العنوان مستقبل العلاقات بين حماس وعرفات
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يونيو-1994
مشاهدات 49
نشر في العدد 1102
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 07-يونيو-1994
- سلطة الحكم الذاتي تعتبر العمليات الجهادية ضد الاحتلال تصرفًا يهدد السلام.. وتتعهد بالعمل على وقفها.
مع دخول طلائع الشرطة وبدء السلطة الفلسطينية في تولي مهامها في مناطق الحكم الذاتي في أريحا وقطاع غزة، ستشهد العلاقات بين المعارضة الفلسطينية- وعلى رأسها حركة المقاومة الإسلامية «حماس»- وبين سلطة الحكم الذاتي بزعامة رئيسها ياسر عرفات مرحلة جديدة مغايرة بشكل كبير لجميع المراحل السابقة نتيجة اختلاف معطيات الواقع الجديد، وبات السؤال الملح المطروح في هذه المرحلة هو: كيف ستتعامل حركة حماس مع تحديات المرحلة القادمة «مرحلة الحكم الذاتي والسلطة الفلسطينية»؟ وفي الوقت نفسه كيف ستتعامل سلطة الحكم الذاتي- التي قطعت على نفسها تعهدات بحفظ الأمن الإسرائيلي- مع المعارضة الفلسطينية في حال إصرار هذه الأخيرة على مواصلة عملها العسكري ضد الأهداف الإسرائيلية في مناطق الحكم الذاتي أو انطلاقًا منها؟
المؤشرات التي صدرت عن كلا الطرفين «حماس وسلطة الحكم الذاتي» توحي حتى الآن برغبتها في تحاشي أن يصطدم أحدهما بالآخر، بل إن رموز سلطة الحكم الذاتي يحرصون على إظهار رغبتهم في التعاون مع جميع الأطراف، وعلى وجه التحديد حركة حماس، والهدف من ذلك بالطبع هو تغيير الصورة السلبية المختزنة في أذهان قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني حول طبيعة دور ومهام هذه السلطة، ولكن إلى أي مدى يمكن أن تستمر هذه الحالة من الهدوء وعدم المواجهة في ضوء الاستحقاقات المطلوبة من عرفات وسلطته الفلسطينية، والتي تصر السلطات الإسرائيلية على أن يلتزم بها عرفات بشكل كامل ودقيق وفق الاتفاقات المبرمة؟
وقد جاء التحدي الأول للسلطة والشرطة الفلسطينية في علاقتها مع حركة حماس مبكرًا وقبل أن تستقر في مواقعها، فعشية عيد الأضحى نفذت كتائب القسام التابعة لحركة حماس عملية عسكرية استهدفت معبر إيريز الفاصل بين قطاع غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، وأسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين، وعقب هذه العملية التي اعتبرها الإسرائيليون خرقًا للاتفاق المبرم مع الفلسطينيين، صعد المسؤولون الإسرائيليون حملتهم ضد عرفات والشرطة الفلسطينية التي اتهمومها بالفشل والعجز عن إدارة الأوضاع في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وهددوا بأن صلاحيات السلطة الفلسطينية لن تتوسع إلى مناطق جديدة في الضفة الغربية ما لم تتمكن هذه السلطة من فرض سيطرتها على المناطق التي تديرها حاليًا، وقد أدى هذا الضغط الإسرائيلي على السلطة الفلسطينية بسب تلك العملية إلى أن تعتبر تلك السلطة مثل هذه الأعمال تصرفات تهدد عملية السلام، وإلى أن تتعهد بالعمل على وقفها، والحيلولة دون وقوعها في المستقبل.
وبرز التحدي الثاني في العلاقة بين حماس والسلطة الفلسطينية مع طرح بعض قادة الشرطة الفلسطينية موضوع نزع السلاح من أيدي الفلسطينيين في مناطق الحكم الذاتي، على اعتبار أن دواعي حيازة هذا السلاح لم يعد لها ما يبررها نظرًا لإشراف الشرطة على الأمن، ولكن هذا الطرح ووجه بمعارضة ورفض شديدين من قبل جميع الفصائل الفلسطينية المعارضة، والتي أعلنت أنها لن تسلم سلاحها تحت أي ظرف، وأن هذا السلاح موجه لمقاومة الاحتلال، وليس ضد أي طرف فلسطيني، ومع أن الشرطة الفلسطينية تبدو مترددة حتى الآن من الإقدام على أية خطوة لنزع سلاح المنظمات الفلسطينية المعارضة لإدراكها حجم ردود الفعل التي يمكن أن تنجم عن مثل هذه الخطوة، إلا أن ذلك قد لا يستمر طويلًا تحت الضغوط الإسرائيلية.
أما التحدي الثالث الذي واجه العلاقة بين حماس وسلطة الحكم الذاتي فكان بسبب الخلاف على موضوع تصفية العملاء، ففي الوقت الذي كانت قيادة المنظمة تتفاوض مع الإسرائيليين على مستقبل العملاء المتعاونين مع سلطات الاحتلال، قامت كتائب القسام أواخر شهر أيار الماضي بتصفية عميلين فلسطينيين في قطاع غزة، وهو ما أثار غضب وحفيظة قادة الشرطة الفلسطينية التي اعتبرت هذا العمل تطاولًا على حق السلطة الفلسطينية، وطالبت حركة حماس بتسليمها الأشخاص الذين قتلوا العميلين، وقد أصدر اللواء نصر يوسف مدير عام الأمن العام في السلطة الفلسطينية بيانًا في 28/ 5 هاجم فيه من أسماهم «بعض العصابات داخل حركة حماس»، وحذر «بحزم لا يعرف للتردد طريقًا» وفق ما ورد في البيان من ممارسة «سلوك الطريق الإجرامي المتمثل في الخطف والتعذيب والقتل والاستمرار في ظاهرة الاستخدام الخاطئ للسلاح والتلثم».
وهدد البيان بملاحقة القتلة، وإلقاء القبض عليهم، وعلى كل من يتطاولون على النظام العام وسيادة القانون.
وقد أدى هذا البيان شديد اللهجة الذي صدر عن مسؤول الشرطة الفلسطينية وهو عضو في اللجنة المركزية لحركة فتح، إلى توتير العلاقات وتأزيمها بين قيادة الشرطة الفلسطينية وحركة حماس التي استنكرت بشدة ما ورد في البيان، واعتبرته تمهيدًا من قبل بعض رموز السلطة الجديدة لفتح مواجهات مع الحركة.
وإضافة إلى التحديات الثلاثة السابقة فقد شكلت قضية الإفراج عن المعتقلين وإعادة بعض المبعدين عن أرضهم مشكلة وتحديًا آخر في العلاقة بين سلطة الحكم الذاتي والمعارضة الفلسطينية، فالغالبية العظمى من المعتقلين المفرج عنهم والمبعدين الذين تم الاتفاق على عودتهم هم من حركة فتح، في حين تم استثناء الحركات المعارضة، وهو ما أضعف موقف قيادة المنظمة التي وجدت نفسها متهمة من قبل فصائل المعارضة وقطاع عريض من الشعب الفلسطيني بالانحياز إلى طرف معين في الشعب الفلسطيني، وهو ما يضعف مصداقيتها وزعمها بتمثيل جميع الشعب الفلسطيني، وقد شعرت قيادة المنظمة بحجم الحرج والإرباك الذي سببته خطوتها تلك، فلجأت إلى المطالبة بالإفراج عن معتقلين من فصائل المعارضة، ولكن هذه الخطوة لم تخفف من حجم الحرج والإرباك بل ربما ضاعفته بسبب اشتراط توقيع المعتقلين على تعهدهم بنبذ العنف، وتأييد الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي قبل الإفراج عن أي معتقل، وهو ما رفضته جميع فصائل المعارضة الفلسطينية.
هل ينجح عرفات في شق حماس؟
منذ فترة ليست قصيرة قامت بعض المصادر المقربة من ياسر عرفات بتسريب بعض الإشاعات عن نجاح عرفات في استقطاب بعض الرموز في حركة حماس، وأنه قد ينجح في شق صفوف الحركة واختراقها كما فعل مع كثير من التنظيمات الفلسطينية الأخرى، ولكن تلك الإشاعات لم تحظ بأي اهتمام بسبب عدم ظهور ما يؤكد صحتها على أرض الواقع الذي أثبت أن صفوف الحركة متماسكة، وأنها أبعد ما تكون عن التعرض لانقسامات على خلفيات فكرية أو سياسية.
ولكن تصريحات مساعد وزير الخارجية الأمريكي روبرت بيلترو بأن حركة حماس منقسمة على نفسها بشأن الموقف من السلطة الفلسطينية، وأن بعض رموزها ربما يشاركون في سلطة الحكم الذاتي، أعطت لهذه الإشاعات بعدًا جديدًا، ودفعت المراقبين للبحث عن حقيقة هذه التصريحات التي وردت على لسان مسؤول أمريكي ينبغي أن تكون أقواله مستندة إلى معلومات مؤكدة.
مصادر حماس أعلنت أن ياسر عرفات كلف عضو اللجنة المركزية لحركة فتح عباس زكي بالاتصال بها، ومحاورتها في شأن المشاركة في سلطة الحكم الذاتي، وأن حماس أبلغت موفد عرفات برفضها القاطع لهذا العرض الذي يتناقض مع موقفها المعلن والمعروف للجميع برفضها لجميع الاتفاقات وما ترتب عنها، وبعد أن تلقى عرفات رد حماس الذي كان يتوقعه سلفًا، لجأ ومن خلال بعض الرموز المحسوبة عليه في الداخل إلى محاولة استقطاب بعض رموز حركة حماس داخل الأراضي المحتلة أو حتى بعض الرموز المقربة أو المحسوبة على الحركة، وعرض عليهم المشاركة في السلطة الفلسطينية، ولكن عرفات فوجئ بالرفض القوي والقاطع من جميع تلك الشخصيات للعرض بالمشاركة في السلطة، ولعل ذلك يفسر تصريحات مساعد وزير الخارجية الأمريكي الذي تسرع في الاستناد إلى معلومات عرفات عن محاولاته لشق صفوف حماس واختراقها من خلال شخصيات الداخل.
وفي ضوء استعراض طبيعة العلاقات التي سادت العلاقة بين حماس وسلطة الحكم الذاتي حتى الآن، يمكن توقع بعض الخطوط العريضة لطبيعة العلاقة القادمة بين عرفات وحركة حماس وتلخيصها فيما يلي:
1- سيحرص عرفات خلال المرحلة الأولى من دخوله إلى منطقة الحكم الذاتي على تحاشي الصدام- ما أمكن- مع حركة حماس، لتجنب ردود فعل شعبية غاضبة ورافضة.
2- قد يسعى عرفات إلى القيام ببعض الخطوات التي تظهر حرصه على اللقاء والتقارب مع حركة حماس، وفي هذا المجال يمكن توقع بعض تلك الخطوات كالإفراج عن الشيخ أحمد ياسين وبعض معتقلي الحركة، وكذلك اللقاء مع بعض رموز الحركة في قطاع غزة، وترويج ذلك إعلاميًا.
3- فيما يتعلق بالعمليات العسكرية في مناطق الحكم الذاتي وكذلك تصفية العملاء، يتوقع أن يرضخ عرفات للضغوط الإسرائيلية في شأنها، وهو ما قد يوتر العلاقات بينه وبين حماس في أية لحظة، ولعل بيان رئيس الشرطة الفلسطينية حول تصفية العميلين، وكذلك المواقف والتصريحات المتشنجة التي صدرت عن رموز السلطة الفلسطينية عقب العمليات العسكرية في قطاع غزة، هي مؤشرات على أن تلك القضية تشكل خطًا أحمر بالنسبة للسلطات الإسرائيلية لن تتهاون بخصوصه.
4- وعلى صعيد الانتخابات العامة، فيبدو أن النية تتجه لدى عرفات لإجراء انتخابات تنفيذية- وليست تشريعية- لمجلس الحكم الذاتي لسد الطريق على حركة حماس وبقية الفصائل المعارضة التي أعلنت أنها ستشارك في حال إجراء انتخابات تشريعية.
وعلى كلٍ فإن أيامًا قليلة يتوقع أن تفصلنا عن دخول عرفات إلى منطقة الحكم الذاتي لتولي مسؤولياته في رئاسة السلطة العتيدة التي لن يحق لها أن تتحرك أو تتنفس إلا بموافقة سلطات الاحتلال الإسرائيلية، وستجيب الأيام القادمة على كثير من التساؤلات التي يبدو التكهن في شأنها الآن لدى البعض نوعًا من الرجم بالغيب.