العنوان صفحات من دفتر المذكرات طريق الجزائر (100).. لقاء مع الرئيس زروال
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-نوفمبر-1996
مشاهدات 76
نشر في العدد 1225
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 12-نوفمبر-1996
بعد مقابلتنا للشيخين ولإخوانهم الثلاثة الذين أفرج عنهم، عدنا إلى العاصمة مساءً وأخبرني الدكتور »زبير» أن مهمتنا قد انتهت بعد أن فهمنا من الثلاثة أنهم على اتصال مباشر مع المسؤولين في السلطة، ولذلك فإنه حجز للعودة في صباح اليوم التالي «الأربعاء 7 \ 12 \ 1994 م»، وقد تألمت لذلك ورجوته أن يؤجل سفره إلى يوم الخميس لنسافر معًا، إنني توجست خيفة من بقائي وحدي، وتعرضي لكمين من جانب أعداء الجبهة أو أعداء المصالحة، إلا أنني لم أصرح له بأنني أخشى أن أتعرض بعد سفره لمضايقات أو أخطار لأنني وجدته مصرًا على السفر فأسلمت أمري لله.
بعد التاسعة مساء في ذلك اليوم جاءني د. »زبير» وأخبرني بأنه قد اتصل ببعض المسؤولين في السلطة ليودعهم، وأبلغهم بأنني سوف أسافر في اليوم التالي لسفره، فأبلغوه بأنهم سوف يحددون لي موعدًا لمقابلة رئيس الجمهورية السيد الأمين زروال، وأنهم سوف يتصلون بي صباح اليوم التالي «الأربعاء 7 \ 12» لتحديد الموعد، قلت له: إنني لم أطلب هذه المقابلة كما تعرف، فهل أنت الذي طلبت ذلك ؟ قال: لا !! ولما أحس بشكوكي ومخاوفي من البقاء وحدي قال لي: إنه سيعاود الاتصال بهم وإخبارهم بأنه مستعد لتأجيل سفره إذا كانوا يرون فائدة من حضوره معي في هذا اللقاء، وكنت أتمنى ذلك لشكي في أن بقاني وحدي سيكون فرصة للإيقاع بي بأي وسيلة وانتظرت رده لكنه لم يرد علي إلا في صباح اليوم التالي، حيث وجدته قد أعد حقائبه واستعد للسفر، فكان هذا مؤيدًا لمخاوفي من أن هناك كمينًا يدبر لي بعد سفره، فأسلمت أمري لله، وقررت أن أزور الشيخين في ذلك الصباح «الأربعاء 7 \ 12» بعد سفره لأودعهما على أمل أن أسافر يوم الخميس، ولكي أعرف رأيهما في ذلك.
موعد الرئيس
في يوم «الأربعاء 7 \ 12» بعد لقائي مع الشيخين عدت إلى الفندق فوجدت رسالة من أحد الضباط المسؤولين في رئاسة الجمهورية يخبرني بأن موعد مقابلتي للرئيس زروال سيكون يوم الخميس الساعة العاشرة صباحًا، وأنه سيرسل إلى سيارة في الساعة التاسعة صباحًا لنتوجه بها إلى الرئاسة.
في الموعد المحدد دخلت على مكتب رئيس الجمهورية الذي استقبلني ببشاشة فائقة لم تكن كافية -رغم ذلك كله- لتبديد مخاوفي من الكمين الذي أتوقعه.
لم يكن قد بقي معي نسخة من كتبي التي كانت معي حيث وزعتها جميعًا سوى صورة من مجموعة مقالاتي العشرين الأولى التي نشرت في مجلة «المجتمع»، فرأيت أن أقدمها له حتى يكون على بينة من اتجاهاتي وآرائي.
في أول اللقاء قلت له: إنني لا أرى داعيًا لتقديم نفسي له، ولذلك أعطيه نسخة من هذه المقالات التي نشرتها تبين ما قمت به من أجل قضية الجزائر منذ عام «1945» وأن الطريق الذي سرت فيه خمسين عامًا كاملة كما سيرى في هذه المقالات بدايته كانت العروبة والإسلام، وغايته هي العروبة والإسلام !!! وأنه لم يعد عندي في هذه السن أي فرصة لأن أسلك طريقًا آخر، فإذا كان هناك شيء يمكن أن أعمله من أجل عروبة الجزائر وإسلامها فسيكون من أجل هذه الغاية التي كافحت من أجلها طوال حياتي التي قاربت من نهايتها.
قال: إن العروبة والإسلام هي شيء مستقر في نفس جميع الجزائريين ولا يمكن تجاهلهما، ثم أضاف إننا نعرف جيدًا ما قمت به من أجل الجزائر، قلت: إذا كان الأمر هكذا فإنني على استعداد لأن أقوم بكل ما أستطيع في هذا الإطار، فماذا ترى يمكن أن أفعله ؟ قال: إنه يعتقد إنني استطيع أن أعاون في الحوار الدائر بينه وبين الشيخين، وبين أنه ألتقى بهما وهو وزير للدفاع قبل أن يكون رئيسًا للجمهورية، واتفق معهما على خطة للتفاهم وأنه قام فعلًا من جانبه بأمور كثيرة منها: نقلهما من السجن في «البليدة» إلى العاصمة في إقامة جبرية، وأنه يمكنهما استقبال كل من يريدون التشاور معهما، ومن الاتصال تليفونيًا بمن يريدون الاتصال به، وكذلك تم الإفراج عن ثلاثة من القادة المعتقلين بناء على طلبهما، ومع ذلك فإنهما حتى الآن لم يقوما بأي خطوة نحو التهدئة ووقف العنف، بل يعتقد أنهما يشجعان العناصر التي ترتكب أعمال العنف باسم الجبهة أو باسم الإسلام.
قلت له: أحب أن أقول لك بصراحة إن المشكلة في نظرهم هي مشكلة انعدام الثقة بين الطرفين، وأن الشيخ »عباس مدني» قال: إن السلطة لا تثق بنا بدليل أنهم يصرون على حرماننا من الحرية التي يتمتع بها جميع المواطنين والتي هي حق طبيعي وإنساني لنا، وخصوصًا أننا اعتقلنا قبل أن يبدأ أي شيء مما سمي عندهم بالعنف، وقال أيضًا: إننا لا نثق فيهم لأنهم يصرون على مطالبتنا ببيانات تدين أعمال المقاومة، والتي تجرى الآن باسم الجبهة أو باسم الإسلام، وهم يعلمون أننا لا نملك إصدار هذا البيان دون التشاور والتفاهم مع مجلس الشورى للجبهة، وإن إصرارهم عليه ليس الغرض منه وقف العنف، لأن وقف العنف لا يكفي فيه بيان، وإنما لا بد من إقناع من يسيرون في هذا الطريق بالعدول عنه، وهذا يستلزم أن نلتقي بهم ونتشاور معهم، وأن إصرار السلطة على إصدار هذا البيان ونحن لا نتمتع بالحرية يقصد به تشويه صورتنا أمام الجماهير والمسؤولين في الجبهة الذين سوف يفسرونه على أن خضوع منا لضغوط السلطة أو إغراءاتها أو مساومتها، وبالتالي فهم يريدون الإيقاع بيننا وبين إخواننا في الجبهة، ويعرضون الجبهة للانشقاق والاقتتال، ويدفعون عناصرها للشقاق، إنهم لا يريدون وقف العنف بل يريدون زيادته بإضافة عنف داخل الجبهة بين من يسمونهم متطرفين ومن يسمونهم معتدلين.
وقلت له: إنني شخصيًا أعتقد أن إصدار بيان بالدعوة إلى الهدنة أو وقف القتال من أشخاص تحت الإقامة الجبرية لن يقنع أحدًا بذلك، وأنه ليس من المصلحة الإصرار على ذلك لأن نتيجته الحتمية هو إظهارهم أمام أنصار الجبهة والجماعات الإسلامية بأنهم تخلوا عمن يقاومون من أجل تحريرهم ومن أجل استعادة الجبهة لشرعيتها وحقوقها التي حرمت منها بقرارات غير دستورية في نظرهم.
وقلت: إنهم يعلمون أنك لم تشارك في هذه القرارات، وذلك فهم مستعدون لأن يثقوا في نيتك، لكنهم يقولون بأنه يوجد في السلطة وفي الجيش عناصر ليست محل ثقتهم، وهي عناصر تراهن على الحل الأمني وتعمل لاستئصال الحركة الإسلامية وكل من يعمل لتأييدها، وأن هذه العناصر تعطل أي إجراء في سبيل التفاهم بينك وبين الجبهة، قال: هذا غير صحيح إنني رئيس الجمهورية وما أقوله يلزم الجميع ولا يستطيع أحد أن يخرج عن نطاقه.
قلت: إذا كان الأمر كذلك فإني أؤكد أن هناك قوى خارجية تسعى لإشعال الفتنة واستمرارها وإحباط كل محاولة للمصالحة في الداخل، وأحب أن أقول لك رأيي الشخصي وهو أن ما تسمونه من أعمال العنف التي تنسبها الدعاية الرسمية إلى الجبهة الإسلامية للإنقاذ أو إلى الجماعات الإسلامية نسبة كبيرة منها ليست من فعلهم وإنما يرتكبها طرف ثالث أو أطراف أخرى تعمل لحساب قوى أجنبية كل هدفها هو منع المصالحة الوطنية والإيقاع بين الإسلاميين والسلطة لأن هدفها هو تخريب الجزائر ومنعها من القيام بدورها الطليعي في تدعيم حركات التحرر الوطني، ولا يهمها مصلحة الحكومة ولا مصلحة الجبهة ولا مصلحة الجزائر، ومن ناحية أخرى فإن كثيرًا من الأعمال التي يشكو منها الإسلاميون ويتهمون السلطة أو أعوانها بارتكابها، فإنها في نظري ليست من أعمال الحكومة أو السلطة، بل هناك عناصر تعمل لحساب قوى أجنبية تنفذها بقصد استمرار الفتنة بين الحكومة والإسلاميين عمومًا والإساءة إلى الإسلام وتشويهه في نظر الجمهور والرأي العام وفي نظر العالم الخارجي، فضلًا عن الإساءة للجزائر واتجاهها لتأييد حركات التحرر في جميع أنحاء العالم.
قال: هل تستطيع أن تذكر أمثلة لذلك، قلت من أمثلة هذه الأعمال ما نسب إلى الإسلاميين من وضع قنابل في إحدى المقابر أدت إلى مقتل أطفال الجوالة، ومن أمثلته أيضًا: ما ينسب إلى الحكومة من قتل بعض العناصر القيادية في الحركة الإسلامية، وأنا أعتقد أن جهات أجنبية لها عملاء ينفذون ذلك وليست السلطة الجزائرية.
قال: ولكن فيما يتعلق بقنبلة المقابر فإن مرتكبيها قد اعترفوا بذلك، فقلت: إن اعترافهم لا يكفي للتدليل على أنهم لا يعملون لحساب قوى أجنبية، بل على العكس هو في نظري يؤيد هذا الفرض، لأن مثل تلك القوى الأجنبية حريصة على أن تنسب الأفعال التي يرتكبها عملاؤها إلى أحد الطرفين في الداخل لزيادة الخصومة بينهما ويلزمون عملاءهم بأن يعلنوا انتماءهم لجهة داخلية حتى لا تعرف الجهة الخارجية التي تحركهم، وقلت: إنني على يقين أن بعض القيادات في الجماعات المسلحة أو في السلطة ذاتها يسرها كثيرًا أن تنسب إليها أعمال لم تقم بها فعلًا، بل تسارع بادعاء نسبتها إليها دون التأكد من ذلك لكي تكسب لدى الرأي العام أهمية أكبر مما لها، ولأن ذلك في نظرها يزيد من إزعاج الطرف الآخر، ثم إن الإعلان الذي ينسب لأي جهة جزائرية بأنها مسؤولة عن حادث معين يكون عادة من مصادر غير معروفة ولا توجد طريقة للتأكد من صحتها، وهذا لا يكفي في نظري لكي أصدق هذا الإعلان، إن مثل هذه الإعلانات تصدر عادة من شخص مجهول بطريقة لا يمكن التحقق من تمثيله لتلك الجماعات أو الجهات الرسمية.
قال لي: إنه يوافق على أن هناك أيدٍ أجنبية يهمها زيادة العنف المنسوب إلى الجانبين، ولكن لا توجد وسيلة للتحقق من ذلك، قلت: إن الوسيلة الوحيدة في نظري هي اتفاق جدي حاسم بين الطرفين الوطنيين على وقف أعمال العنف، عند ذلك سيتضح أن عناصر من عملاء الجهات الأجنبية هي التي ستحاول مواصلته والاستمرار فيه، وسيكون ذلك مؤكدًا لا شك فيه.
قال: إن الشيخين لا يقدمان أي دليل على سيرهم في هذا الاتجاه، بل هناك ما يدل على تضامنهما مع من يرتكبون أعمال العنف، قلت: إن السلطة إذا كانت جادة في التصالح وتطلب من الشيخين أن ينفذا عملية وقف العنف فمن مصلحتها ألا يدخل هذان الزعيمان الآن في خصومة مع المسؤولين الذين يعتقد أنهم يقومون بهذه الأعمال في الوقت الحاضر لأن نجاحهما في السيطرة على هذه العناصر ليس سهلًا ولا يمكن لهما استكمال هذه السيطرة جديًا إلا إذا احتفظا بثقة هذه العناصر، وتوثيق علاقتهما بها، فلا أرى من مصلحة المسؤولين الاعتراض على ما يقومان به لتوثيق صلتهم بأصدقاء لهم في الخارج يمكنهم في الوقت المناسب مساعدتهم في السيطرة على القائمين بأعمال العنف، خصوصًا أنك تعلم أنها بدأت بعد اعتقالهم فلا يستطيعون أن يعرفوا من يقومون بها، قال لي: إنهم يجب أن يقدموا دليلًا على صدق نيتهم، وإلى الآن لم يقدموا هذا الدليل.
قلت إنه من الضروري أن أكون صادقًا معك، فهم أيضًا يريدون من الحكومة أن تقدم دليلًا مقنعًا على صدق اتجاهها للمصالحة، قال: إنني نفذت ما تعهدت به وأخرجتهم من سجن البليدة ويقيمون هنا في العاصمة ويتمتعون بحرية الاتصال بمن يشاءون.
قلت: إنهم يعتبرون أن الإقامة الجبرية هي سجن آخر، وأن الحكومة لو كانت صادقة في منحهم حرية الاتصال فإن ذلك يستلزم إنهاء هذه الإقامة الجبرية حتى يذهبوا إلى إخوانهم ويتشاوروا معهم ويقنعوهم بسلوك طريق آخر، إنهم يشعرون أن الإقامة الجبرية تحرمهم من حريتهم كمواطنين في هذا البلد، ويظنون أن كل ما يقولونه لمن يزورهم يسجل عليهم ويتخذ مادة للدعاية ضدهم وضد الجبهة.
إنني لاحظت أنهما يحذران كل من يقابلهما بأن كل ما يقوله أو يسمعه سيصل لأجهزة أمن الدولة وقد تستغله لتبرير سياستها في استمرار حل الجبهة وعدم الاعتراف بها، ثم إنهم يتساءلون: كيف تريد الحكومة منا أن نتكلم باسم الجبهة وندعو الشعب للثقة بالحكومة في حين أن هذه الحكومة لا تعترف بالجبهة وتصر على وصفها بأنها «محظورة».
قال: إن كل شيء له أوانه، ولا بد أولًا أن يثبتوا حسن نيتهم ألا تعلم أن أحدهما قال إنهما يريدان الخروج دون الالتزام بشيء، بل قال: إن التشاور قد يؤدي إلى رفض طلب الحكومة لوقف أعمال العنف التي تخرب البلد وتشعل الفتنة، هل يعجبك الوضع الآن في البلاد...؟
قلت: إنهم يقولون إنهم لا يستطيعون أن يتخذوا موقفًا باسم الجبهة دون اعتراف الحكومة بها ودون التشاور مع المسؤولين فيها، ولماذا تصر الحكومة على إلغاء وجودها...؟
قال: إنني لم أكن في السلطة عند صدور القرار الذي حظر نشاط الجبهة، وهدفي الآن هو إنهاء العنف، ولكي أتكلم في هذا لا بد أولًا أن أتأكد من حسن نيتهم، وأنا مصر على السير في طريق المصالحة الكاملة متى تأكدت من حسن نيتهم، قلت: إنني سأذهب لهما الآن وأحاول إقناعهما بذلك قبل سفري، فأرجو أن تأمر السيارة التي أحضرتني ألا تذهب بي إلى الفندق، وأن تحملني إلى مقر إقامتهما «الجبرية»، فأمر بذلك فورًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل