على «الاشتراكي» لانتزاع أكبر قدر
ممكن من التنازلات لصالح «المؤتمر». فهناك توقعات قوية بأن اشتراك «الاشتراكي»
بمفرده في انتخابات نزيهة معناها تحوله إلى حزب من الدرجة الثانية، وهو أمر يعيه
الطرفان جيدًا. «المؤتمر» يتشدد ليحوز مركز الحزب الأول، و «الاشتراكي» الذي يبدو
على استعداد لإرضاء «المؤتمر» في مقابل الاحتفاظ بمكاسبه في السلطة!