; خطر الغرور | مجلة المجتمع

العنوان خطر الغرور

الكاتب محمد محمود الصواف

تاريخ النشر الثلاثاء 07-أبريل-1987

مشاهدات 65

نشر في العدد 812

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 07-أبريل-1987

أيها الأخ المسلم، يا من صفا قلبك وزكت نفسك، وعف لسانك، ولان جانبك وطاب أصلك وفرعك وأسلمت وجهك لله ربك ورب كل شيء ومليكه، اعلم -هداني الله وإياك- أن شر متاع المرء الغرور، وشر الغرور ما يعمي ويصم وشر العمى عمى القلب، وأفحش الصمم، انسداد مسالك النفس عن سماع الحق، وإذا أبت النفوس أن تسمع للحق، ولم تستجب لما يحييها ضلت وغوت وهوت إلى الدرك السحيق، ووقعت في النوم العميق والذل اللصيق.

وكم قد طوح الغرور بنفوس ونفوس! فأراها الحق باطلًا وزين لها الباطل حتى جعله في عينها هو الحق بعينه، وألبس المنكر رداء المعروف، والمعروف كساء المنكر، حتى أصبحت ترى حسنًا ما ليس بالحسن.

1 - وقديمًا اغتر الشيطان بنفسه، ولم ينفذ أمر ربه ولم يسجد لما خلق الله بيديه وقال مفتخرًا: بعد أن سأله الله: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ - (الأعراف:12-13).

2- واغتر فرعون بملك مصر ونادى فرعون في قومه قال: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (الزخرف:51) وادعى بعدها الربوبية ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ(النازعات: 24) فأخذه الله نكال الآخرة والأولى أغرقه في الدنيا، وسيحرقه في الآخرة إن في ذلك لعبرة لمن يخشى.

 ۳- واغتر قارون بكنوزه التي تنوء بحمل مفاتيحها العصبة أولو القوة وقال إنما أوتيته على علم عندي، ونسي معطيه ورازقه، ولما أتى أمر الله أخذه الله فخسف به و بداره الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله، وما كان منتصرًا ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ۖ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (القصص: ۸۲)

وللمعاني الخطرة التي يوصل إليها الغرور والكبر حرمت الجنة على من في قلبه مثقال ذرة من كبر. روى مسلم والترمذي عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» فقال رجل إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا، قال: «إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر «۱» الحق وغمط الناس».

ولهذه المعاني الخطرة، نهى الإسلام أتباعه أن يفخر أحد على أحد أو أن يبغي أحد على أحد.

روی مسلم وأبو داود عن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد». 

وحدثنا الصادق الأعظم صلوات الله وسلامه عليه أن الله عز وجل خسف برجل لأنه كان يجر إزاره عجبًا وتيهًا، وخيلاء وكبرًا.

روى البخاري والنسائي عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجل ممن كان قبلكم، يجر إزاره من الخيلاء، فخسف به فهو يتجلجل «۲» في الأرض إلى يوم القيامة».

مع هذا كله فإننا نرى من الناس من لا يبصر الناس، وإذا فتح عينه لا يكاد يرى أحدًا، غير نفسه، وكأن الموت ليس بناظره أو ناضره.

وعجبت حقًا لمن يسير الموت معه مسيرة ظله، كيف يغتر، وبم يغتر؟ وهو عما قريب سيصبح جيفة نتنة، يفر منها أقرب المقربين إلى صاحبها!

ولقد سخر القرآن العظيم أبلغ السخرية من أولئك المستكبرين المتعالين على الناس، فنهاهم ونبههم إلى صغر عقولهم فقال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (لقمان:18)

وقال تعالى في (الإسراء:37) ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا

من عادة المستكبر المغرور أن يدوس الأرض إذا مشى بقوة، كأنه يريد أن يهزها ويفتتها أو أن يخرقها بكعب قدمه، ويتبختر في مشيته، رافعًا صدره وأنفه إلى فوق كأنه يريد ملامسة السحاب برأسه، أو أن يعلو عليه بأرنبة أنفه، فيتحدى الله تبارك وتعالى مثل هذا الصنف من الناس، مخاطبًا لهم بأنه مهما اشتد مداسك فوق الأرض فلن تخرقها ومهما علوت وشمخ انفك فلن يصل إلى الجبال طولًا.

اعرف نفسك أيها الإنسان المغرور فأنت من أنت في الطول والعرض، متر بنصف المتر طولًا وشبر بنصف شبر عرضًا. فلا تجاوز حدك، وتتعد قدرك، ورحم الله امرءًا عرف نفسه ولم يتعد طوره.

واعلم بأن لكل أحد من الناس نصيبه من عزة النفس وكرامتها لا فرق بين صغير وكبير، ولا بين غني وفقير، فمن احترم الناس احترموه، ومن أهانهم احتقروه وأهانوه، وحذار من غضب العزيز الجبار، فالكبر رداؤه عز وجل فلا يحل لك أن تنزعه وتلبس ما ليس لك وأنت الصغير الحقير والضعيف الفقير. وأنت أيها الأخ مبشر لا منفر ومتودد لا متجبر، ومتحبب إلى الناس لا متبغض ولا مكثر.

موطأ الأكناف، تألف وتؤلف، بل أنت مدرسة الأخلاق السيارة، ومثل الإسلام الصحيح القائم بين الناس بالحق والقسطاس المستقيم، فتودد إليهم، وعاشرهم بالمعروف واحترم صغيرهم وكبيرهم، يكرمك كبيرهم ويكبر على مودتك صغيرهم وتواضع لله يرفعك الله، وكن عظيم التحمل، صابرًا والله يثيبك وينصرك ويشد أزرك، وخير ما أختتم به حديثي إليك كلمات روى أن صلحاء إحدى الأمم كانوا يجتمعون فيقرؤونها ويتدارسونها، ويتفقهون بها، عاملين بمقتضاها، متأدبين بآدابها، قالوا: «لا كنز أنفع من العلم، ولا مال أربح من الحلم، ولا حسب أوضع من الغضب، ولا قرين أزين من العلم، ولا رفيق أشين من الجهل، ولا شرف أعز من التقوى ولا عمل أفضل من الفكر، ولا حسنة أعلى من الصبر، ولا سيئة أخزى من الكبر، ولا دواء أنصح من الصدق، ولا فقر أذل من الطمع ولا غنى أشقى من الجمع ولا حياة أطيب من الصحة، ولا معيشة أهنأ من العفة، ولا عبادة أحسن من الخشوع ولا زهد خير من القنوع ولا حارس أحفظ من الصمت، ولا غائب أقرب من الموت» جنبني الله وإياك مواطن الزلل، ووفقنا جميعًا لخير العمل، والله حسبي، وحسبك هو مولانا نعم المولى ونعم النصير والحمد لله رب العالمين.

«1» بطر الحق دفعه وغمط الناس احتقارهم.

«۲» يتجلجل أي يغوص وينزل.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل