; الذكاء البشري كيف ينمو بالغذاء والنوم ؟ | مجلة المجتمع

العنوان الذكاء البشري كيف ينمو بالغذاء والنوم ؟

الكاتب وجدي عبدالفتاح سواحل

تاريخ النشر الجمعة 05-نوفمبر-2004

مشاهدات 41

نشر في العدد 1626

نشر في الصفحة 56

الجمعة 05-نوفمبر-2004

 

استهلاك كميات قليلة من الطعام يحافظ على ذكاء الإنسان ويزيده تركيزًا واستيعابًا وصدق رسول الله «صوموا تصحوا»

النظريات العلمية الحديثة تؤكد أن قسطًا كافيًا من النوم ينمي القدرة على الإبداع ويطور القدرات

تناول دهون الحيوانات والطيور يسبب أمراضًا عدة من بينها السرطان لاختزانها مواد سامة

د. وجدي عبد الفتاح سواحل

إذا كان العلم قد أثبت خلال القرن الماضي أن البيئة هي المحرك الأساسي لجينات الذكاء، فإن التطورات العلمية خلال القرن الجاري تطل علينا بأسئلة ومعضلات علمية أخرى تتمحور حول مدى إمكانية تنشيط الذكاء والقدرات الذهنية من خلال الغذاء والنوم، فماذا قالت الدراسات العلمية في هذا الشأن؟ 

الغذاء والقدرات الذهنية

كشفت الدراسات العلمية الحديثة أن القدرات الذهنية للبشر تضعف بفعل نقص الفيتامينات الضرورية في أنظمة الغذاء، وأن إضافة فيتامينات رئيسة إلى أغذية الأفراد هو الحل الوحيد لتعويض هذا النقص مثل إضافة فيتامين الزنك لسوائل الصويا وتحصين زيوت القلي بالفيتامين أ.. فقد أظهرت الأبحاث أن نقص الحديد يقلل من مستوى ذكاء الأطفال بمعدل من 5 إلى 7 نقاط، فيما يسبب النقص في مادة اليود تراجع الذكاء بمعدل 13 نقطة، كما كشف البحث عن أن النساء الحوامل اللواتي لا يتناولن حمض الفوليك يلدن أطفالاً مشوهين، ويعرض النقص في فيتامين 25 A إلى 30% من الأطفال للموت نتيجة الأمراض وضعف نظام المناعة.

وقد أظهرت دراسة شملت نحو 80 دولة نامية تمثل 80٪ من عدد سكان العالم، أن النقص في مادة اليود أدى إلى انخفاض القدرات الذهنية عند معظم الشعوب بنسبة تراوحت بين 10 إلى 15% وتسبب ذلك أيضًا في ولادة 18 مليون طفل سنويًّا معاقين ذهنيًّا، أما نقص الحديد بين البالغين وهو واسع الانتشار، فيخفض القدرة على الإنتاج، مما ينعكس على الناتج الإجمالي المحلي للشعوب، حيث تصل النسبة إلى 2% في الدول الأكثر تضررًا من هذا النقص. أما النقص في تناول حمض الفوليك الضروري لتكوين الأنسجة خاصة لدى الحوامل فيسبب ولادة قرابة 200 ألف طفل مشوه سنويًّا في الدول الـ 80، وأظهرت الدراسة أيضًا أن 40٪ من شعوب الدول النامية يعانون نقصًا في الحديد، فيما نحو 15٪ يفتقرون لمادة اليود، كما أن 40٪ تقريبًا لا يتناولون فيتامين A بشكل كاف.

كما أشارت إلى أن الحلول البسيطة التي حققت نتائج إيجابية في الدول الصناعية مثل إضافة فيتامينات رئيسة ومعادن إلى الدقيق أو الألبان أو توزيع مواد غذائية تكميلية على الأطفال أو النساء الحوامل غير باهظة التكلفة، ومتاحة بشكل واسع بحيث يمكن تنفيذها على مستوى العالم.

الحديد وتنشيط الذكاء

كشفت الأبحاث العلمية الحديثة عن أن هناك علاقة بين انخفاض مستوى الهيموجلوبين وتدني قدرة الفرد على التفكير أو مستوى الذكاء، حيث إن الحديد يعتبر أحد أهم مكونات الهيموجلوبين، بل هو مسؤول بصورة رئيسة عن مستوى الذكاء خصوصًا بالنسبة للفتيات اللواتي تمتص أجسادهن نسبة أقل من الحديد عن الرجال، كما يفقدن المزيد منه عن طريق دم الطمث.

والهيموجلوبين بروتين موجود في كريات الدم الحمراء التي تلعب دورًا حيويًّا في نقل الأوكسجين إلى أنسجة الجسم المختلفة، وبدون توافر كميات كافية من الحديد في الغذاء لا يمكن للجسم أن يولد العدد الكافي من كريات الدم الحمراء، مما يؤدي إلى الإصابة بمرض فقر الدم الأنيميا والذي من أعراضه الشعور بالتعب السريع والإرهاق وسرعة الغضب وشحوب الوجه وفقدان الشهية بالإضافة إلى عدم القدرة على التركيز.

ويؤكد الأطباء أن الأشخاص الذين يعانون من نقص الحديد يجب عليهم أن يتناولوا المزيد من الخضر الورقية واللحوم الطرية والحبوب مثل الفاصوليا والبازلاء والعدس والفواكه الجافة، وتحتوي هذه المواد على مصدر جيد لفيتامين سي، وإذا ما تم تناولها في كل وجبة غذاء فإنها تعزز امتصاص الحديد في الجسم.

كما حذرت دراسة أخرى من تناول دهون الحيوانات والطيور لأنها تسبب أمراضًا عدة من بينها السرطان، وذلك لأن الحيوانات والطيور تقوم باختزان الدهون للمواد شديدة السمية التي تلتقطها من الجو، وفي مقدمتها مادة الديوكسين المسببة للسرطان، حيث إن هذه المادة هي المسؤولة عن نقص درجة الذكاء خاصة عند الأطفال وهي تنتشر عن طريق صرف النفايات وإلقاء مخلفات الصناعات البتروكيمائية التي يدخل في تركيباتها الكلور.

وجدير بالذكر أن الدراسات الحديثة أثبتت أن رفع مستوى الحديد عند مرضى القلب وضغط الدم والذين يتعاطون أدوية تسبب لهم الإصابة بالسعال الجاف يخفف بصورة كبيرة من آلام السعال الجاف، حيث يقاوم الحديد بصورة كبيرة من إنتاج ما يعرف باسم أكسيد النتريك، الذي له علاقة بالتهاب الخلايا الشعبية في الرئة.

الطعام القليل يزيد الذكاء

وتوصلت الأبحاث العلمية إلى أن القدرة على الأغذية المنخفضة أو محدودة السعرات هي الطريقة الوحيدة التي تحافظ على صحة البشر وتحميهم من الأمراض العصبية والدماغية مثل الزهايمر والباركنسون، كما أن استهلاك كميات قليلة من الطعام يحافظ على ذكاء الإنسان ويزيده تركيزًا واستيعابًا، وقد توصل العلماء إلى هذه الحقيقة بعد أن اكتشفوا أنه بإمكان الأشخاص، وخصوصًا كبار السن المحافظة على ذكائهم وقوتهم الذهنية لوقت أطول إذا ما اختصروا الكميات التي يتناولونها من الطعام، وصدق رسول الله ﷺ حين قال: «صوموا تصحوا» فقد وجد العلماء في اختباراتهم على الفئران أن الحيوانات التي تناولت أغذية تنخفض فيها السعرات بنسبة 40٪ ينتجون مستويات مضاعفة من البروتين المسؤول عن حماية الخلايا الدماغية والأعصاب التي تمتاز عن بقية خلايا الجسم الأخرى في قدرتها المحدودة على التجدد، ويعرف هذا البروتين باسم «سايتوكروم سي» ويمثل جزءًا من عملية التنظيف الطبيعية التي تخلص الجسم من الخلايا التالفة والمصابة.

وأشارت دراسات أجريت حديثًا على الديدان والفئران والقردة إلى أن قلة الطعام تحسن من صحتها، حيث تبين أن تخفيض معدل تناول الطعام بنسبة 30٪ أدى إلى زيادة حيويتها بالنسبة نفسها، ويسعى العلماء الآن إلى معرفة ما إذا كان تحديد كمية الطعام التي أثبتت فاعلية كبيرة في الحيوانات لها التأثير نفسه على تناول الإنسان، وصدق رسول الله ﷺ حين قال: «نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا تشبع».

ويشير العلماء إلى أن السبب وراء ذلك أن الجسم ينتج مزيدًا من المواد السامة نتيجة معالجة مزيد من السعرات والدهون مقارنة بالكميات الأقل من السعرات والدهون، هذه المواد التي نطلق عليها اسم المؤكسدات تسرع بطريقة ما من معدل ظهور علامات الشيخوخة.

كما تشير إحدى النظريات العلمية إلى أن ذلك جزء من آلية البقاء الطبيعية للأجناس، فعندما يشعر الكائن الحي بأن القليل من الطعام متوافر، فإنه يبطئ في وظائفه للحفاظ على الطاقة؛ لذا تصبح عملية الأيض بطيئة مقللة بذلك من إنتاج الفضلات السامة، ويترجم معدل أخفض للنشاط على شكل إطالة في العمر، ففي الديدان البسيطة التكوين أدى خفض السعرات إلى تغييرات هائلة، حيث أصبحت هذه الكائنات البسيطة أكثر مناعة للحرارة والمواد الكيماوية التي يمكن بخلاف ذلك أن تقتلها لو أعطيت غذاء عاديًا، أما في الحيوانات الأعلى درجة فكانت هناك ردات فعل متباينة، في حالة القرود التي حددت السعرات المقدمة لها والمدعمة بكميات إضافية من الفيتامينات والمغذيات، فإنها عاشت حياة أطول وبصحة أفضل من نظرائها الذين تناولوا أطعمة كاملة.

تأثير النوم على الإبداع والقدرات

ربطت الدراسات العلمية منذ وقت طويل بين النوم وقدرته على شحذ الذاكرة وتقوية وترتيب الأفكار، بيد أنها واجهت صعوبة في تصميم تجربة تؤكد هذه النظرية الشائعة، ولكن لأول مرة تثبت دراسة علمية حديثة النظرية العامة الشائعة التي تربط مباشرة بين أخذ قسط كاف من النوم وقدرة البشر على الإبداع وتطوير القدرات.

فقد دعمت نتائج الدراسة التي قام بها علماء جامعة لوبيك الألمانية نظريات الكيمياء الحيوية التي تشير إلى أن المخ يعيد ترتيب الذاكرة قبيل التخزين، وبالرغم من أن التفاعلات الدقيقة التي تؤدي لشحذ المخ بتلك القدرات أثناء النوم ما زالت غير واضحة، فقد أشارت الدراسة إلى أن الذاكرة تبدأ في منطقة عميقة من المخ تعرف به «هیپوکامپوس» hippocampus وتدفع إلى تقويتها في منطقة تسمى به «نیوکورتیکس»neocortex  وتبدأ التغييرات في المخ التي تؤدي إلى الإبداع وتطوير القدرات في الحدوث أثناء ما يسمى به الموجات البطيئة  «slow waves» أو النوم العميق أي أثناء الساعات الأربع الأولى من دورة مواد النوم.

وقد تفسر دراسة ألمانية أيضًا فقدان الذاكرة مع التقدم في العمر الذي يرتبط باضطرابات وقلة النوم خاصة العميق منه والضروري لعملية الذاكرة.

وجدير بالذكر أن اضطرابات النوم تؤثر بصورة سلبية على شريحة واسعة من المجتمع الأمريكي تبلغ 70 مليون نسمة، وذلك بتراجع حدة الذكاء وارتكاب الحوادث والإصابة بأنواع مختلفة من الأمراض.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل