العنوان الحكم العطائية
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر السبت 14-مايو-2011
مشاهدات 73
نشر في العدد 1952
نشر في الصفحة 54
السبت 14-مايو-2011
عشتُ مع حكم ابن عطاء الله السكندري (المتوفى ٧٠٩هـ - ۱۳۰۹ م ) عمرا طويلا، فقد اقتنيت أول نسخة من شرحها للعارف بالله الشيخ زروق عام ۱۹۷۲م، وقرأتها و درستها مرارا وتكرارا في غياهب السجون، بل أصبحت بعد القرآن الكريم والسنة النبوية أكثر ما أقرؤه وأدرسه مع إخواني، خاصة في الحبسة الطويلة (5) سنوات من ١٩٩٥ إلى ٢٠٠٠م).
عشت مع حكم ابن عطاء الله السكندري وقرأتها ودرستها مراراً في غياهب السجون
أجهل الناس من ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس
المؤمن إذا مدح استحيا من الله أن يثنى عليه بوصف لا يشهده من نفسه
وأتذكر هنا أن أخاً كريماً أثناء تعارف طويل كان يمتد لأيام في عنبر (۲) بمزرعة طرة»، الذي ورثته بعدنا «وزارة د. أحمد نظيف وأمانة الحزب الوطني السابق في حجرة (٦) قال في حقي: «إنني أطمئن إلى أخي لسببين: القرآن الكريم الذي يحمله في صدره، وتعلقه بالحكم العطائية.
وكنت ولا أزال أجد في حكم ابن عطاء الله منهجا تربويا بديعا، لذلك فهي ليست مجرد سجع لفظي، أو فلسفة أخلاقية، بل لا يجد أثرها في نفسه إلا من عاشها واقعا في حياته سلوكا وأخلاقا.
يقول ابن عطاء الله:
- الناس يمدحونك لما يظنون فيك... أنت ذاماً لنفسك لما تعلمه منها .
- المؤمن إذا مدح استحيا من الله أن يُثنى عليه بوصف لا يشهده من نفسه.
- أجهل الناس من ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس.
(من الحكم العطائية ١٤٢ - ١٤٤)
والمسألة على وجهين:
1- إما أن يمدحك الناس لشيء تجده في نفسك، فهذا تنبيه على مقام الشكر فعليك أن تتوجه إلى الله شكرا وحمداً، ولا يغرك المدح بما تفعل إن لم تقصد التعرض للمدح ففي الحديث قيل يا رسول الله الرجل يعمل العمل خفية ثم يتحدث الناس به فيفرح. فقال : «له الأجر مرتين أجر العمل، وأجر وإذا كان الثاء زائدا على ما ظهر فيك، فاطلب منه سبحانه القوة على فعل المزيد .
٢- وأما إذا مدحك الناس بما ليس فيك فاعلم أنك أمام أحد موقفين
الأول: أن تدرك أن ذلك من هواتف الحق، ليدفعك إلى الزيادة، كما فعل الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان عندما سمع أن قوما يمدحونه بقيام الليل كله - وكان لا يقوم إلا نصفه - فجعل يقوم الليل كله. الثاني: أن تفرح بمدح الناس لك بما ليس فيك، وهنا فاعلم أنك قد مكنت الشيطان من نفسك.
طريق السلف
الأوفق للعاقل والعارف أن يتمثل بقول السلف الصالح: «اللهم اجعلني خيرا مما يظنون ولا تؤاخذني بما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون».
لقد ذم الله قوماً بقوله: ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بَمَفَازَة مَنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (آل عمران) .
واعلم أن تحققك بأمر ما من الطاعات إنما هو سابقة التوفيق من الله لك، ومن تمام نعمته عليك أن خلق فيك ونسب إليك، كما كان يقول إمامنا الشهيد حسن البنا: «نستر القدرة، ونأخذ الأجرة».
فإذا أطلق الثناء عليك من الناس بوصف لا تشهده من نفسك فعليك بالحياء منه سبحانه فقم إلى العمل واجتهد في الطاعة دفعاً للتقصير فإنما الحياء هو شهود التقصير و المؤمن إذا مدح استحيا من الله أن يُثْنَى عليه بوصف لا يشهده من نفسه. أما إذا كنت جاهلا جهولا تفرح بثناء الناس عليك بما ليس فيك لظنهم الذي لم يبن على علم حقيقي، إذ أنت أعلم بنفسك، فقد نبهك الشيخ بقوله: «أجهل الناس من ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس. اليقين الذي عندك هو علمك بخفاياك ومساويك، وظن ما عند الناس هو ما يرون من ظاهرك من الكمالات وأنوار الطاعات ولا يرون ما يصاحبها من حظوظ النفس والعلل الخفية.
روي عن بعض الحكماء عندما مدحه بعض العوام فبكى، فسأل تلميذه: أتبكي وقد مدحك ؟ فقال له: إنه لم يمدحني حتى وافق بعض خلقي خلقه، فلذلك بكيت.
تزكية الأشرار
أما تزكية الأشرار لك فقد يكون ناتجاً من لك، وهذا من الأخطار الكبيرة، فلعلهم حبهم رأوا فيك شيئاً أعجبهم، ولن يعجبهم في الغالب إلا ما يوافقهم ولا خير فيما يعجبهم ويسوءك . فعليك بتزيين الباطن بالجمال ليتحلى ظاهرك بالجلال ولا تعمد إلى تزيين الظواهر على حساب خراب البواطن.
هدف هذه النصائح التربوية أن تنظر إلى نفسك بحكم الحقيقة لتراها مذمومة ضرورة وهذا الذم للنفس على وجوه ثلاثة
1- أن تنظر إلى ما جبلت عليه من النقص والإساءة، فلا تراها أهلا لما يمدحها به الناس فأنت أدرى بنقائصها ، وأن ذلك من فضل الله ومنته عليك.
٢- أن تنظر إلى الأعمال التي يمدحك الناس بها، فترى ما فيها من عجب أو رياء أو تزيين، فترى التقصير، ولا ترى المدح.
3- أن تثبت لنفسك ما تجهله من سيئات أخرى لأعمال خفية، فقد يفتش في العمل الممدوح به فلا يتذكر فيه تقصيراً، ولكن لكل إنسان خبيئة من عمله وهو أدرى بها، قال تعالى: ﴿بَل الإنسَانَ عَلَى نَفْسِه بَصِيرَة﴾ (القيامة).
ربا الإيمان
وعليك أن تدرك أيضاً أن المدح ليس مذموما في ذاته، ولا يحمد من حيث ذاته، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «المؤمن إذا مدح ربا الإيمان في قلبه».
فالمؤمن الحقيقي هو الذي لا يشهد من نفسه صفة محمودة يستحق بها المدح والثاء بل يشهد ذلك من ربه تعالى، فيربو الإيمان بالله في قلبه لما يرى من إحسان الله إليه فلا يفرح إلا بفضل الله تعالى: ﴿قل بفضل الله وَبِرَحْمَته فَبذلك فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ كَمَا يَجْمَعُونَ﴾ (يونس)
الحكمة من ذلك كله أن تدرك أن الله خلق الإنسان، وجعل جُل نقائصه وعيوبه خفية، لا يراها إلا هو، ولا تطلع عليها إلا ذاته، لأنه لو اطلع الخلق على خفاياهم وعيوبهم بين الناس عرى المودة وتقطعت ما بينهم سبل التعارف والتعاون ولدبت الكراهية بينهم والاشمئزاز وأتم الله نعمته على العباد بأن نمى ما يتمتع به الناس من مزايا وفضائل مهما كانت قليلة، ونشر لها بين الناس عبقاً ، وجعل لها في أبصارهم بريقا، وفي أسماعهم رنينا وحديثا يتداولونه بينهم.
ألفة واحترام
والحكمة واضحة أن تشيع بين الناس عوامل الود والألفة والاحترام المتبادل ليقودهم ذلك إلى التلاقي، فالتعارف، فالتعاون لبناء المجتمع».. كما يقول الشيخ محمد سعيد البوطي. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله حيي ستير يحب الحياء والستر». لذلك، إذا تورطت في معصيته، فأكرمك الله بالستر، فأبق ستر الله عليك، ولا تفضح نفسك، وإن كانت المعصية تستوجب الحد الشرعي، وما قصة ماعز» منك ببعيد، فقد أعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثنى وثلاث ورباع.
إذا الضمانة التي تعصمك من الافتتان بثناء الناس عليك، يقينك بأنهم لا يعلمون من واقع أمرك إلا الظاهر الذي يتبدى لهم، ويقينك بالعيوب والنقائص الكثيرة التي ابتلاك الله بها، وأخفاها إلا عنك. وحصيلة القول كما يقول البوطي: «إن ثناء الناس عليك ليس إلا تذكرة بستر الله لك. قد تسأل: لماذا الإلحاح على خطأ الناس في المدح، وليس خطأهم في الانتقاد؟ الجواب: ما قاله عمر بن الخطاب الله : «رحم امرا أهدى إلى عمر عيوبه».. وليكن جوابك أيضا لمن مدحك أو ذمك وانتقدك: «عرفت شيئاً وغابت عنك أشياء».