; دموع في ذكراه الطيبة | مجلة المجتمع

العنوان دموع في ذكراه الطيبة

الكاتب عبدالرحمن محمد ابو ذر النظامى

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يوليو-1990

مشاهدات 55

نشر في العدد 974

نشر في الصفحة 41

الثلاثاء 17-يوليو-1990

منذ بضعة أيام خسرت الكويت، بل العالم الإسلامي كله رجلًا نحسبه من أهل الخير والصلاح «ولا نزكي على الله أحدًا» إنه الحاج عبد الله راشد الزير، أسكنه الله فسيح جناته، كان محبًا للعلماء الربانيين، الذين لا يبيعون آخرتهم بدنياهم، لا يبيعون دينهم من أجل لقمة العيش كما يقولون، فيوالون الساسة والمحترفين طمعًا بما في أيديهم، فيفتون اليوم مثلًا بما يناقض فتواهم بالأمس، فهنيئًا لفقيدنا بالمأثور الصحيح: «يُحشر المرء مع من أحب».

 

لقد تعرفت عليه -رحمه الله- منذ قرابة ثلاثين سنة، حيث زارني في (فبراير 1961) في الفندق المسمى آنئذٍ: فندق الكويت الكبير في المباركية، وما أن ودعته غفر الله له حتى عاد أدراجه لإدارة الفندق ليسدد عني ما ترتب علي من أجور ومصاريف شخصية، فلما أعلمته الإدارة أنني بضيافة صاحب السمو الشيخ عبد الله السالم الصباح مؤسس الكويت الحديثة، وراعي نهضتها الجبارة، ورافع رايتها دولة في المحافل الدولية، أسكنه الله فسيح جناته- ما أن عرف فقيدنا أنني ضيف سمو الأمير الراحل، حتى استأذن علي ثانية في غرفتي، وقال لي بلهجته الكويتية المحببة: «يا أبا ذر سمعت أحاديثك عصاري رمضان في مسجد الرومي فأحببتك لله، وترانا حاضرين لأي شيء وممنونين، وإن كان عبد الله السالم والد الجميع- جزاه الله خيرًا- فأنا أخوك إن شاء الله».

 

ولما وظفتني وزارة الأوقاف الموقرة إمامًا وخطيبًا في مسجد ضاحية الشامية المسمى الطبطبائي حاليًا، ظل يتردد عليّ مؤانسًا طيلة السنوات الخمس التي قضيتها هناك، آنسه الله تعالى برحمته ورضوانه.

 

ولكم تهلل وجهه بشرًا حين نقلتني الوزارة منذ ربع قرن إلى مسجد المرحوم عبد الله العثمان في النقرة، ولئن كان يصلي معظم الصلوات في مسجد المهنأ المجاور لبيته، فكثيرًا ما كان يؤدي العشاءين والجمعة بين أظهرنا؛ حرصًا منه على الحلقات العلمية، والمواضيع المنبرية المستقاة من الأحداث القائمة خلال أسبوع، حسبما هي الحكمة التشريعية من فرضية الجمعة كمؤتمر إسلامي أسبوعي لأهل كل مدينة على حدة، تمهيدًا للمؤتمر السنوي الإسلامي العالمي في الحج على نطاق الأمة المحمدية كلها، عربيها وأعجميها سواء بسواء. هذا بعض ما أعرفه عن عبادة الفقيد رحمه الله.

 

ومن باب المأثور الصحيح: «اذكروا محاسن موتاكم»، فإنه كان يأتيني بمساعدات نقدية لطلبة العلم البائسين الذين أتحمل مصاريف دراستهم الجامعية، مما يأتمنني عليه المحسنون الصالحون من زكواتهم وصدقاتهم، وفقيدنا في مقدمتهم، وإنني لأجزم أن أجره وأجر أمثاله لم ولن ينقطع بموتهم أبدًا، بدليل ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به، وصدقة جارية، وولد صالح يدعو له» وإنني لعلى يقين تام أن الله -تبارك وتعالى- جمع لفقيدنا أبي راشد، هذه المراقي الثلاثة في الجنة. ولئن تحدثت بعض الصحف المحلية عن مبراته الخيرية، كبناء المساجد على نفقته الشخصية في الكويت، والبحرين، والولايات المتحدة، فقد عشت بنفسي أجلّ مبراته رحمه الله.

 

نشرت مجلة البلاغ الكويتية منذ نيف وعشر سنين خبرًا مؤداه أن المنطقة الشرقية من محافظة حمص السورية بأمس الحاجة في قرية أم الريش إلى مسجد جامع للأحياء والأموات في آن واحد (كذا: للأحياء والأموات) فالفلاحون في القرى الكثيرة المجاورة لا يؤدون جمعة ولا جماعة، وأولادهم في سن المراهقة لا يعرفون هيكل المسجد البتة. أما كثافة عشيرة بني خالد بصورة خاصة المنتشرة بآلافها المتعددة في المنطقة، فإنهم ينقلون ميتهم على البعير مسافة أربعين كيلومترًا، من كل جهة من الجهات الأربع إلى قرية تل القطا، ليغسله ويكفنه، ويصلي عليه إمام مسجدها صلاة الجنازة.

 

لم أكن قد اطلعت على هذا الخبر المؤسف، ولكنني فوجئت بفقيدنا أبي راشد يزورني في بيتي بعد صلاة الظهر مباشرة على غير عادة، والدموع تترقرق في عينيه، وفي يمناه المجلة، ففتحها وقال لي: «اقرأ هذه الصفحة»، وإذا بها زيادة على ما أسلفته أن السفارة الكويتية في دمشق أحزن رجالها ذلك الخبر المحزن، فأوفدت مبعوثها السيد عبد اللطيف الدويسان، فتفقد بنفسه المنطقة، وكتب تقريرًا مفصلًا رفعته السفارة الموقرة بدورها إلى وزارة الخارجية فوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الموقرتين، ويستحث المقال الكويتيين والمقيمين لإنقاذ أهل المنطقة إسلاميًا، على مذهب أهل السنة والجماعة إنقاذًا مشتركًا لأحيائها وأمواتها سواء بسواء. تألمت وبكيت لبكاء فقيدنا أبي راشد، وإذا به ينتفض قائلًا لي: «خذ، هذه مائتي دينار، خرجية لك، والمغرب سآتيك بتذكرة طائرة (كويت - دمشق - كويت) لتكلف مهندسًا يضع مخططًا للمسجد المطلوب، ويحسب لك تكاليفه، ولتوجد أيضًا مؤتمنًا تثق به، حتى أرسل إليه المصروف، ويتوكل على الله، ويبني المسجد، وأنت يا أبا ذر توكل على الله، وسافر غدًا فخير البر عاجله».

 

اعتذرت للفقيد -رحمه الله رحمة واسعة-؛ لأن رصيد إجازاتي قد استنفذته كله، وهونت عليه المهمة، وذهبنا معًا إلى السيد عبد الله العلي العبد الوهاب المطوع، فأطلعه فقيدنا على المجلة، ونقده ألفي دينار سلفة عاجلة لتأمين بناء المسجد على جناح السرعة، وفعلًا حول أبو بدر المبلغ لمقاول يثق به، واكتمل بناء المسجد وعلى بابه الخارجي لوحة ستظل شاهدة على إنقاذ أبي راشد لأحياء المنطقة وأمواتها (وبذلك فليتنافس المتنافسون). ولست أنسى ما حييت معروف الفقيد وأمثاله البررة، فعندما أصابتني جلطة قاتلة على منبر مسجد العثمان بالنقرة تنادوا لإنقاذ حياتي، بإرسالي للعلاج في لندن على نفقتهم الشخصية، وفي مقدمتهم فقيدنا المذكور غفر الله له، ولكن سمو الأمير الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح سبق بالمبادرة، فابتعثني وهو ولي العهد آنئذ، فعالجني في لندن على نفقته الشخصية. ولئن كانت خدماتي لديني في صحيفة سموه حفظه الله، فإنني سأظل أذكر ما حييت كلمة أبي راشد الفقيد: «حياتك يا أبا ذر قبل حياتي لأني إذا عشت أجمع بيزات، وأنت إذا عشت يا ملا تخدم الإسلام». تخونني ذاكرتي في شيخوختي القائمة، وفي مرضي الحالي في قلبي، بتعداد مآثر الفقيد، رفع الله في عليين درجته، وجعله في جملة من سيقول لهم، كما ورد في الحديث القدسي: «أحل عليكم رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبدًا».

 

أختم عزائي لنفسي بهذا الفقيد الغالي أن آخر عهدي به في المستشفى الأميري فقد عادني منه أقل من سنة في غرفة العناية المركزة، رغم ضعفه ومرضه وعرجه، فتحققت له تبشرة رسول الله -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-: «من عاد أخًا له في الله، بعث الله له ملكًا، يقف له على مدرجة الطريق يقول له: طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلًا» أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.

 

في مسك الختام وداعًا، وداعًا يا أبا راشد، ولكن إلى حين فلقاؤنا قريب -إن شاء الله في عليين-: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ (سورة النساء:69).

 

أقول هذا من باب حسن الظن بالله عز وجل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :