; أحداث موسكو وقيم الغرب البالية | مجلة المجتمع

العنوان أحداث موسكو وقيم الغرب البالية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أكتوبر-1993

مشاهدات 61

نشر في العدد 1070

نشر في الصفحة 6

الثلاثاء 12-أكتوبر-1993

جاءت أحداث موسكو الدامية كمثال إضافي -وصاخب- على حقيقة أن الغرب يضع حسابات المصالح فوق اعتبارات المبادئ مهما حاول الإعلام الغربي الذكي تصوير خلاف هذه الحقيقة.

فقيام الرئيس بوريس يلتسين بحل البرلمان بطريقة غير دستورية، ثم قمعه لحملات الاحتجاج الشعبية، وأخيرًا مهاجمة البرلمان بشكل مثير ومدمر في آن واحد- كل هذه وجدت لها تفسيرًا جاهزًا على لسان القادة الغربيين وهو أن «الرجل فعل ما كان لا مفر من فعله لإعادة الاستقرار إلى روسيا».

وقد يكون هذا صحيحًا أو قد لا يكون، فالزمن وحده كفيل بإظهار الحقائق، لكن الصحيح أكثر أن الغرب تجاوز كل شعاراته ومبادئه المعلنة حول دعم الديموقراطية ومحاربة استبداد الحكومات، وأعلن دعمه الصريح للرئيس الروسي مقابل وعود ومكاسب لن تتكشف تفصيلاتها حتى مرور بعض الوقت.

ولعل الأحداث في موسكو لم تختلف في صورتها الدامية عن أحداث ساحة «تيان مان» في العاصمة الصينية، أو حتى أحداث رومانيا قبل بضعة سنوات، لكن التفسير الغربي للأحداث كان أسيرًا لحسابات المصالح.

وكانت محنة البوسنة والهرسك قدمت -ولاتزال تقدم- دليلًا ممزوجًا بالدم على هذه الحسابات المزدوجة في السياسات الغربية، هذه الحسابات التي ستبقى الفيصل في القرارات الدولية سواء أوجد نظام دولي جديد، أم لم يوجد.

ولا نقول هذا للمزيد من الإدانة للحضارة الغربية بقدر ما نحتاج إلى ذكره للتأكيد على خطورة استمرار الأوهام لدى بعض العرب بوجود ثوابت يمكن الاتكاء عليها من خلال التعامل مع الغرب، أو منح الثقة للوعود والمشاريع السياسية الغربية في منطقتنا.

وبعد كارثة الغزو العراقي الفاجر أصبح الاعتماد على العنصر الغربي أكثر من واضح ليس فقط في موجة الإرجاف السياسي والاضطراب الأمني المتخلف عن المحنة، بل في التخطيط لمواجهة هذا الواقع في المستقبل، ولا نزال في الكويت على سبيل الخصوص -مع الألم والأسف- نتعامل مع واقع الدعم الغربي لغايتنا وأهدافنا السياسية كحدث سرمدي دائم، لا يهدده الزمن بالتغيير أو الانقطاع.

وعلى صعيد القضية الفلسطينية دخلت منظمة التحرير ومعها قطاعات من الشعب الفلسطيني والعربي في دوامة الوهم بوجود التزام غربي صميم بمساندة القوق المغتصبة من قبل إسرائيل في عام 1967، وبوجود عزم لدى العواصم الغربية على إرغام القيادة الإسرائيلية على إعادة فتات من الأرض المحتلة لإقامة دولة منظمة التحرير عليها.

لقد أثبت الغرب مرارًا وتكرارًا بتصريحات صريحة واضحة لمسؤوليه، وأفعال قائمة ومستمرة لحكوماته، إنه لا تحركه تجاه الأحداث القيم والمبادئ، وإنما تحركه المصالح والولاءات، وإن الموقف الغربي تجاه كافة الأحداث إنما ينبع من المصالح التي ستعود على حكوماته، والنتائج التي سوف تتحقق لشعوبه.

أما الواهمون الذين يتصورون أن المواقف الغربية نابعة من قيم أو منطلقة من مبادئ فعليهم أن يراجعوا المواقف الأخيرة لأحداث موسكو وأحداث كثيرة غيرها، وإن حلفاء الغرب اليوم ربما يصبحون أعداءه فيما بعد إذا وجد الغرب أن مصالحه قد اهتزت في أي بقعة من البقاع.

لذلك فإن الشعوب الواعية والحكومات الراشدة هي التي تستطيع أن تتحصن بعقيدتها ودينها وقيمتها ومبادئها، وأن يكون ولاؤها لربها وخالقها، ونصرتها لدينها وعقيدتها، وأن تتحصن بشعوبها وتحتمي بمبادئها، فالرأسمالية الظالمة سوف تلحق بالشيوعية البالية، ولن يستقيم الكون إلا لمن يرفع راية خالق الكون ومُسيّره: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (سورة التوبة: 32).

الرابط المختصر :