العنوان تساؤلات وإجابات... هل يجوز أن يقال لفلان شهيد؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-ديسمبر-1981
مشاهدات 63
نشر في العدد 553
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 22-ديسمبر-1981
«القضية»
مقدمة:
هذه صفحة جديدة تفتحها إدارة التحرير كقناة جديدة مع القارئ ... وهذه الصفحة تستقبل تساؤلات القراء الفكرية والفقهية والتاريخية ... وتحيلها إلى أهل الاختصاص المعتبرين ... وقد رسمنا لهذه الصفحة أن تكون منبرًا للحوار وتبادل الآراء ووجهات النظر المختلفة، وإننا نرجو كل مفكر أو فقيه أو كاتب أن يسهم برأيه فيما يطرح من آراء في هذه الصفحة ... ونرجو من الله التوفيق ...
كثيرًا ما تطلق مجلة المجتمع كلمة «شهيد» على بعض الدعاة الذين أعدمتهم السلطات الجائرة ... ولا أدل على ذلك عددها الأخير الذي أطلقت فيه على الداعية المرحوم كمال الدين السنانيري اسم «الشهيد» وكما تعملون فإن كلمة شهيد تعني الحكم على المصير الأخروي للمقتول ... أي أنه سيدخل الجنة ... وهذا لا يعلمه إلا الله ... ولكي لا نتقول على الله ولا نتأله عليه، يجب علينا ألا نستخدم هذا اللفظ بالتعيين ... ونحدد شخصًا ما بالشهادة .. فهناك نصوص واضحة وصريحة في النهي عن ذلك ... هذا ما أعلمه ...
أما إذا كان للمجتمع رأي آخر فتدلي به وتضع حججها وأدلتها بذلك من ناحية ... ومن ناحية أخرى لنسأل العلماء في هذا الموضوع حتى تطمئن القلوب.
وعرضت مجلة المجتمع هذه المسألة على الشيخ الدكتور محمد الأشقر ... كالآتي:
هل يجوز إطلاق وصف «الشهيد» على من لم يقتل في الحرب؟
فكان جوابه:
النوع الأول: شهيد الدنيا والآخرة، وهو من قتل في الجهاد في سبيل الله تعالى، أي أثناء القتال في سبيل رفع كلمة الله، وكانت نيته في قتاله نيل رضوان الله تعالى- أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» فهذا النوع أعلى الأنواع، إذ إنه بذل نفسه لله تعالى، لإعلاء كلمته، ونصر دينه، والذب عن حرمات المسلمين، فهو في الدنيا شهيد، له أحكام الشهداء، فيدفن دون أن تصلى عليه صلاة الجنازة، بل من دون أن يغسل غسل الميت. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في شهداء أحد: «زملوهم بدمائهم» ولم يغسلوا ولم يصل عليهم، وهو شهيد في الآخرة، له أجره عند الله تعالى ونوره، كما قال الله تعالى: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ (الحديد: 19)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«ما من عبد يموت، له عند الله خير، ليسره أن يرجع إلى الدنيا وأن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد، لما يرى من فضل الشهادة، فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى»، وإنما سمي المقتول في حرب الدعوة إلى الله شهيدًا لأنه حي عند الله إلى يوم القيامة، تسرح روحه في الجنة حيث شاءت، وسائر الناس إذا فارقت أرواحهم أجسادهم موتى، قال الله تعالى ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: 169)، وقال بعض العلماء: إنما سمي الشهيد شهيدًا لأنه قتل في البلاغ، أي أثناء قيامه بالدعوة إلى الله فيستشهده الله على من بلغه.
واستدلوا لذلك بما روي عن عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أنه قال لأصحابه: «ما لكم إذا رأيتم الرجل يخرق أعراض الناس أن لا تعزموا عليه؟ قالوا: نخاف لسانه. فقال: ذلك أحرى أن لا تكونوا شهداء» فمن قام بشهادة الحق في أمر الله حتى قتل اتخذه الله شهيدًا، أي شاهدًا على من بلغهم هو أمر الله فلم يتبعوه.
والنوع الثاني: شهيد الدنيا دون الآخرة، وهو من قتل من المسلمين في الحرب مع الكفار لكن لم يكن قصده إعلاء كلمة الله، بل قاتل حمية، أو ليري شجاعته، أو لغير ذلك من المقاصد الخبيثة، فهذا يعامل عند القتل معاملة الشهيد، ولكن يوم القيامة لا يكون مع الشهداء، ولا يصل إلى منزلتهم.
والنوع الثالث: شهيد الآخرة دون الدنيا، وهو من مات بسبب من الأسباب التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه قال: «المطعون -أي الذي يموت بسبب الطاعون- شهيد، والمبطون شهيد، والغريق شهيد» وفي حديث آخر «والمرأة تموت بجمع -أي حال الولادة- شهيدة، وصاحب الهدم شهيد، وصاحب الحريق شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون حقه فهو شهيد».
ومن هذا يتبين أن إطلاق اسم «الشهيد» على غير من قتل من المسلمين في الحرب إطلاق جائز إن كان ممن وردت تسميتهم في الأحاديث النبوية الصحيحة، وخاصة الذين يجاهدون في سبيل الله بألسنتهم، وأقلامهم، وأعمالهم، ويدافعون عن دعوة الحق من الذين وهبوا حياتهم لله، وأنفقوا أعمارهم في ذلك، إلا أنه لما كان «الشهيد» على الإطلاق، هو من صلحت نيته فكان من شهداء الآخرة، وإلا كان شهيد دنيا لا غير، ولما كان أمر النية مما يخفى على الناس، حتى على صاحبه، فلذا ينبغي أن نقول «فلان شهيد إن شاء الله» فنكل أمره إلى الله، ونرجو له الخير عند الله، والله أعلى وأعلم.
كما عرضتها على الشيخ الدكتور عمر الأشقر المدرس بقسم الشريعة في كلية الحقوق والشريعة بجامعة الكويت كالآتي:
هل يجوز إطلاق اسم الشهيد على كل من قتل في مواجهة أعداء الله؟
فأجاب:
كثر النقاش حول هذه القضية في هذه الأيام، وبعض طلبة العلم في حيرة من أمرهم، بعضهم يرى نصوصًا تنهى عن إطلاق اسم الشهيد على شخص بعينه فيذهب إلى تحريم القول بذلك، وآخرون يرون أن المسلمين وعلماء الأمة يطلقون اسم الشهيد على من سقط في ميدان القتال فيذهبون إلى ذلك، وواقع الأمر أنه يجوز إطلاق اسم الشهيد على رجل بعينه باعتبار، ولا يجوز باعتبار آخر.
فيجوز في حالتين: الأولى: إطلاق اسم الشهيد على من مات في قتال الكفار لإجراء الأحكام الشرعية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية ومنها أن يكفن في ثيابه، ولا يغسل، ولا يصلى عليه، وقد جاء في كتاب المهذب لأبي إسحاق الشيرازي الشافعي: «ومن مات من المسلمين في جهاد الكفار بسبب من أسباب قتالهم قبل انقضاء الحرب فهو شهيد لا يغسل ولا يصلى عليه».
لما روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أمر في قتلى أحد بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم، ولم يغسلوا» انظر المجموع شرح المهذب (5/260) طبع السلفية.
الثانية: يجوز إطلاق اسم الشهيد من باب الرجاء والظن الحسن لا على سبيل القطع، وكان العلماء ولا يزالون يقولون: واستشهد في تلك المعركة فلان وفلان.
وقد عقب ابن حجر العسقلاني على قول البخاري باب «لا يقال فلان شهيد» بقوله: «أي على سبيل القطع بذلك إلا إن كان بالوحي». انظر: فتح الباري (6/90) طبع السلفية.
ويتأكد جواز هذا الإطلاق على الذين اشتهر صلاحهم وكثر ثناء أهل الإيمان والدين والصلاح عليهم، ففي الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم وأهل السنن أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًا وجبت له النار، الملائكة شهداء في السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض».
وفي رواية: والمؤمنون شهداء الله في الأرض، إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر.
ولا يجوز إطلاق اسم الشهيد على رجل معين قتل في معركة أو مواجهة مع أعداء الله إذا كان على جهة القطع إلا إذا جاء الخبر بذلك من عند الله، وهذا لا سبيل إليه إلا بالوحي، كالذين أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم شهداء، أو أنهم من أهل الجنة، وقد بوب البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد بقوله: «باب لا يقول فلان شهيد» وذكر ذلك في حديثين، الأول الحديث الذي يرويه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «الله أعلم بمن يجاهد في سبيله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله»، ووجه الدلالة في الحديث أنه لا يعلم أحد أن فلانًا مجاهدًا في سبيل الله أو أنه جرح أو استشهد في سبيل الله ما لم يكن الله قد أعلمه بذلك ، وسبيله الوحي.
والحديث الثاني الذي استشهد به، حديث سهل بن سعد الساعدي t «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم التقى هو والمشركون فاقتتلوا، فلما مال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عسكره، ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا تبعها يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما إنه من أهل النار، فقال رجل من القوم، أنا صاحبه. قال: فخرج معه كلما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، قال: فجرح الرجل جرحًا شديدًا، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد أنك رسول الله، قال: وما ذاك؟ قال: الرجل الذي ذكرت آنفًا أنه من أهل النار، فأعظم الناس ذلك، فقلت: أنا لكم به، فخرجت في طلبه، ثم جرح جرحًا شديدًا، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه في الأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه، فقتل نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة».
فهذا الرجل قتل في معركة مع أعداء الله وكان يحارب في صفوف المسلمين، ولولا إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين بما له في الآخرة لعد في جملة الشهداء عند من يعد كل قتيل في المعركة شهيدًا.
وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في نهاية الحديث يوضح المسألة «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة».
ومن الأدلة على هذه المسألة ما رواه مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أول من يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به، فعرفه نعمة فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكن قاتلت ليقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى يلقى به في النار ...».
المجتمع:
كانت هذه إجابة الأستاذين على سؤال المجتمع، ونخلص منها إلى أن إطلاقنا لفظ «الشهيد» على المرحوم «كمال السنانيري» الذي قتل في سجن الحاكم المصري بسبب حق قاله لا يخرج عن هدي الإسلام بحال من الأحوال، وما زالت المجتمع تدعو علماء الأمة لإبداء الرأي والحجة في هذا الموضوع وغيره. والله ولي التوفيق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل