العنوان العرب… والقضية القبرصية
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أغسطس-1999
مشاهدات 65
نشر في العدد 1361
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 03-أغسطس-1999
على المستوى الرسمي تبدو العلاقات التركية - العربية متوترة في أكثر من اتجاه ولأكثر من سبب، ولكن على المستوى الشعبي فإن هناك جهدًا لتمتين روابط الأخوة والتعاون بين الشعبين العربي والتركي. وقد تشكلت لهذا الغرض لجنة التضامن العربية القبرصية التركية والتي رتبت مؤخرًا ندوة ومعرضًا تحت عنوان «العرب والقضية القبرصية» بالتعاون مع إدارة الشؤون الثقافية ببلدية أسطنبول وتحت رعاية رؤوف دنكطاش رئيس قبرص التركية وذلك بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين للتدخل العسكري التركي في شمال قبرص، وكانت هذه اللجنة قد انبثقت عن مؤتمر «لفكه» الذي عقد في ديسمبر الماضي بشمال قبرص.
وقد قدمت في الندوة ثلاث ورقات لكل من أورخان محمد علي، ومحمد عادل، وفاتح الراوي وتعرض هنا للورقة الثالثة:
نحو فهم عربي إيجابي لقضية قبرص
القضية القبرصية قضية إسلامية تضاف إلى قضايا الأمة المأزومة والنظر إليها والتعامل معها يأتي في سياق التعامل العام مع مثلها من القضايا وفق أبجديات ثلاث:
١- التراكمات التاريخية للقضية.
٢- الدول الأساسية في ملعب أحداث القضية.
٣- المصالح السياسية والاستراتيجية للدول ذات العلاقة.
ولئن عانت الذهنية العربية الكثير من التعامل مع قضايا الأمة الحساسة الساخنة بسبب ضخامة التحدي الذي يعيشه العرب والسطوة الخارجية للقوى المتمكنة وعمق المشكلات على كافة الأصعدة التي تكبل العرب فإن المشكلة القبرصية واحدة من هذه القضايا الغائبة أو المغيبة.
ولئن كان للمواقف الرسمية العربية آليات تحكمها وموازنات تضبطها فإن الحسن الشعبي مطالب بأن يكون رديفًا لاستيعاب كل هذه القضايا والتعايش معها بما يستطيع من إمكانات ليشكل عمقًا إستراتيجيًّا يدعم قضايا الأمة العادلة.
ولابد هنا وعند الحديث عن فهم عربي إيجابي لقضية قبرص من معرفة العناصر التي تساهم في صياغة هذا الفهم العربي، وكيف يمكن له أن يكون إيجابيًّا في تبني قضايا الأمة التركية بما فيها قضية قبرص الشمالية التركية.
وهذا مرتبط بفهم تركي إيجابي القضايا الأمة العربية ومعرفة العناصر التي تساهم في صياغة هذا الفهم وكيف يمكن له أن يكون إيجابيًّا في تبنّي قضايا الأمة العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
إن الأمتين العربية والتركية تتعرضان لتحديات كبيرة داخلية وخارجية ولابد من إيجاد مداخل للتعامل مع هذه التحديات بما يعكس أصالة التراث المشترك وعمقه بين العرب والأتراك وبما يساهم في توثيق العرى والوشائج بينهما في جميع المجالات، وإبراز خصوصية العلاقات التركية – العربية، وعناصر القوة ومكامن الضعف أو جوانب الإيجاب والسلب فيها، وتحليل العوامل التي أثرت عليها خلال مراحل التاريخ المختلفة التي مرت بها هذه العلاقات. والتي عاقت أحيانًا وصولها إلى المستوى المطلوب من القوة والترابط.
وتبدو الحاجة ماسة في الوقت الحالي لدى الطرفين لوضع أطر جديدة لعلاقاتهم، وخاصة أن المشكلات التي تعاني منها تركيا والبلاد العربية تتشابه، وتتماثل في ملامحها وسماتها إلى حد كبير، ويدور أغلبها حول قضايا الأمن والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والارتقاء بمستوى المعيشة وتحقيق التكيف والتلاؤم الحضاري مع متطلبات العصر وإذا كانت مجالات التفاعل بين الطرفين تمتد إلى الميادين الاقتصادية والسياسية والتجارية فإن الرابطة القوية التي تخدم تلك الميادين وترسخها هي الرابطة الثقافية الأصيلة بين الطرفين إذ يجمع بينهما تراث إسلامي عريق انعكست آثاره على نسق القيم الاجتماعية والعادات والتقاليد.
وإن كان لابد للعودة للتاريخ فهي عودة لتعزيز فهم الحاضر والنظر للمستقبل الذي يؤكد يومًا بعد يوم الصلات الوثيقة والمهمة بين الأمتين العربية والتركية.
وهنا يظهر دور التاريخ الذي يترجم هذه العلاقة، وفرق بين قراءة التاريخ (من كلا الطرفين العربي والتركي) بشكل قاصر ومبتور وجزئي ليصور العلاقة على أنها تنافسية خصامية، وبين القراءة الشاملة الضاربة في جذور التاريخ منذ أقام الترك سدًّا منيعًا أمام سقوط الأمة بين أيدي الصليبيين أربعة قرون.
البيان الختامي
تضمن البيان الختامي للندوة التأكيد على ما يلي:
١- لا يمكن حل قضية قبرص بتدخل الدول الخارجية وإملاء الشروط من الخارج، بل بقيام الدولتين القبرصيتين الشمالية والجنوبية بالتفاوض المباشر وعلى قدم المساواة من أجل إرساء حل عادل ودائم للقضية.
٢- إن جمهورية قبرص الشمالية التركية هي الممثل الشرعي للشعب التركي الموجود في شمالي الجزيرة ولا يمكن لدولة قبرص الجنوبية تمثيل هذا الشعب.
٣- دعوة الشعوب العربية والإسلامية إلى مساعدة جمهورية قبرص الشمالية التركية والاعتراف بها.
٤- الدعوة إلى تقوية العلاقات الثقافية والاقتصادية والعلمية بين شعب جمهورية قبرص الشمالية التركية، وبين الشعوب العربية التي ترتبط معه بروابط تاريخية ومعنوية، ودعوة رجال الصحافة والإعلام ورجال العلم والأدب والثقافة الزيارة قبرص الشمالية والاطلاع على القضية القبرصية بوجهها الصحيح والحقيقي.
فهم الدور التركي في الدفاع عن الوطن العربي
ولدت الدولة العثمانية عام (٦٨٧هـ / ١٢٨٨م)، وهو تاريخ حاسم الدلالة، لقد جاء بعد نصر عين جالوت (٦٥٨هـ / ١٢٦٠م)، وفي خلال معارك تصفية الوجود الصليبي والتتري في البلاد العربية حيث تحرر آخر جيب من جيوب الصليبيين (٦٩٠هـ -١٢٩١م) وكان بمثابة نصر جديد للإسلام.
وقد دام حكمها ستة قرون وربع القرن وامتدت رقعة حكمها من فيينا عاصمة النمسا وأوروبا الشرقية والشرق العربي إلى حدود المغرب، وظهر ملوك يفخر بهم الإسلام أمثال محمد الفاتح الذي فتح القسطنطينية، وبايزيد الذي غزا المجر والنمسا حتى وصلت جيوشه إلى فيينا.
وكان دخول العرب في الدولة العثمانية في النصف الأول من القرن السادس عشر (١٥١٧م) بمثابة انتقال للسلطة في الوطن الإسلامي – وخاصة في آسيا العربية وشمال إفريقيا – إلى أكبر قوة عسكرية من أبناء الإسلام، تصد خطر الإفناء الصليبي الذي صاحب نهضة الإفرنج واكتشاف رأس الرجاء الصالح، وبداية ما يسمى عصر الكشف، وهو عصر النهب الاستعماري.
إن انضمام العرب إلى الدولة العثمانية (دولة الخلافة الإسلامية) آخر سقوط البلاد العربية في قبضة الاستعمار أربعة قرون، فقد تلقت عن الإسلام والمسلمين ضربات دول أوروبا مجتمعة من بريطانيا إلى روسيا، ومن النمسا إلى البرتغال هذه الدول التي استخدمت كل أساليب التآمر، والفتن، وشراء الذمم والغزو المسلح الصريح، ولم يكن هذا الانضمام استعمارًا كما يدعي بعض تلاميذ الاستشراق.
وكان ظهور العثمانيين قد تزامن مع ظهور وانتصار القوى الصليبية في غرب العالم الإسلامي حيث سقطت الأندلس وكادت تتبعها بقية دول المغرب ولكنه في الوقت نفسه الذي سقطت فيه حواضر المسلمين في الأندلس فتحت القسطنطينية، وفي الوقت الذي اندفع فيه صليبيو إسبانيا نحو العالم الإسلامي من الغرب لدفع الفاتحون العثمانيون نحو أوروبا من الشرق وهكذا اندفعت دماء جديدة في الشرايين الإسلامية، وبفضلها بقي الشمال الإفريقي عربيًّا مسلمًا حتى الآن.
الأتراك والقضية الفلسطينية
ظلت فلسطين جزءًا مهمًا من أجزاء الإمبراطورية العثمانية تهتم به وتعتني نظرًا لأهميتها الدينية والإستراتيجية وكانت تعاملها كما تعامل الأماكن المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، ولقد ظلت هذه العناية مستمرة وتوجت بالخط الحديدي الحجازي الذي يصل إسطنبول بالديار المقدسة مرورًا بسورية، والأردن وفلسطين، ولعل موقف العزة الذي وقفه السلطان عبد الحميد عندما رفض طلب هرتزل في حل أزمة المديونية لدولة السلطنة العثمانية ورفض الليرات الذهبية على أن يبيع شبرًا من فلسطين لأحد، وجاء البيان الناطق بلسان الحكومة عام ١٨٩٩م مؤكدًا: (ليس في نية حكومتنا بيع أي قسم من المدن العربية وأننا لن نتراجع عن عزمنا هذا وإن ملئوا جيوبنا بملايين من القطع الذهبية).
وقد حدثت متغيرات كان لها أثر كبير في قصم الروابط بين العرب والأتراك وانتهت بالخروج العربي عن الدولة العثمانية وأهم هذه المتغيرات:
١- الحركات الانفصالية المحلية: خلال القرن الثامن عشر نتيجة لضعف الدولة وتوالِي الهزائم في الحروب مع الدول الأوروبية.
٢- الاستعمار الأوروبي: الذي لعب دورًا كبيرًا في خروج كثير من الولايات العربية عن الدولة العثمانية لتقع تحت السيطرة الاستعمارية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
٣- الصراع بين القوميتين العربية والتركية: فقد اتخذت السياسة البريطانية في المنطقة أسلوبًا ماكرًا في تمزيق الإمبراطورية العثمانية من خلال ثورات وانتفاضات ساهم في صناعتها عوامل موضوعية ومؤثرات خارجية.
٤- حركات الإصلاح داخل الدولة العثمانية: كانت حركة الإصلاح في الدولة العثمانية بداية تدهور في العلاقات العربية التركية فعلى الرغم من أن هذه الحركة كان لها جوانبها الإيجابية إلا أنها أثرت سلبيًّا على الولايات العربية حيث لعبت المؤثرات الغربية دورًا معاكسًا، ووجهت الفكر العربي إلى طريق يتناقض مع تلك السياسة الإصلاحية التي بدأت تنتهجها الدولة.
وقد انهمكت تركيا (الجمهورية) خلال فترة ما بين الحربين العالميتين في التحديث على الطريقة الغربية فأهملت بذلك تقوية أواصر الترابط مع جيرانها العرب نظرًا لوقوعهم تحت السيطرة الأوروبية الاستعمارية، كما أن موقعها بين الشرق الشيوعي، والغرب الرأسمالي ضيق نطاق حركتها إزاء العالم الإسلامي فضلًا عن تراث الأزمة العربية – التركية قبل الحرب العالمية الأولى وأثناءها وبذلك فقدت العلاقات العربية – التركية عاملًا مهمًّا من عوامل فاعليتها.
وبعد الحرب العالمية الثانية زادت الاتجاهات اختلافًا بين العرب والترك واختلفت الرؤية العربية عن الرؤية التركية في عدد من القضايا.
وعلى الرغم من كل ما حدث يبقى أن هناك عوامل يمكن بها تفعيل مواقف مشتركة بين الجانبين نوجزها فيما يلي:
- تغيير صورة العرب لدى الرأي العام التركي، وتغيير صورة الأتراك لدى الرأي العام العربي، ويعتبر الإعلام والكتاب المدرسي أهم أدوات هذا التغيير.
- تنشيط التعاون الإعلامي لخدمة القضايا المشتركة.
- تنشيط التعاون الأكاديمي لنشر الدراسات والبحوث التي توضح صورة التلاحم بين الأمتين وتزيل غبش وتراكم العداوة والفهم الخاطئ للآخر.
- تعميق الحس الشعبي للجماهير للتعاون في القضايا المشتركة والمصيرية.
- إقامة وتشجيع المؤسسات التي تساهم في التبادل العلمي والثقافي تشجيع الجانب الاجتماعي والشبابي والسياحي والرياضي بين القطاعات الشعبية.
- تنشيط وتفعيل دور جمعيات الصداقة وتبادل الزيارات وتوطيد العلاقات.
- تطوير برامج التبادل العلمي والطلابي والبعثات بين الجانبين.
لا أقل .. من دولة
بمناسبة الذكرى السنوية الخامسة والعشرين للتدخل العسكري التركي في قبرص والذي أنقذ المسلمين الأتراك هناك من مذابح اليونان عقد مجلس الأمة التركي جلسة استثنائية صدر عنها – بالإجماع – بيان تضمن عددًا من المبادئ:
١- يجب قبول وجود دولتين مستقلتين في جزيرة قبرص، أما الادعاء بأن اليونانيين في القسم الجنوبي يمثلون الحكومة الشرعية الوحيدة للجزيرة فلا يمكن قبوله.
٢- إن قبول دولة قبرص الجنوبية في الاتحاد الأوروبي يؤدي إلى إغلاق الأبواب بوجه التوصل إلى حل القضية قبرص.
كما يسد الطريق أمام الحل الفيدرالي الحقيقي للجزيرة التي توجد فيها منطقتان مستقلتان ودولتان وشعبان مستقلان.
٣- إن دعوة مجموعة الدول الثماني للطرفين التركي واليوناني للاجتماع دون شروط مسبقة هي في حقيقتها دعوة مشروطة تفرض إجراء المفاوضات في إطار الحل الفيدرالي.
٤- إن رئيس جمهورية شمال قبرص التركية لن يجلس إلى طاولة المفاوضات مع اليونانيين إلا تحت شروط متكافئة وعلى قدم المساواة أي بشرط قبول وجود كيانين سياسيين متساويين في الجزيرة.
٥- يجب المحافظة على التوازن بين الشطرين التركي واليوناني في الجزيرة والذي أقرته الاتفاقيات الدولية عند تأسيس جمهورية قبرص.