العنوان بعد إجازة الدستور.. جدل سياسي بين الشعب حول مستقبل الحياة السياسية في السودان
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أغسطس-1998
مشاهدات 82
نشر في العدد 1312
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 11-أغسطس-1998
الشعب السوداني شعب مسيس من رأسه إلى أخمص قدميه، وهذه الخصوصية التي يتميز بها السودانيون صغارًا وكبارًا، رجالًا ونساءً، شيبًا وشيابًا، متعلمين وأميين، هذه الخصوصية هي في الحقيقة إحدى أهم وأكبر مشاكل السودان، إذ من النادر المستحيل أن تجد من هو عازف عن السياسة وكأنه بحر كل قرد فيه مسبحًا.
الجدل الدائر الآن في جميع التجمعات والصحف جدل واسع عن مستقبل الأحزاب السياسية بعد إجازة الدستور وإلغاء المرسوم الدستوري الثاني، الذي كان يحظر نشاط الأحزاب القائمة قبل 30 من يونيو عام 1989م عند اندلاع ثورة الإنقاذ الوطني.
المادة 26 من الدستور تتحدث عن «حرية تنظيم التوالي السياسي» وقد أثارت هذه المادة لغطًا ما زال مستمرًا إلى اليوم، ولا يتوقع أن يهدأ النقاش حولها قريبًا، وقد تضاربت التصريحات وتباينت التوضيحات، وكل ينحاز للتفسير الذي يعجبه والتأويل الذي يروق له، إذ إن كلمة «التوالي» تعبير جديد، ولغة غير مألوفة في الأدب السياسي لا في السودان ولا في الوطن العربي، مع أن واضعي التعبير أرادوا أسلمة وتأصيل التعبيرات السياسية لتعني كلمة التوالي الموالاة والمناصرة.
تتحدث المادة 26 والمادة 27 عن القوانين التي يجب أن تضبط تكوين وإنشاء التنظيمات السياسية، وتضع الضوابط المالية والإدارية والسياسية حتى تكون مصادر تمويل معروفة وتختار قيادتها عن طريق الشورى والانتخابات، وعقد مؤتمرات لترسيخ الممارسة الديمقراطية.
تلك هي الرؤية لمستقبل الأحزاب والتعددية في السودان عند البعض، وإلا فإن عادت التعددية بنفس الصورة والملامح والشبه في العهود الماضية، فإن الأمر لا يعدو أن يكون دورانًا في حلقة مفرغة.
هذا عن الأحزاب ولكن الموجود الآن فعليًا في الساحة هو تنظيم المؤتمر الوطني الذي دار حول ماهيته جدل طويل أيضًا عن الطريقة السودانية الشغوفة بالجدل السياسي.
أراد القائمون عليه بقيادة د. حسن الترابي الأمين العام للمؤتمر أن يكون نظامًا سياسيًا لا تنظيمًا ولا حزبًا، وإنما نظامًا سياسيًا لا تنظيمًا ولا حزبًا، وإنما نظامًا ووعاءً لكل السودانيين بمختلف اتجاهاتهم ومشاربهم، مسلمون وغير مسلمين، ما داموا قد اتفقوا على الثوابت المنصوصة عليها في الدستور.
ولكن هذه الأمنية لم تتحقق، فالأحزاب التقليدية والقوى الإسلامية الأخرى ما زالت عازمة عن الانخراط في النظام ومصرة على إنشاء كياناتها الخاصة بها ورافضة المشاركة.
وقد عاد الحديث عن ضرورة قيام حزب إسلامي جديد متخطيًا المؤتمر الوطني الذي يضم معظم الإسلاميين أعضاء الجبهة الإسلامية.
وذات يوم قريب فوجئ المراقبون ببيان سياسي صادر عن حركة تُسمي نفسها «حركة تصحيح المسار الإسلامي» «حتم»، وبدون توقيع من أحد، يتحدث البيان عن وجوب تصحيح مسار الحركة الإسلامية، وترى أن انحرافًا قد حدث ربما يتسع ولكن البيان المجهول الهوية لم يجد تجاوبًا، وإن أحدث بعض البلبلة.
لكن بعض القياديين الإسلاميين يرون أن هناك مبررًا للدعوة الجديدة بقيام حزب إسلامي جديد في التعددية القادمة، إذ إن المؤتمر الوطني فيه قصور شديد وتفتقر إلى مؤسسية واضحة وأعضاؤها سواء في القمة أو القاعدة يحتاجون إلى تفعيل حتى لا يكون المؤتمر مثل الأحزاب الطائفية والشيوعية مرتبطة بالأشخاص وهو مفهوم ضد معاني وقيم الإسلام.
ويرى البعض الآخر من الإسلاميين أن حركة الإسلام الآن في السودان أصبحت دولة، والدولة مسؤولة عن كل الناس لا الإسلاميين فقط، لذلك كان الأصوب التفكير في صيغة للتجميع على ثوابت متفق عليها مع الإبقاء على مساحات واسعة للاختلاف كسنة ثابتة في الحياة سنها الله سبحانه وتعالى.
ويبقى السؤال: ماذا تحمل الأيام والليالي الحبالى، هل تحمل تعددية منضبطة يجد فيها الإسلاميون الرافضون للمؤتمر كيانًا خاصًا بهم، أم أن قوانين التوالي لن تسمح إلا بالوجود المميز لهم داخل المؤتمر يمارسون نشاطهم ويحققون طموحاتهم دون وصاية من أحد؟!