العنوان الدولار كان ولا يزال الفك الأمريكي لافتراس ثروات الشعوب..
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-1978
مشاهدات 81
نشر في العدد 393
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 04-أبريل-1978
تكررت في السنوات الأخيرة ما يطلق عليه أزمة الدولار، التي تنعكس في الانخفاض المتتالي في قيمة هذه العملة بالنسبة لغيره من عملات الدول الأخرى، وبخاصة المارك الألماني والين الياباني.
وفي كل مرة تتعالى صيحات من هنا وهناك داعية إلى اتخاذ الإجراءات الفعالة لدعم الدولار، والوقوف دون استمرار تصدعه. وبالطبع تكون الدول الأكثر تضررًا من هذا الانخفاض هي الأكثر إلحاحًا في العمل على الإسراع بوقف هذا التدهور. ومن العجيب أن تقف أمريكا- كما نشاهدها في الأيام الأخيرة- دون أن تحرك ساكنًا لمعالجة الوضع، بل إن شئنا الدقة تتقاعس عن قصد ملقية بهذا العبء على الدول المتضررة لتقوم هي بعلاجه.
ولنا أن نتساءل هنا: هل هذا الهبوط المستمر في قيمة الدولار سياسة أمريكية مقصودة؟ وإذا كان ذلك كذلك: فما الذي تجنيه أمريكا من هذه السياسة؟ للإجابة على هذا التساؤل لا بد من الرجوع إلى الوراء قليلًا لنرى كيف استخدمت أمريكا الدولار- عن طريق التلاعب في قيمته- وسيلة لإثراء الاقتصاد والمجتمع الأمريكي على حساب دول العالم.
معروف أن الاقتصاديات العالمية وبخاصة الاقتصاديات الأوروبية قد خربتها الحرب العالمية الثانية، يستوي في ذلك المهزوم والمنتصر. وأن الاقتصاد الوحيد الذي استفاد من الحرب أو على الأقل خرج سليمًا معافى منها هو الاقتصاد الأمريكي. ومعروف كذلك أنه بعد أن وضعت الحرب أوزارها انبثقت عن منظمة الأمم المتحدة- التي ولدت في أعقاب الحرب- منظمة صندوق النقد الدولي المعروفة باتفاقية- بريتون وودز- والتي بمقتضاها أسس النظام النقدي العالمي، الذي ظل معمولًا به حتى تم التحلل منه نهائيًّا بتعويم العملات في أوائل عام 1973. وبمقتضى هذا النظام ثبتت أسعار صرف جميع العملات بربطها بالذهب عن طريق الدولار الأمريكي. إذ أصبح الدولار هو وحدة القياس بالنسبة لجميع العملات، وثبتت قيمته عند 35 دولارًا لكل أونصة من الذهب الخالص. والمهم بصدد موضوعنا أن أمريكا- وهي الطرف القوي كما أسلفنا- استطاعت أن تفرض للدولار قيمة أكبر بكثير من قيمته الحقيقية بالنسبة لجميع العملات. وكانت النتيجة الطبيعية لهذا الأمر أن وضعت أمريكا نفسها بالنسبة لباقي دول العالم في وضع متميز، استطاعت من خلاله أن تجني ثمرات كبيرة للاقتصاد الأمريكي تمثل أهمها فيما يلي:
1- أنه نتيجة للارتفاع غير الطبيعي في قيمة الدولار استطاعت أمريكا أن تتقاضى أثمانًا مغالى فيها كثيرًا، مقابل صادراتها طوال ربع قرن إلى دول العالم، التي كانت مضطرة إلى هذه الصادرات لتعمير ما خربته الحرب وإعادة بناء اقتصادياتها، ودفع عجلة التنمية بها.
2- كذلك استطاعت أمريكا بهذا الدولار المتضخم القيمة أن تشتري بأبخس الأثمان مؤسسات اقتصادية بالكامل في مختلف الدول الأوربية، وأن تفرض نفوذها فيها من خلال هذه المؤسسات.
3- وأخيرًا وليس آخرًا استطاعت أمريكا أن تشتري وتختزن كميات كبيرة من ذهب العالم بسعر منخفض- 35 دولارًا للأونصة- تستطيع الآن أن تعيده للعالم بأضعاف ثمن شرائه.
ولكن الأمور تطورت بعد ذلك، وأدت إلى ظهور عوامل جديدة، أصبحت تشكل ضغطًا على الاقتصاد والدولار الأمريكي كان من أهمها:
* استمرار تفاقم العجز في ميزان المدفوعات الأمريكي.
* ازدياد معدلات التضخم في الاقتصاد الأمريكي.
* النمو المطرد والمتزايد في القدرة الإنتاجية لليابان ودول أوروبا الغربية وبخاصة ألمانيا، وبالتالي ازدياد تنوع وحجم صادرات هذه الدول بأسعار منافسة للصادرات الأمريكية.
كل هذه العوامل شكلت أزمات خانقة للاقتصاد الأمريكي، وقد حاولت أمريكا- في ظل النظام النقدي القائم- أن تلقي بعبء علاج هذه الأزمات على الدول الأخرى المتضررة من هذا الوضع، على أن تجني هي ثمرات هذا العلاج. وفعلًا قامت كل من اليابان وألمانيا باتخاذ إجراءات معينة أدت إلى ارتفاع أسعار عملتيها عدة مرات مختارتين بذلك أخف الضررين. واستفادت أمريكا من ذلك دعمًا لمركز دولارها من ناحية، وتخفيضًا من حدة العجز في ميزان مدفوعاتها من ناحية أخرى.
ومع تطور اشتداد الأزمات واتساعها بعد ذلك بدا أن هذه المعالجات الوقتية لا تجدي فتيلًا، بل وأدى تداعي الأمر إلى تخلص الولايات المتحدة من التزامها بقيمة دولاراتها الذهبية حسبما كانت تقضي به اتفاقية بريتون وودز في أواخر عام 1971م؛ مما أدى إلى سقوط النظام النقدي القائم على هذه الاتفاقية وتعويم جميع العملات تقريبًا اعتبارًا من أوائل 1973م ومنذ ذلك الحين والدولار الأمريكي يسجل انخفاضات متتالية بالنسبة لغيره من العملات. وفي كل مرة يحدث فيها انخفاض جديد نجد أن أمريكا هي المستفيد الرئيسي منه. وهذه الحقيقة- وهي أن كل انخفاض في سعر الدولار يعود بالفائدة على الولايات المتحدة والصهيونية العالمية التي تقف خلفها- تقودنا إلى الإجابة على تساؤلنا الذي بدأنا به مقالنا، فنقرر أن هذه التخفيضات في سعر الدولار إنما هي استمرار لسياسة أمريكا للتلاعب في قيمة عملتها بما يحقق لها استنزاف ثروات الشعوب الأخرى.
وفي الوقت الحالي- وفي ظل الأزمة الخانقة التي خلقتها قضية انخفاض سعر الدولار- يمكننا أن نعطي القارئ صورة من أهم الآثار المترتبة على هذا الانخفاض، والسر ورا ء انزعاج معظم الدول وخاصة الدول النفطية من هذا الانخفاض:
• ازدياد القدرة التنافسية للصادرات الأمريكية في مواجهة الصادرات الأوروبية واليابانية إذ أن أسعار الصادرات الأمريكية ستكون حتمًا أقل من أسعار السلع الأخرى الأوروبية واليابانية مما يعطيها تلك القدرة التنافسية.
• تمكن الولايات المتحدة من الحصول على قدر كبير من النفط وتخزينه للمستقبل بأسعار مخفضة، فمثلًا إذا افترضنا أن سعر برميل النفط في السابق 10 دولارات بقيمة شرائية تساوي 3 دنانير كويتية فإنه مع تخفيض سعر الدولار مقابل ثبات قيمة البرميل؛ فإن العشرة دولارات ستنخفض قيمتها الشرائية عن ثلاث دنانير كويتية؛ مما يعني خسارة الدولة البائعة لبرميل النفط وتمكن الولايات المتحدة من شراء النفط الكثير بالفرق الفائض من اختلاف السعرين السابق والحالي للدولار.
• النتيجة الثالثة والمرتبطة بمنطقتنا العربية النفطية بالدرجة الأولى هي تآكل جزء كبير من ثروة الدول النفطية سواء في موجوداتها النقدية، التي عادة ما تكون بالدولار، بمعنى إذ كان موجود دولة من الدول مثلًا مليون دولار في السابق فإن هذا الموجود حاليًّا لا يساوي قيمة المليون دولار سابقًا بسبب انخفاض قيمة الدولار، أو في إيراداتها من العائدات النفطية كما شرحناه في النقطة السابقة أو في إيراداتها من الاستثمارات الخارجية ويتوقف حجم هذه الخسارة على نسبة الانخفاض في قيمة الدولار.
هذا هو وضع الدولار، وهذه هي سياسة الولايات المتحدة في استغلاله لامتصاص دماء الشعوب ونهب ثرواتها، يتساوى في ذلك الدول المتقدمة أو الدول النفطية وفي مقدمتها الدول العربية، المتضررة الكبرى من هذا التذبذب واللعبة القذرة التي تمارسها الولايات المتحدة ومن خلفها الصهيونية العالمية من خلال خفض سعر الدولار.
لذلك تجدر بنا الإشارة إلى أنه لا بد أن يعي القارئ أن هذه الأزمة الاقتصادية التي نعيشها اليوم مرتبطة ارتباطًا قويًّا بالأحداث السياسية الدائرة في العالم، وخاصة في منطقتنا العربية التي يراد لها أن تفقد حتى قدرتها الاقتصادية للوقوف بوجه المؤامرة الصهيونية الصليبية، التي يخطط لها منذ أمد بعيد للنيل من الإسلام والأمة الإسلامية، واستنزاف ثرواتها وطاقاتها لتبقى مشلولة عاجزة تابعة دائمًا للاستعمار الصهيوني المتخفي بثوب الدول الغربية.
ومن هنا فإن هذه الدول مدعوة الآن وأكثر من أي وقت مضى لحماية ثرواتها الآيلة للنضوب، وأن تقف موقفًا حازمًا لاتخاذ سياسة فعالة تحميها من هذه المؤامرة، ومنها التقليصات المستمرة في سعر الدولار.