; خواطر وأفكار خلف القضبان محطات في ملف رهائن الأقصى «١٩»- كيف وجدت السجناء العرب؟ (2 من 2)- طاقات صافية ومواهب مبدعة | مجلة المجتمع

العنوان خواطر وأفكار خلف القضبان محطات في ملف رهائن الأقصى «١٩»- كيف وجدت السجناء العرب؟ (2 من 2)- طاقات صافية ومواهب مبدعة

الكاتب الشيخ رائد صلاح

تاريخ النشر السبت 25-فبراير-2006

مشاهدات 60

نشر في العدد 1690

نشر في الصفحة 46

السبت 25-فبراير-2006

(*) رئيس الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني

عندما انتقلنا إلى سجن أشمورت وجدنا كل خير من السجناء العرب خاصة من جيران كانوا في غرفة ملاصقة لنا.. لقد حرصوا على رفع معنوياتنا

حاول بعض السجناء اليهود التطاول فردوا عليهم ويلكم ماذا تقولون؟ ألا تستحون؟

لا أذكر أن أحدًا قد أساء الأدب معنا طوال فترة مكوثنا في كافة السجون ولكن علينا أن نحسن كيف نخرج من حالة القطيعة القائمة إلى الآن بيننا وبين السجناء العرب

تعرفت إلى شباب من اللد والرملة وحورة ويافا.. وكانوا نعم السند لنا لدرجة أن بعضهم كان يقول لي دائمًا: بماذا تأمرنا؟ نريد أن نخدمك فأنت بمكان الوالد لنا؟

عشنا تجربة مؤلمة ونحن في معتقل الجلمة حيث طالبنا بإقامة صلاة الجمعة وصلاة العيد جماعة مع بقية السجناء فلم يسمحوا لنا، وسمحوا فقط بأن نؤدي هذه الصلوات جماعة وحدنا نحن الخمسة فماذا فعلنا؟ أوعزنا إلى بعض السجناء الجنائيين أن تقدموا وطالبوا بأداء صلاة الجمعة جماعة.

وتقدموا إلى إدارة المعتقل بهذا الطلب ووافقت الإدارة وكنا نزودهم بخطبة جمعة مكتوبة لكل صلاة، ومع الأسف بعد أن ازداد عدد المشاركين في تلك الصلاة ألغت إدارة المعتقل موافقتها وفرق شملهم.

بالإضافة إلى هذه التجربة التي عشناها في الجلمة فقد علمت من بعض السجناء أن إدارة السجن كانت تُحذرهم من أداء الصلاة إن كانت جماعة، ومن كان يخالف ذلك كانوا ينقلونه الى سجن آخر.

الخروج من القطيعة

من ضمن التجارب التي عشناها في معتقل الجلمة وأشمورت أننا كنا نشاهد رجال دين يهوداً يدخلون إلى المعتقل ويتجولون بين غرف السجناء اليهود ويرشدونهم ثم يقدمون لهم النشـ الدينية وبعض السكريات ولكن في المقابل لا يسمح بمثل هذا الدور الأئمة المساجد والدعاة الذين يحملون الشهادات الرسمية.

وأنا أعرف أن مؤسسة «يوسف الصديق» قد حاولت المطالبة بإدخال أئمة مساجد ودعاة من خريجي كليات الشريعة إلى السجون للصلاة بالسجناء في صلاة الجمعة أو صلاة العيد أو صلاة التراويح إلا أنها اصطدمت بمعوقات مفتعلة من قبل بعض العاملين في مصلحة السجون حالت دون تحقق هذا الأمر، لذلك يبقى السؤال لماذا؟! لماذا لا يقام مسجد في كل سجن كما أقاموا في المقابل كنيسًا في كل سجن ومعتقل؟! لماذا لا يسمح بإدخال أئمة مساجد ودعاة من خريجي كليات الشريعة للصلاة بالسجناء صلاة الجمعة والعيد والتراويح وعقد دروس دينية إيمانية لهم؟! لماذا لا يسمح بإدخال هدايا رمزية الى السجناء العرب بمناسبة حلول العيد كسفط ولو بحجم صغير من الحلويات الشرقية؟!

وهل سنحظى يوم بعقد تعاون متواصل بين السلطات المحلية العربية وبين المؤسسات الناشطة من أجل حقوق السجناء العرب الجنائيين والأمنيين بهدف مناصرة قضايا السجناء الإنسانية ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا؟! وهل سنحظى بجهد مبارك منبثق من هذا التعاون يهدف إلى تأهيل السجين خلال فترة مكوثه في السجن كي يشق طريق اندماجه بعد خروجه من السجن مع بيته وأسرته وأهله ومجتمعه؟! وهل سنحظى ببدايات نجاح للخروج من هذه القطيعة التي بيننا وبين السجناء العرب؟!

نعم السند

حقيقة لم نجد من السجناء العرب إلا كل خير في معتقل أبو كبير ثم معتقل الجلمة ثم أشمورت، ففي معتقل أبو كبير تعرفت إلى شباب من اللد والرملة وحورة ويافا وكانوا نعم السند لنا لدرجة أن بعضهم كان يقول لي دائمًا: بماذا تأمرنا؟! نريد أن نخدمك، فأنت بمكان الوالد لنا بل إن بعضهم كان يعرض عليَّ تقديم أية خدمات أطلبها، وكان يلح في الطلب ويؤكد لي أن في غرفته الكثير من المأكولات والمشروبات.

حدث أن ناداني أحد المعتقلين ذات يوم فنهره أحد هؤلاء الشباب وقال له: يجب أن تتأدب مع الشيخ عندما تناديه.

وقد حدث أن ناداني أحد هؤلاء الشباب ذات يوم وقال لي: لقد كنت مهموماً قبل أن أراك وكنت أسأل نفسي دائمًا ماذا سيكون مصيري؟! أما الآن فبعد أن رأيتك زال عني الهم وهمي الآن وجودك في السجن ومتى ستخرج!

وكان بعض هؤلاء الشباب يجتهد بين الفترة والأخرى أن يرسل لي بعض أصناف الخضر من البندورة والخيار والثوم والبصل والنعناع، وقد حدث أن حاول بعض السجناء اليهود أن يتطاول على ببعض الأسئلة والكلمات النابية فارتفعت أصوات هؤلاء الشباب وطلبوا منهم أن يلتزموا الصمت معي فورًا وألا يتكلموا كلمة واحدة وإلا.. لدرجة أن أحد هؤلاء الشباب صرخ في السجناء اليهود وقال لهم بلغة الفتوة الثائرة ويلكم ماذا تقولون؟! ألا تستحون؟! تدرون مع من تتكلمون؟ من أنتم حتى تسألوه هذه الأسئلة؟!

البكاء على حالنا

عندما تم نقلنا يوم الإثنين ٢٣ يوليو ۲۰۰۳م من معتقل أبو كبير إلى معتقل الجلمة، وعلم المعتقلون العرب بذلك أرسلوا لنا في نفس اليوم الذي وصلنا فيه المعلبات الغذائية المتنوعة والكثيرة وكذلك أرسلوا لنا الفواكه والخضر والصحون والكؤوس والملاعق ولم يمض على هذه الهدايا إلا وقت قصير حتى أرسلوا لنا في نفس اليوم الذي وصلنا فيه مذياعًا صغيرًا كي نواصل الاستماع إلى نشرات الأخبار وبعد أن وصلنا هذا المذياع إذا بمعتقل يهودي قد جاء من طرفهم في نفس اليوم وعرض علينا إيصال هاتف خلوي لنا فشكرناه وأكدنا له أننا لسنا بحاجة إلى هذا الجهاز إطلاقاً لأن طاقم محامينا يزورنا يوميًا وينقلون كل طلباتنا إلى الأهل.

ومما أفرحنا جدًا بعد أن استقر بنا الأمر في الجلمة أن سمعنا أن شابًا معتقلًا لما علم بقدومنا بدأ يصلي مباشرة وأطلق لحيته تبركاً بسنة رسول الله r، وتعرفنا إلى شاب من قرية «بسمة - طبعون» كان ينتظر منا أن نرفع الأذان من غرفة اعتقالنا فيقوم يصلي مباشرة حيث كان يعرف دخول الوقت لكل صلاة بواسطة أذاننا وتعرفنا إلى شاب من مدينة حيفا كان معتقلاً في غرفة مجاورة الغرفة اعتقالنا وكان يحرص على الاستماع إلى الدروس التي كنا نتحلق حولها بعد صلاة الفجر والعشاء، وكان بين الفترة والأخرى يرفع صوته شاكرًا لنا وداعيًا الله تعالى أن يفرج كربنا، ثم تعرفنا إلى معتقلين كثيرين من كافة قرى ومدن وسطنا العربي خصوصًا من المثلث والجليل وعكا وحيفا، وقد وجدنا منهم كل خير واحترام ومؤازرة لدرجة أن بعضهم لما رآنا خلف قضبان غرفتنا ما كان منه إلا أن أجهش بالبكاء بصوت مرتفع فلما سألناه عن سبب بكائه أكد لنا أنه لا يبكي على حاله بل يبكي على حالنا، ولدرجة أن بعضهم لما رآنا لأول مرة خلع ساعة يده وأراد أن يهدينا إياها فشكرناه وأعدنا له ساعته.

ولما انتقلنا بعد أشهر معدودات إلى سجن أشمورت وجدنا كل خير من السجناء العرب خاصة من جيراننا الذين كانوا في غرفة ملاصقة لنا، فقد حرصوا على رفع معنوياتنا، وحرصوا على إعداد وجبات الطعام المميزة وإرسالها لنا وحرصوا على الاستماع إلى الدروس والقصص المختارة، وحرصوا على مواصلتنا بالفواكه والخضر ولا أذكر أن أحداً قد أساء الأدب معنا طوال فترة مكوثنا في كافة السجون ولا شك أن الحديث يطول حول مشاهد تواصلنا الكثيرة مع السجناء العرب، لذلك أنا على قناعة بأن فيهم الخير الكثير، وفيهم الطاقات الصافية والمواهب المبدعة ولكن علينا أن نحسن كيف نخرج من حالة القطيعة القائمة إلى الآن بيننا وبين السجناء العرب.

يتبع.…

الرابط المختصر :