; البوسنة والهرسك: معركة تحرير «جبال كومار» | مجلة المجتمع

العنوان البوسنة والهرسك: معركة تحرير «جبال كومار»

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1992

مشاهدات 70

نشر في العدد 1019

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 06-أكتوبر-1992

 

معركة تحرير جبال كومار في البوسنة (تقرير)

لقاء في زمن الشتاء المبكر

يوم الأحد (6) من سبتمبر الحالي:

 

عندما سار بنا مرافقنا لمقابلة الشيخ أبو عبد العزيز نظرنا إلى جبال فلاشج فإذا هي مغطاة بالثلوج ونحن في أوائل الشهر التاسع. قال محدثنا إنه شتاءٌ قاس، وبالرغم من أن ما يسموه في البوسنة بـ"الذهب الأسود" وهو الفحم الحجري هو المصدر الرئيسي للعملة الصعبة ليوغسلافيا السابقة، إلا أن الشتاء هنا يتحدث عن نفسه مبكرًا.

 

وعندما فكرنا في الالتقاء بالشيخ أبو عبد العزيز، قائد «عربي»، كان من الطبيعي أن نتجه إلى مقر قيادة المجاهدين العرب والمسلمين، إلا أنه بعد وصولنا إلى هناك انتقل بنا القائد أبو عبد العزيز إلى مكان آخر يقع على طريق داخلي تحيط به غابة من الأشجار وتجري من تحته مياه جارية. قال لنا أبو عبد العزيز إنه مكانٌ مناسبٌ للتحدث والحوار. وأثناء الحوار، وفي ظل حراسة بوسنوية وفي تمام الساعة الثانية وعشر وأربعين دقيقة، أقبل علينا «أبو سرمد»، وهو أحد الشباب العرب الذي ينسق مع الشيخ والجيش الإسلامي في ترافينك، وطلب من الشيخ إسناده بمجموعة من المقاتلين. فـإن معركة تحرير جبال كومار بدأت منذ الصباح، والجيش الإسلامي يتقدم وهناك قتلى وجرحى من الطرفين. انتقلنا بسرعة إلى مقر القيادة، وإذا بالأسود العربية والإسلامية تتواثب، كل منها يرجو الشهادة والقتال. وفي لحظات، كانت مجموعة مقاتلة قد استعدت للقتال وبدأ كل شاب من هؤلاء يكتب وصيته. لم يتمالك أخي يوسف عبد الرحمن، مندوب جريدة الأنباء، نفسه فانتحى جانبًا وعيناه تدمعان لما رآه من صدق هؤلاء الشباب وحماستهم.

 

الاستعداد والتخطيط

في صبيحة يوم الخميس (3/9/92) وفي تمام الساعة الثانية عشر والنصف، قمنا بزيارة إلى مقر قيادة جيش المسلمين في مدينة ترافينك. عندما التقينا بالقائد أحمد بن بكر ومجموعة القيادة هناك، حدثنا عن هجومٍ جديدٍ سيشنونه قريبًا لتحرير مرتفعات جبال كومار التي يسيطر عليها الصرب. فهذه الجبال محصنة بشكل طبيعي واستراتيجي، وهي تحيط بحزام دائري حول قرى إسلامية، كما أنها مانع طبيعي ضد قوات المسلمين لدخول المدينة «دوني وقف» المحتلة من قبل الصرب.

 

وتعتبر مدينة دوني وقف مدينة استراتيجية، حيث تمر من خلالها إمدادات الجيش الصربي شمالًا. وقد قام القائد «أمير» بشرح الخطة الجديدة لاحتلال هذه الجبال. وقد تم تأخير الهجوم ليكون صباح الأحد.

 

خطة المعركة وبدء الهجوم

تقدمت القوات الإسلامية على شكل (3) محاور؛ المحور الشمالي: قوات قادمة من يايتسا باتجاه طريق دوني وقف. المحور الثاني: انطلقت من جبهة نيوترافينك وقوات أخرى من جبهة تربة للالتقاء في منطقة أبو رتسي. والمحور الجنوبي: انطلقت من جبهة بوغوني، حيث التقت هذه الوحدات فجر الأحد الساعة السادسة والنصف على الخطوط الأولى لتبدأ المرحلة الثانية، والتي انقسم فيها كل محور إلى (3) وحدات لتبدأ الالتحام مع الخطوط الصربية. كان الهدف من المعركة بالإضافة إلى السيطرة على جبال كومار الحصينة هو قطع طريق الإمدادات من الشمال والجنوب عن مدينة دوني وقف المحتلة من قبل الصرب.

 

وعندما بدأت المعركة صباحًا بصورة مباشرة، أصبح الصرب محاصرين بواسطة فك الكماشة الإسلامي. في مساء اليوم نفسه، كان طريق دوني وقف القادم من مدينة يايتسا مقطوعًا بواسطة قوات المحور الشمالي. والصرب قد حوصروا في الجبال وتم أسر وقتل العشرات.

 

شهداء المعركة

وكانت نتائج المعركة حصيلة من الغنائم والأسلحة، بما فيها الأسلحة الثقيلة المتواجدة عند الصرب. في المقابل، استشهد في هذه المعركة الشهيد حسام «أبو دجانة»، وهو عربي، وهو قائد المجموعة القتالية الأولى من الوحدة الأولى القادمة من نيوترافينك.

 

والشهيد الثاني هو أبو بكر «عربي» أيضًا، وهو من نفس الوحدة القتالية. أما الشهيد الثالث فكان جنديًّا بوسنويًّا من وحدة أخرى. (المجاهدون العرب فيالبوسنة)

 

وكان مجموع جرحى المعركة من الجيش الإسلامي (5) جنود.

 

صورة من المعركة وليل النصر

يحدثنا أبو أسيد، هذا الشاب الهادئ قوي اللهجة، وكان متأثرًا من قتل أمير مجموعته حيث أنه كان نائب الأمير في هذه المجموعة القتالية، يحدثنا وهو يحتسي شرابًا دافئًا، حيث انفصلت مجموعته في تمام الساعة (6:40) صباحًا عن المحور الأول لتنطلق إلى هدفها، حيث كانوا (16) مقاتلًا. وتقدمت المجموعة الأولى التي يقودها الأمير حسام مع نائبه أبو أسيد وأبو بكر «عربي» وجندي بوسنوي جرح في المعركة واسمه «بكر» وعمره (20) سنة، وكان طالبًا في كلية الحقوق في سراييفو. تقدمت هذه المجموعة حيث كان بينها وبين المواقع الأمامية للصرب مسافة أمتار قليلة. وحين اكتشف الصرب وصولهم، اندفعت النيران بكثافة عليهم. تقدم الأمير حسام لمسافة مترين من الموقع ليلقي قنابله ويطلق سلاحه. واحتمى الثلاثة للتغطية. وعندما صاح أبو أسيد للأمير حسام للاحتماء، لم يجب عليه. أما أبو بكر الشهيد فإنه قد أصيب برصاصة. يقول الاثنان، أبو أسيد وبكر البوسنوي، أنهما وجدا أبا بكر مُلْقىً وكأنه يصلي واضعًا يده اليمنى على اليسرى. وفي هذه اللحظات، أصيب بكر البوسنوي بشظية في رجله، وتمكنا من تدمير الموقع والعودة بجثة الشهيد أبي بكر، إلا أن جثة الشهيد حسام لم يعثر عليها إلى ليلة مغادرتنا من البوسنة.

 

وقد تم الاستيلاء على أسلحة ومضادات للطائرات «دشكا» من هذا الموقع.

 

ليلة النصر

في تلك الليلة، كنا نسمع تكبيرات الجنود البوسنيين تصدح في ترافينك. كانت الإمدادات تصل إلى الموقع لتتم عمليات التطهير. تم أسر أكثر من (24) جنديًّا، وقتل أكثر من (200) صربي. وفي تمام الساعة الحادية عشر ليلًا، أبلغنا أحد القادة بأنه تم السيطرة على طريق دوني وقف، والصربيون المُتبَقُّون محاصرون ولا يستطيعون الخروج إلا عن طريق الغابات في عملية شاقة.

 



 


الرابط المختصر :