العنوان فن الأناشيد الإسلامية: رحلة داعية مع النشيد الإسلامي
الكاتب أحمد رمضان
تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-1989
مشاهدات 68
نشر في العدد 910
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 28-مارس-1989
- وسائل الإعلام الرسمية ما زالت غير مهتمة بفن الإنشاد الإسلامي رغم انتشاره في أوساط الشباب
- النشيد الدعوي الإسلامي يعود بجذوره إلى زمن الصحابة
ينجذب الشباب المسلم إلى فن الإنشاد الإسلامي الذي يفعل فعله الطيب في النفوس.. ولفن الإنشاء الإسلامي -اليوم- طرق عديدة، ورغم تعددها إلا أن منهجها واحد هو خدمة الدعوة وبث الحماس في نفوس الشباب المسلم من خلال الإنشاد.. وأبو راتب واحد من أصحاب فرق الإنشاد الإسلامي الملتزم، التقت به المجتمع وحاورته.
- المجتمع: ما هي ميزات وسمات هذا الفن الإسلامي الرفيع؟
أبو راتب: تبنى الأنشودة الإسلامية باجتماع الكلمة والصوت والنغمة والدرجة الموسيقية والإيقاع، مثلها في ذلك مثل الأغنية العادية، إلا أن هناك سمات يتحلى بها النشيد الإسلامي تجعله متميزًا عن غيره من الأناشيد والأغاني، وهذه السمات يمكن إيجازها بما يلي:
- الاعتماد على القدرة الصوتية وطراوتها وعذوبتها والخبرة الفنية في إخراج الصوت حسب علم النغم وأصوله من دون مشاركة أية آلة موسيقية ما عدا الدف للإيقاع.
- البناء الموسيقي العلمي الذي يتميز بتسلسل منطقي للنغم وتنظيم مدروس لبناء اللحن الخالي من الفواصل الموسيقية حتى يكون النشيد متسلسلًا ومتماسكًا ومستساغًا من قبل الأذن، ومقبولًا من دون عناء.
- الرجولة في معظم جوانب النشيد مثل: الكلمات والأداء، والابتعاد عن كل جوانب الميوعة واللهو والعبث؛ لأن النشيد الذي يترنم به الشباب إنما هو المعبر عن نفوسهم وثقافتهم وتربيتهم، ونحن نريد نفوسًا ربانية، وثقافة إسلامية، وتربية رجولية قائمة على حب التضحية، والإخاء، والوئام، والمحبة.
- ملاءمته للواقع ومسايرته للأحداث التي تلم بالعالم الإسلامي والحركة الإسلامية، يحكي آلامها، وينشد آمالها، وبالتالي فإنه ينطلق من أعماق النفوس ويدخل إليها في نفس الوقت.
- الشرعية، وهي أهم ما يتميز به النشيد الإسلامي؛ أي يجب عليه أن لا يقع في محظور شرعي، سواء من ناحية الكلمات أو الأداء أو الوسائل والأساليب، حتى يكون خالصًا لوجه الله الكريم، يؤجر المرء عليه ولا يأثم به.
هذا أهم ما يجب أن يتحلى ويتميز به النشيد الإسلامي، وكما قيل: «الإنشاد إرشاد»، ولله الحمد نجد أن هذا النشيد وبهذه المواصفات بدأ ينتشر في معظم الدول العربية والإسلامية، وخاصة في صفوف الشباب الواعي المثقف الذي أدرك ذاته وقيمة حياته وآماله في النشيد الإسلامي، بعد أن أثبت الغناء عبثه في العقول والقلوب.
والأمر الجيد أننا نرى مدرسة جديدة في النشيد في كل دولة؛ فمثلًا نجد النمط الإنشادي في مصر يختلف عن مثيله في سورية، ويختلف بالتالي عن مثيلاته في الأردن وفلسطين واليمن، والكويت، وباكستان، وأفغانستان.. وهذا شيء رائع؛ لأن هناك تنوعًا واختلافًا في الأسلوب والأداء، وبالتالي ينبع من ذلك التجديد والإبداع.
- المجتمع: ماذا عن موقع النشيد الإسلامي كفن بين باقي الفنون الموسيقية والغنائية؟
أبو راتب: إنني أعتبر أن النشيد الإسلامي هو الأصل في مجتمعنا، وأما غيره فهو الفرع، فمنذ العصر النبوي كان النشيد هو الأساس، وكان حسان بن ثابت شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم يصدح للمؤمنين بشعره منشدًا، يلهب القلوب حبًّا، وأخوة، وولاء لله، ولرسوله.. إلا أن الانحراف الذي أصاب المجتمع الإسلامي بعد عصر الخلافة الراشدة جاء بأناس ممن شغلتهم الدنيا عن الآخرة؛ فبدلوا وحرفوا واستعملوا المعازف وأدخلوا في الغناء الكلام الماجن والأداء الرخيص واستغلوه استغلالًا قبيحًا، فباتت مجالس الخمر والميسر لا تقام إلا والغناء الماجن يصم الآذان بعد أن كان الإنشاد الرجولي أهزوجة النصر وحداء المعركة.
ولما بدأت الصحوة الإسلامية تنتشر بين أبناء مجتمعنا الإسلامي الطيب في شتى بقاع العالم الإسلامي أخذت الأمور ترجع إلى أصولها، وبدأ النشيد الإسلامي يأخذ دوره في بناء المجتمع الإسلامي.
نعم، لقد أثبت النشيد الإسلامي وعلى مر الأيام أنه فن ذو جذور قديمة يملك مقومات الاستمرارية والتطور، ويدخل بسرعة إلى القلوب النظيفة العامرة بالإيمان؛ لأن فيه الكلمة الطيبة والتعبير الهادف الذي ينطلق من واقع الإنسان المسلم وضميره الحي الذي لا ينام، فمن يوم الهجرة عندما هتف المسلمون بصوت واحد:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع
جئت شرفت المدينة مرحبًا یا خير داع
ومرورًا بالمعارك والغزوات الإسلامية التي فتحت قريحة المنشدين وهم في غمار الجهاد ضد الأعداء حيث نرى أحدهم يشدو بحماس وشجاعة:
أقسمت يا نفس لتنزلن لتنزلن أو لتكرهن
قد أجلب الناس وشدوا الرنة ما لي أراك تكرهين الجنة؟!
ويصدح آخر بصوت ينبض بالإيمان:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
ووصولًا إلى ثورة الحجارة التي انطلقت في أرض الإسراء ترعب العدو وتنال من أسطورته، فأوحت للمنشدين بذلك سيلًا من الشعر واللحن، فانطلقت كلماتهم وحناجرهم تعلن النفير والثورة.
خذوا قلبًا تحجر كالحديد خذوه وارجموا كل اليهود
خذوا روحي تظللكم جميعًا فما عاشت ترفرف من بعيد
بني قومي اصبروا فالفجر آت فشمس النصر تشرق من جديد
كل هذه الأحداث الكثيرة في بلاد المسلمين قديمًا وحديثًا تعطي المنشدين مادة كبيرة وزاخرة لأن يبدعوا ألحانًا وأشعارًا بما يتلاءم وهذه الأحداث وما يعبر عنها أجمل تعبير.
- المجتمع: من الملاحظ أن المنشد أبا راتب يملك نمطًا خاصًّا في النشيد الإسلامي، متميزًا في الأسلوب والأداء واللحن وحتى في الكلمات أحيانًا، ما هو سر ذلك؟
أبو راتب: أعتقد أن سبب تميز نشيدي عن نشيد باقي الإخوة المنشدين ناتج عن عدة أمور رئيسية هي:
أولًا: إنني أبني ألحاني حسب الخبرة الموسيقية وقواعد النوتة وعلم النغم التي اكتسبتها من خلال دراستي في المعهد والتي غالبًا ما اعتمدت الأسلوب الغربي، وهذا غير موجود عند أغلب رواد النشيد الإسلامي الذين يبنون ألحانهم على أساس النغم الشرقي الذي تعلموه خلال احتكاكهم بأصحاب النغم الشرقي السماعي.
ثانيًا: إن الميزات التي يملكها صوتي من حيث الحدة واعتدال الطبقة وحنو الأداء جعلته متميزًا عن أصوات باقي المنشدين المعروفين.
ثالثًا: تأثري بالموسيقى العسكرية التي كنت أعزفها سابقًا عبر فرقة الكشافة جعلت إيقاع أناشيدي وجرسها الموسيقي متأثرًا إلى حد كبير بالبناء الموسيقي العسكري.
رابعًا: اختياري للكلمات بدقة وتعاوني مع بعض الشعراء الذين استطاعوا أن يكتبوا لي الأشعار الملاءمة لألحاني وأدائي وصوتي، منطلقين من ملاحظات معينة أبديها لهم حول طبيعة الكلمات والصور والأوزان، إضافة إلى المعنى العام الذي ينطلق من الواقع.
هذه الأمور امتزجت مع بعضها البعض لتضفي على نشيدي رونقًا خاصًّا أدى بالتالي لنشوء نمط متميز في النشيد الإسلامي.
- المجتمع: نسمع كثيرًا عن فرقتك وفرقة الهدى للنشيد الإسلامي، هل لنا أن نتعرف عليها وعلى أنشطتها؟
أبو راتب: تكونت فرقة الهدى للنشيد الإسلامي منذ ثماني سنوات بإشراف الشيخ محمد أبو النصر البيانوني رحمه الله، الذي وفر لها كل الإمكانيات لتقوم بدورها في نشر فن النشيد الإسلامي الملتزم والمعبر عن شخصية المسلم وأهدافه، وكان عدد أفرادها آنذاك ثمانية منشدين، ثم نمت هذه الفرقة وترعرعت حتى وصل عدد أفرادها الآن إلى ثلاثين منشدًا ما بين شاب وطفل.
ومهمة هذه الفرقة إصدار أشرطة النشيد الإسلامي وتوزيعها؛ حيث تم بفضل الله إصدار ثلاثة أشرطة من سلسلة نشيد الجهاد، والشريط الأول من سلسلة نشيد الهدى. ومن مهامها أيضًا الاشتراك في المسرحيات الإسلامية والمهرجانات؛ حيث اشتركت في مسرحية «قرية كان اسمها زيتونة» ومسرحية «ثورة السنابل» اللتين عرضتا على مسارح الأردن أكثر من مرة ولاقت نجاحًا متميزًا. كما شاركت في المهرجان الثاني للأنشودة الإسلامية بأناشيد متعددة لفتت أنظار كل من حضر هذا المهرجان.
ومن خلال هذه الفرقة استطعنا استقطاب عدد كبير من الأصوات الجميلة لشباب مؤمن ملتزم جاء ليشارك في نشر هذا الفن الإسلامي، وسيصدر لعدد كبير منهم أشرطة متفرقة بأصواتهم لرفد المكتبة الفنية الإسلامية بأناشيد جديدة من حيث الصوت واللحن والأداء والتسجيل والإخراج إن شاء الله تعالى.
- المجتمع: كيف تقوم بانتقاء الأشعار التي تؤديها؟ وهل هناك شعراء مفيدون تتعاون معهم؟
أبو راتب: الحمد لله أنني أتذوق الشعر وأعيش مع كل صورة وكل معنى فيه، لذلك أنتقي ما يناسب منه للنشيد وأترك ما لا يناسب؛ لأن الأنشودة تفقد جل حلاوتها ورونقها إذا كانت الكلمات أو الصور أو المعاني ليست جميلة؛ فالكلمة هي عمود الأنشودة الذي يبنى عليه كل الأشياء الأخرى. فالاهتمام باختيار الكلمة أمر دقيق وحساس، وهناك عدد كبير من شعراء الدعوة المبدعين والذين ينتجون القصائد الجميلة والصالحة للإنشاد، إلا أن شعر كل من الأستاذ يوسف العظم والأستاذ يحيى الحاج يحيى والأستاذ سليم عبد القادر يشدني أكثر من غيره.
- المجتمع: نلاحظ أنكم تؤدون ألوانًا عدة من النشيد «فمن الروحانيات إلى الجهاديات إلى المدح النبوي» فأي لون منها تجده أقرب إلى صوتك؟ وما هو الشكل الفني الذي تحب أن تتميز به؟
أبو راتب: على المنشد الجيد أن يتقن أداء كل الألوان من النشيد، وإني ألحظ هذا الأمر جيدًا في المهرجانات خاصة؛ إلا أنني أحب أن أتميز بالنشيد الجهادي والدعوي لأنه أقرب إلى نفسي وإلى صوتي.
- المجتمع: انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة فرق النشيد الإسلامي، فهل هناك تعاون فيها بينكم على صعيد التلحين والاشتراك في الحفلات والمهرجانات؟
أبو راتب: في الحقيقة إن انتشار الفرق الإنشادية الملتزمة أمر يسعد الإنسان المسلم ويسره لأنها تسهم في نشر هذا الفن الراقي وإيصاله للناس، إلا أن الذي يقلق البال هو الضعف الفني عند معظم الفرق، وبالتالي التأثير على مستوى النشيد الإسلامي بشكل عام، لذا أناشد كل المهتمين بهذا الفن من المسئولين أن يعملوا على دعم تلك الفرق والحرص على تطوريها وتدريبها لتصل إلى مستوى مرموق في أداء هذا الفن ليحل محل الأغنية الماجنة، وليحقق الأهداف الذي وجد من أجلها.
لهذا فإني أعمل مع عدد من الإخوة على تطوير هذا الفن وتوثيقه في أشرطة عبر سلاسل معينة «كسلسلة نشيد الجهاد، وسلسلة نشيد الهدى، وسلسلة رجال على الطريق»، كذلك إقامة المهرجانات الإسلامية حيث أقمنا في عام ١٩٨٦ المهرجان الأول للأنشودة الإسلامية، واشتركت فيه ما يقارب من خمس فرق نشيد، إضافة إلى خمسة منشدين معروفين، وفي عام ۱۹۸۸ أقمنا المهرجان الثاني للأنشودة الإسلامية واشتركت فيه سبع فرق نشيد، إضافة إلى خمسة منشدين أيضًا، وتميز هذا المهرجان بدخول عنصر الأطفال الذين عليه الجمال والشمولية، فكان موفقًا، واستمر عرضه أسبوعًا كاملًا، ونعد هذا العام لإقامة المهرجان الثالث ونطمح أن نوسع دائرة المنشدين المشتركين ليشمل من كل بلد إسلامي وعربي منشدًا، كذلك نطمح أن يشاركنا الداعية الفنان يوسف إسلام من بريطانيا.
- المجتمع: ماذا عن كاتب أبي راتب المفضل؟
أبو راتب: إنني كثيرًا ما أقرأ للأستاذ الكبير محمد قطب، وأهتم بكتب الدكتور أبو الفتح البيانوني، والأستاذ العظم، إلا أن مطالعاتي في الكتب الفلسفية حاليًا أكثر؛ وذلك بسبب تكريس اهتمامي في هذا المنحى بسبب دراستي الجامعية، وأركز الآن على كتب المفكر والفيلسوف العربي المسلم مالك بن نبي الذي سيكون فكره وفلسفته إن شاء الله موضع أطروحتي للماجستير.
- المجتمع: من خلال مشوارك الفني الإسلامي، ما هي العقبات التي تحد من انتشار فن النشيد الإسلامي؟ وما هي المشاكل التي يعاني منها الفنان والمنشد الإسلامي في هذا المجال؟
أبو راتب: إن أهم مشكلة تقف في وجه هذا الفن الإسلامي المبارك هي عدم مشاركة وسائل الإعلام الرسمية في إبرازه؛ رغم أنه يعتبر فنًّا تراثيًّا إلى جانب أنه فن معاصر ينطلق من صميم الواقع. كذلك عدم وجود هيئات رسمية تتبنى الفرق الإسلامية، الأمر الذي يجعلها ضعيفة الإمكانيات في التسجيل والتصوير والمسارح والوسائل والأدوات، كل ذلك يعتبر جزءًا من مشاكل كثيرة تواجه الفن والنشيد الإسلامي.
- المجتمع: هل هناك مشاريع مستقبلية يخطط لها أبو راتب؟
أبو راتب: لا بد للداعية المسلم أن يبقى في حركة مستمرة وعمل دؤوب في نشر هذه الدعوة وتبليغ هذا الدين، ولما كنت أعتبر أن النشيد هو جزء لا يتجزأ من عملي في الدعوة الإسلامية فلا بد من التخطيط لمشاريع وأعمال متعددة فيه، فكما قلت: نعد لإقامة مهرجان الأنشودة الإسلامية الثالث بالتعاون مع عدد كبير من الإخوة المنشدين، كما انتهيت مؤخرًا من إكمال تلحين أناشيد الشريط الرابع من سلسلة نشيد الجهاد، والشريط الثاني من سلسلة نشيد الهدى، ونستعد لتدريب الفرقة الإنشادية المصاحبة حتى يتم إصدارهما بعون الله.
- المجتمع: جزاكم الله خيرًا، وإلى الملتقى ثانية إن شاء المولى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل