العنوان دنيا العجائب أم دنيا الحقائق؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1992
مشاهدات 80
نشر في العدد 1026
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 24-نوفمبر-1992
يُعرّف الإنسان بأنه «حيوان ناطق»
فإذا حرم النطق كان حيوانًا فقط بدون إنسانية، أو سائمة بدون تفكير، أو دابة بدون
اختيار، مع أن الله خلقه ناطقًا مفكرًا مختارًا، وجهزه بما يؤهله لذلك، ولم يجبره
حتى على الهدى والوحي واتباع الرسل، فجاءت سماسرة الخسف، وأرادوا أن يعبدوه لأهواء
وجهالات وضلالات، في مقابل نور العقل وأضواء الوحي البراقة، فرد بذلك نعمة الله
التي منحها هذا الإنسان، وسلبوا منه تكريم الله له، وجعلوه مسخًا مشوهًا، كما
استتبع ذلك وأد النشاط الإنساني الذي لابد أن يقتل مع ضياع الإنسان، وسلب التقدم
والإنتاج وإهدار الإبداع الذي هو عماد نهضة الأمم وتفوقها في كل ميدان، هذا فضلًا
عن تحكم الغباء واستشراء الفساد وسيادة التخلف، وكان لابد وأن يقاوم الإنسان هذا
التجني، وهذا التدمير لكيانه وإنسانيته، ويدافع العقل عن نشاطه الذهني وميدانه
الفكري، وتتطلع الأمم إلى التقدم والريادة، وتحاول أن تبتعد عن أشباح الظلام
وجراثيم الفساد، فقاوم تارة بالثورة والقوة، وتارة أخرى بتنبيه العقول واستعمال الرموز،
وضرب الأمثلة وإصدار النكات، والتحدث بالتوريات، وسرد القصص، وكان لذلك أثر- ولا
شك- في تنبيه الغافلين إلى الحالة التي وصلت إليها الأمم، وكان من أبرز من استعمل
هذا اللون في العصر الحديث «محمود الأسمر» ننظر إليه في مقطوعة معبرة فيها يصور
فيها انقلاب الأوضاع في دنيا العجائب.
ضاق على الأسد يومًا غابُه
وانقطعت
من رزقه أسبابه
فقال للفهد أشر بما ترى
فقال
إن الخير يا مولاي في ترك الثرى
تمشيا في الأرض حتى وجدا
غابًا
حوى من الوحوش عددًا
وبصرا للقرد وهو يحكم
يومئ
باللحظ ولا يكلم
منتفخ كالليث وهو قرد
منفرد
بالحكم مستبد
فهو هناك حاكم بأمره
الغاب
رهن خيره وشره
له بطانة بها الحمار
مدخر
للرأي مستشار
والكلب فيها السيد الجليل
والأسد
فيها الخادم الذليل
والبغل فيها الشاعر المقدم
وقنفذ
الجحر الكمي المعلم
والببغاوات لحفظ السر
والبوم
للبشرى بكل خير
والضفدع الصداح والمغني
والذئب
قائم بأمر الأمن
والجرز القائم بالإصلاح
والقط
طاهي اللحم في الأفراح
والدب للزمر وقرع الطبل
والفيل
للألعاب فوق الحبل
رأى الأسد ما رأى فزأرا
وقال
للفهد أحقًا ما نرى؟!
فقال يا مولاي حقًا صدق
جميع
ما يفعل هذا الخلق
فليس الذي نرى من الغرائب
فنحن
في دنيا العجائب!
ودنيا العجائب هذه هل ستظل قاصرة
على أمتنا، أم تتخلص هذه الأمة من غرائبها وعجائبها وتتشوف إلى غد أفضل، ومستقبل
أزهر؟ وذلك لن يكون بمعجزة، وإنما بإفاقة وصحوة وعمل وجهد وفتح للبصر والبصيرة،
واتباع لمنهج سليم في جنبات عقيدة، وارفة الظلال مثمرة الجنبات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل