; مستقبل المسلمين في كندا بعد الاستفتاء على سيادة كيباك | مجلة المجتمع

العنوان مستقبل المسلمين في كندا بعد الاستفتاء على سيادة كيباك

الكاتب جمال الطاهر

تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-1995

مشاهدات 68

نشر في العدد 1179

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 12-ديسمبر-1995

بعد سنة كاملة من السجالات وبعد حملة انتخابية جد ساخنة وحيلي بالمفاجئات حسمت صناديق الاقتراع، ولو مؤقنا، واحدة من أهم المعارك السياسية في مقاطعة كيباك خاصة وفي كندا عامة وهي مسالة مستقبل العلاقة بين كيباك وكندا، وتشير كل الدلائل التي أعقبت الإعلان عن النتيجة التي جاءت متقاربة جدًّا (٥٠.٦ ضد الانفصال و ٤٩.٤ مع الانفصال) أن المعركة لم تحسم بعد وأن دعاة الانفصال بدعوا يعدون أنفسهم لإجراء استفتاء آخر وجولة انتخابية جديدة ينظرون إليها على أنها ستكون: "الخطوة الأخيرة المتبقية في مسيرة طويلة انطلقت منذ خمسة وعشرين عاماً لامتلاك بلد ذو سيادة ومستقل عن الفيدرالية الكندية".

كما صرح بذلك رئيس حكومة كيباك جاك باريزو ليلة الإعلان عن النتائج، ضمن هذه السجالات والمعارك الانتخابية والقضايا المصيرية ابن كان المسلمون الكنديون، وضمن أي أفاق ينظرون إلى مستقبلهم الثقافي والسياسي " هذا ما سنحاول رصده وتحليله في هذه المقالة من خلال مواقف وردود افعال بعض الجهات والشخصيات المسلحة خلال الحملة وبعد الإعلان عن النتائج وما تبعها من تصريحات وما قد ينشأ عنها من تحولات.

الاستفتاء والإطار التاريخي للانفصال

تعود الجذور التاريخية لأطروحة الانفصال إلى بداية التاريخ الكندي أي إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر، عندما انعكس الصراع الدولي آنذاك بين فرنسا وإنجلترا كقوتين دولتين تتسابقان على السيطرة على بعض المناطق الهامة من العالم وخاصة منه العالم الجديد القارة الأمريكية، فبعد مجيء الفرنسيين واستقرارهم في كندا وبعض المناطق في الولايات المتحدة الأمريكية منطقة أوهايو أساسا بعد دحرهم للهنود السكان الأصليين للبلد ودفعهم للعيش في بعض المناطق الداخلية بعد أن كانوا قد بنوا نمط حياتهم حول سواحل نهر سان لوران جاء البريطانيون بعد بروز إنجلترا كقوة عظمى جديدة بديلة عن فرنسا واستوطنوا هم الآخرون جنوب الولايات المتحدة الأمريكية وسواحلها الشرقية وكذلك بعض مناطقها الشمالية إلى الحد الذي أصبح بينهم وبين الفرنسيين مناطق تماس واحتكاك ومع زيادة تغير موازين القوى بين الملكية الفرنسية المهيمن عليها من طرف الكنيسة الكاثوليكية وبين الملكية البريطانية المتصالحة مع الكنيسة البروتستانتية قبلت فرنسا التفريط في كندا الفرنسية إلى الإدارة البريطانية مقابل شرط واحد هو التزام بريطانيا باحترام التعدد الديني في كندا أي عدم منع وتحجير الكاثوليكية . ولأن الفرنسيين المستوطنين في كندا قد أصبحوا يعتبرون أنفسهم سكانا أصليين للبلد أصليين بمعنى أسبق فيها من البريطانيين لهم ثقافتهم واجتماعهم الخاص بهم حتى عن فرنسا نفسها وإن كانوا يشتركون معها في اللغة الفرنسية فقد حرك فيهم هذا الشعور الإيتني مشاعر الوطنية والانتساب إلى أمة وثقافة معينتين.. ولم تزد المشاكل وحالات التمرد والعصيان العلاقة بين الإنجليز والفرنسيين إلا تعقيدا، ولأن الإنجليز كانوا هم أصحاب القرار السياسي والنفوذ الاقتصادي فقد قاموا بكل ما في إمكانهم لترويض الفرنسيين وإدماجهم في المنظومة الإنجليزية تارة بالمحاصرة القانونية وأخرى بالاقتصادية والثقافية والأمنية. ولم تستب الأمور للإنجليز إلا بعد أن أجهضوا بالقوة حركة التحرر الوطنية التي انطلقت في کیباك خلال سنتي ۱۸۳۸ م و۱۸۳۹ م بقيادة الوطنيين الذين أعدم منهم العشرات وسجن وهجر منهم الآلاف.. ليفرضوا بعد ذلك على الكنديين الفرنسيين القبول بالفيدرالية على أساس أنها الصيغة المثلى لتأمين المصالحة الوطنية بين أمتين مخلفتين ثقافيا ولغوياً واستراتيجيا هما الفرنسية والإنجليزية.. ومنذ تأسيسها في سنة ١٨٦٧م شهدت هذه الفيدرالية مصاعب كثيرة في إدارة البلد نتيجة تمسك الحكومات المتعاقبة على كيباك بالحقوق التاريخية لشعب المقاطعة في معاملته كطرف مؤسس للفيدرالية بل وكطرف رئيسي خاصة وأن كيباك كانت تمثل الجزء الأكبر في كندا ديمجرافيًا واقتصاديًا وسياسيًا؛ ولأن تاريخ الحكومات الفيدرالية المتعاقبة قد سار في عمومه في خط واحد هو تجاهل الحقوق التاريخية والواقعية المشروعة لشعب كيباك بل وأكثر من ذلك فقد عمدت أغلب هذه الحكومات إلى التضييق عليه ومحاصرته بشتى الوسائللتحجيمه حينا وإعاقته حينا آخر الشيء الذي أبقى النزعة التحررية حية لدى النخب الكيبيكية التي زادتها التجارب تراكما وتطورا إلى أن عبرت عن نفسها في سنة ١٩٧٠ من خلال جبهة تحرر كيباك التي قادت جملة من الأعمال العنيفة العارمة نتجت عنها حالة عامة من اختلال الأمن دفعت الحكومة الفيدرالية إلى إعلان حالة الطوارئ واتخاذ إجراءات الحرب ضد هذه الجبهة، لقد كانت هذه التحركات التعبيرية التلقائية لرفض شعب كيباك للفيدرالية ولهيمنة الإنجليز واستغلالهم لهم، أما التعبير السياسي لهذا الرفض ولهذه الروح الوطنية فقد جاء من خلال تأسيس الحزب الكيبيكي في سنة ١٩٦٨ بزعامة روناي لوفاك أحد الفيدراليين السابقين الذين ينسوا من إمكانية إصلاح النظام الفيدرالي وجعله أكثر عدالة مع حقوق شعب كيباك.. لقد كانت الرسالة الأساسية لهذا الحزب هو العمل من أجل فرض حقوق كيباك وشعبها.. وفي سنة ١٩٧٦م عبر شعب كيباك عن تبنيه الأطروحة هذا الحزب من خلال انتخابه لأول مرة لتشكيل الحكومة التي كانت رسالتها الأساسية انتزاع حقوق كيباك من الفيدرالية من خلال تبديل نمط العلاقة بينها وبين أوتاوا بحيث تتطور كيباك من كونها واحدة من المقاطعات الكندية العشرة لتصبح شريكا اقتصاديا لأوتاوا يملك مصائره السياسية والاقتصادية والمالية.. تلك كانت الجذور الأولى للأطروحة الوطنية التي تطورت بعد إخفاق حكومة حزب كيباك سنة ١٩٨٠ في نيل ثقة وأصوات شعب كيباك لتفويضها لمناقشة الأمر مع أوتاوا والتقرير في مستقبل العلاقة بين كيباك وكندا، والتي تطورت إلى المطالبة بالاستقلال التام عن كندا والخروج من فيدرالية مفروضة وغير عادلة.. وقد تعززت حظوظ الأطروحة الانفصالية بعد عودة الحزب الكيبيكي إلى الحكم في سبتمبر ١٩٩٤م وصعود حزب الكتلة الكيبيكية في البرلمان الكندي إلى مستوى المعارضة الرسمية أي الحزب الثاني بعد الحزب الحاكم. 

وفي العموم، يمكن القول أن علاقة الطرف الفرنسي بالطرف الإنجليزي ضمن الفيدرالية الكندية قد اتسمت منذ بدايتها بحالة من التوتر يزيد حينا ويخفت حينا آخر بحسب سياسات الحكومات المتعاقبة على أوتاوا وكيباك، وأن كلا الطرفين قد عرف الهزائم والنجاحات في بعض الملفات وفي بعض الأحيان، وتعتبر مسألة الهوية الثقافية من أهم محاور الصراع التي يستند إليها وطنيو كيباك لتعزيز مواقفهم الشعبية من خلال التأكيد على حجم المخاطر التي تهدد كيباك كأقلية فرنكوفونية في كندا (٢٥% تقريباً من مجمل سكان كندا) وكأقلية أيضاً على مستوى القارة الأمريكية (٢% فقط من مجمل سكان القارة).

تركيبة المحورين

تشكل خلال الحملة الانتخابية محوران اثنان يمثل كل واحد منهما تركيبا معينا من الأحزاب السياسية والقطاعات والفئات الاجتماعية.

محور "نعم"، وهو يتكون سياسيًا من تحالف ثلاثي بين الأحزاب التالية:

  1. الحزب الكيبيكي الحاكم في المقاطعة منذ انتخابات سبتمبر ١٩٩٤م. 
  2. الكتلة الكيبيكية التي تمثل المعارضة الرسمية في البرلمان الفيدرالي 
  3. الحركة الديمقراطية بكيباك وهو أحدث الأحزاب السياسية في المقاطعة. 

أما من حيث القطاعات، فقد نجح هذا المحور تاريخيا في استقطاب النقابات والفنانين والصناعيين أصحاب الشركات ذات الرأسمال المتوسط والطلاب، أما من حيث القاعدة الشعبية فإن أغلب أنصار مع، هم من ساكني المناطق الفلاحية التي لم يختلط فيها الكيبيكيون من أصل فرنسي مع المهاجرين، وقد ركز هذا المحور حملته الانتخابية على الجانب الثقافي والنفسي وحقق فيه نجاحات هامة وخاصة في الأسابيع الأخيرة بعد دخول لوسيان بوشار زعيم الكتلة الكيبيكية في البرلمان الكندي والسياسي الأكثر شعبية في كيباك واجهة الحملة الانتخابية لهذا المحور.

 أما محور "لا"، فإنه يتكون سياسيًا من تحالف ثلاثي بين الأحزاب التالية:

  1. الحزب الليبرالي بكيباك الذي يمثل المعارضة الرسمية في المجلس العمومي بالمقاطعة. 
  2. الحزب الليبرالي بكندا وهو الحزب الحاكم في كندا منذ انتخابات ١٩٩٣م. 
  3. الحزب المحافظ التقدمي الفيدرالي الذي خسر انتخابات ۱۹۹۳م بعد أن حكم كندا لدورتين متتاليتين ١٩٨٤ - ١٩٩٣م 

أما من حيث القطاعات، فقد نجح هذا المحور تاريخيًا في استقطاب الصناعيين اصحاب الشركات الكبرى وفي استمالة شرائح هامة وعديدة في المجتمع منها خاصة المسنون والمهاجرون أو المجموعات الإيتنية هذا طبعا إلى جانب الإنجلوفون وبعض الكنديين الفرنسيين الذين يتشبثون بانتمائهم الكندي، وقد تركزت الحملة الانتخابية لهذا المحور حول بيان التبعات الاقتصادية الكارثية على الاقتصاد الكيبيكي في صورة الانفصال عن كندا وكذلك على فقدان الكيبيكيين الجنسية وجواز السفر الكندي.

النتيجة والأصوات الإيتنية

يتميز المجتمع الكيبيكي بتركيبته الاجتماعية والثقافية المتعددة (انظر الجدول: *)، وقد انعكس هذا التعدد على التصويت؛ حيث أبرزت نتيجتا الاستفتاء الأول في ۱۹۸۰م والثاني في ١٩٩٥م قيمة الأصوات الإيتنية في حسم المعركة لصالح أطروحة ولاء حيث صوتت المجموعة الإيتنية التي تبلغ ١٠% من سكان المقاطعة (أغلبهم يقطنون مونتريال)، بنسبة ٩٥% ضد مشروع الانفصال في حين صوت الفرنكفونيون الكنديون من أصل فرنسي بنسبة ٦٠% فقط لصالح مشروع الانفصال، أما عن الكنديين من أصل إنجليزي أي الإنجلوفون فقد صوتوا بنسبة تقارب ۱۰۰ % ضد مشروع الانفصال، ومن الجاليات الهامة في مثل هذه المعارك الانتخابية نجد أن الإيطاليين واليونانيين واليهود والوافدين من أمريكا الجنوبية إعلان قيادات ومؤسسات هذه الجاليات الكبرى مساندتها المطلقة لبقاء كيباك ضمن الفيدرالية الكندية. ويرجع بعض المحللين والدارسين للمجموعات الإيتنية والثقافية في المجتمعين الكندي والكيبيكي هذا الموقف الرافض للانفصال إلى جملة من العوامل من أهمها:

  1. بالنسبة للمجموعات الإيتنية القوية، فإن نجاحها في تكوين مجتمع مواز خاص بها هو الذي أعطاها القوة لتبني هذا الموقف وإعلانه والدفاع عنه، فهذه الجاليات التي بدأت هجرتها منذ بداية القرن وتكشفت بعد الحرب العالمية الثانية تتمتع بقاعدة بشرية واسعة نسبيا سهلت لها بناء نسيج اجتماعي وثقافي وسوق اقتصادي خاص بها تقريبا، فقد استثمرت هذه الجاليات كأحسن ما يكون الاستثمار السياسات المتبعة في كندا وفي كيباك التي تشجع المجموعات الثقافية والإيتنية على الاجتماع فيما بينها والمحافظة على هويتها الوطنية والثقافية والإيتنية وعلى لغتها الأصلية وعلي نسيج العلاقات فيما بين أفرادها، فبنوا مؤسساتهم التعليمية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية من خلال مساعدات الحكومتين وتجمعوا في ضواحي سكنية خاصة بهم ويتكلمون فيما بينهم لغتهم الأصلية ويتكلمون الإنجليزية في الشارع وقليل منهم من يتكلم الفرنسية التي هي اللغة الأولى في المقاطعة، كما أن لديهم علاقاتهم الممتدة مع بقية مواطنيهم الموجودين في بقية التراب الكندي والقارة الأمريكية بشكل عام، كما أن لديهم من يمثلهم في البرلمانات والحكوماتوالمؤسسات لها ...
  2. أما بالنسبة للمجموعات الإيتنية الضعيفة ومن ضمنهم المسلمين، فإن الدافع الأساسي لتصويتهم "لا" هو التخوف الذي يسكنهم من ديكتاتورية الحزب الواحد وفوقية العنصر الواحد التي تعاني منه بلدانهم الأصلية، فهم أميل بحكم الظروف الصعبة التي عاشوها في بلدانهم والتي تصل إلى حد الحرب الأهلية والتصفيات الجسدية والتطهير العراقي إلى التشبث بالمثال الكندي كنموذج للتعدد والمتسامح واللامركزية، فالفيدرالية الكندية تعتبر في عيون هؤلاء مكسبًا مهمًّا لا يجب التفريط فيه بأية حجة مهما كانت هذه الحجة معقولة أو تاريخية وتزيد التقارير الدولية المنشورة التي ترتب كندا ضمن أحسن دول العالم فتمسك هذه الجاليات بهذا البلد الذي قال فيه رئيس حكومة كندا جون كريتيان بأنه يمثل رغبة وأشواق كل شعوب العالم.

 إذن تشير هذه التحاليل إلى وجود مشكل علائقي ثقافي لغوي ومصلحي بين هذه المجموعات الضاغطة وبين المجتمع الكيبيكي وخاصة نخبه الوطنية كما تشير إلى أن الكيبيكيين ينظرون إلى أن نمو - هذه الجاليات قد كان على حساب مصالحهم وحقوقهم التاريخية وهم الذين عندما فتحوا بلادهم لهذه الهجرة كانوا يرغبون في استفادة متبادلة بينهم وبين الوافدين، وفي نفس السياق تثبت الأحداث المتعاقبة فشل حكومات الحزب الكيبيكي في إذابة الجليد بينها وبين هذه المجموعات الإيتنية القوية إلى درجة الاستعصاء.

أين المسلمون من هذه القضية السياسية والانتخابية؟

لابُدَّ من الإشارة في البداية إلى أن المسلمين يعتبرون من أحدث الجاليات حضوراً تقريباً حيث لم يمر على هجرتهم لهذا البلد واستقرارهم فيه بأعداد مكثفة نسبيا وقت طويل هذه الحداثة في التواجد تفسر إلى حد كبيرالوضعية العامة التي عليها المسلمون في هذا البلد والتي من سماتها الكبرى أو الرئيسية:

  1. ضعف العدد ومن ثم ضعف الحضور وخاصة على المستوى السياسي والمؤسساتي. 
  2. ضعف مفهوم الجالية لدى المسلمين نتيجة ضعف المشترك وضعف المؤسسات وغياب الرموز والقيادات. 
  3. ضعف الاحتكاك بالواقع ومن ثم عدم معرفته بالدقة اللازمة لحسن التعامل والتفاعل معه.

هذه العوامل وغيرها أدت إلى الانقسام وإلى مواقف أربعة من الاستفتاء والمستقبل الدستوري ليكباك، هي:

  1. الاستقالة من الحياة العامة وعدم الاهتمام بها بما في ذلك مسألة الاستفتاء، وذلك الاعتبارات عديدة منها عدم الثقة في السياسة والخوف منها قياساً لما يجري في البلدان الأصلية. ومنها أيضا الشعور الدائم عن هذا المجتمع وبأن الإقامة فيه إنما هي مؤقتة. 
  2. مساندة نعم، وهم أساسا من الأحباش والشيعة والصوفية الذين عقدوا اجتماعاً عاماً حضره أهم رموز محور «نعم» وأبدوا فيه موقفهم المساند للانفصال.
  3. مساندة لا، وهم أساسا من الجماعة المسلمة بكيباك، وهم من الباكستانيين الذين ينتمي بعضهم إلى الحزبين الليبراليين الكيبيكي والكندي. 
  4. الحياد والاقتصار على متابعة الأطروحتين دون أخذ وإعلان موقف جماعي ورسمي من المسألة وترك الاختيار للأفراد وهو الموقف الذي تبناه المنتدى الإسلامي الكندي عندما نظم اجتماعاً عاماً دعي له متحدثون من كلا المحورين. 

ويعكس هذا الاختلاف في الموقف من الاستفتاء داخل الصف الإسلامي تباينا واضحا في العديد من المسائل الأخرى التي تهم واقع ومستقبل الإسلام والمسلمين في هذا البلد منها ما هو سابق عن الاستفتاء، ومنها ما هو لاحق به لقد كانت هذه المحطة الانتخابية فرصة مناسبة للمسلمين لفتت المسائل المصيرية التي يواجهها مستقبلهم ومستقبل البلاد التي يستوطنونها، ومن هذه المسائل حاولنا في المجتمع، رصد وتحليل المواقف الإسلامية من القضايا التالية: 

  1. النتيجة المتعادلة للأصوات في هذا الاستفتاء ودلالتها الأساسية بالنسبية للمستقبل تختلف وجهات النظر في قراءة هذه النتيجة بينمن يقول بأن دعاة الانفصال قد أخذوا فرصتهم الأخيرة، وبالتالي فلا مجال لهم في المستقبل الإعادة استفتاء المواطنين في نفس القضية بعد هزيمتين متتاليتين تعكسان تمسك الكيبيكيين بانتمائهم الكندي، ومطالبتهم في نفس الوقت بإدخال الإصلاحات الضرورية على النظام الفيدرالي والاستجابة لمطالب كيباك، أما الرأي الآخر، فإنه يرى أن تعادل النتيجة يعكس تطورا الأطروحة الانفصال بنسبة تفوق 9 % قياسًا لنتائج استفتاء ١٩٨٠م (٤٠ % مع)، وعليه فإن الاستفتاء القادم سيكون حاسما في اتجاه فوز «نعم» خاصة وأن أغلب الدراسات التي حللت التصويت الأخير تؤكد على أن نسبة هامة من الذين صوتوا لاء قد فعلوا ذلك لإعطاء فرصة أخيرة للفيدرالية ولبقية المقاطعات لمعالجة المشكل من أصله بما يرضى الكيبيكيين ويرجع لهم حقوقهم فالمشترك بين وجهتي النظر هاتين هو أن النزعة الوطنية في كيباك قد تجذرت وتقدمت أكثر، كما أنها قد كسبت في المحطة الأخيرة مساحة مهمًّة.
  2. النزعة الوطنية الكيبيكية: تتراوح الآراء حول هذه المسألة بين رأى أول يؤكد على الطابع المتسامح لثقافة هذا الشعب الذي فتح بلاده عريضة للمهاجرين واللاجئين ليبني معهم مثالاً رائعًا للتعايش والتسامح، ويؤكِّدُ هذا الطرح على أن ما بدا في السنوات الأخيرة من تنام للنزعة الوطنية في كيباك لم يكن تجاه المهاجرين والكيبيكيين الجدد، وإنما تجاه الجانب الآخر من كندا الذي مثل تاريخيًا ولا يزال عقدة الكيبيكيين الأساسية، ويذهب السيد عبد المنعم ساسي (طالب دكتوراه هندسة مدنية) إلى القول بأنه: رغم التصريحات السلبية لبعض، بل لأهم رموز الحكومة والحزب، فإن الوطنية من منظور تيار الانفصال تبقى مرنة مفتوحة ومتعددة لأنها مؤسسة في أصلها على المواطنة أي الاشتراك في الإقامة على أرض كيباك وليس على مبدأ الاشتراك في الدم أو العنصر وهو ما يفسر إلى حد تعاطف العديد من الجاليات، وإن كانت ضعيفة، مع أطروحة «نعم» مثل الأرمن والهايتيين وبعض (الأحباش والشيعة والصوفية). أما الرأي الثاني، فإنه يرى هذه النزعة الوطنية ضيقة وهي من النوع الصلب والصافي أي الذي يستند إلى العنصر الصافي النقي وهو الكيبيكي الفرنسي كما ذكر ذلك جاك انتباههم لأهمية النقاش فيما بين فعالياتهم المختلفة حول جملة من باريزو رئيس الحزب الكيبيكي، وعلى هذا يرى الدكتور بشار الصلح رئيس المنتدى الإسلامي الكندي أن النزعة الوطنية في كيباك تسير في اتجاه دغمائي وضمن عقلية مركزية العنصر أو العرق تحرص على أن تتغلف بنوع من البراغماتية والواقعية، ويعتبر هذا الرأي أن ما تحقق من مكاسب ومن مظاهر التعايش والتسامح في كيباك إنما هو نتيجة السياسات المتبعة من طرف الحكومة الفيدرالية التي سعت إلى تعميم تطبيقها على كل المقاطعات فالنظام الفيدرالي مثلاً لا يزال الضمانة الأساسية للتعايش والتسامح العرقي والديني والثقافي، ولا أدل على ذلك من التصريحات الحادة والمشحونة ضد المجموعات الإيتنية التي بادر بها جاك باريزو رئيس حكومة كيباك ليلة الإعلان عن نتيجة الاستفتاء ووصف مرات عديدة النزعة الوطنية لحزبه بأنها صلبة ونقية أي تستند إلى العرق الفرنسي النقي مقابل وصفه للتيار الفيدرالي بأنه لين وناعم بسبب تعدده الثقافي والإيتني، وإضافة إلى هذا، يؤكِّدُ هذا الرأي على أن السياسة الفرنسية (فرنسا) التي تمثل المثل الأعلى للكيبيكيين لا يخفى على أحد موقفها السلبي من الآخر وخاصة عندما يكون هذا الآخر هو الإسلام والمسلمون. 
  3. اتجاه أصوات المسلمين: تفيد النتائجأن أصوات الناخبين المسلمين قد توزعت بين أغلبية لفائدة ولاء وأقلية المصالح «نعم، في حين بقي أكثر المسلمين محايدين، ورغم هذا التوجه الغالب نحو لاء فإن الذي برز في وسائل الإعلام هو أن المسلمين قد اختاروا جانب «نعم» أي مساندة التيار الانفصالي، ويفسر بعض المتتبعين اتجاه أغلب أصوات المسلمين الذين مارسوا الانتخاب لفائدة ولاء إضافة للعوامل التي أشرنا إليها سلفا بأن أغلب هؤلاء المسلمين هم من الأسيويين (باكستانيين وهنود وبنغاليين)، الذين لا يتكلمون إلا الإنجليزية وليس لهم مجال احتكاك أو تمارس اجتماعي، ثقافي أو سياسي مع الكيبيكيين على عكس بعض المسلمين المغاربة والمشارقة الذين صوتوا نعم، بحكم أنهم يتكلمون الفرنسية ويتعاملون مع الكيبيكيين، وفي محاولة لقراءة التصويت الإسلامي يرى البعض أن الخطأ في كل هذا ليس التصويت مع هذا الطرف أو ذاك فقد تكون لكل مجموعة رؤيتها. وإنما الخطأ الفادح هو أن بعض المجموعات المسلمة التي اختارت الإعلان عن دعمها لتيار الانفصال قد تكلمت باسم كل المسلمين، في حين كان أحرى بهم أن يتكلموا باسم من يمثلون من الأفراد والمؤسسات لقد كان الأحسن الاحتفاظ بالتصويت والامتناع عن إعلان مساندة أي من المحورين، لأن الاختيار في مثل هذه الوضعيات صعب، خاصة وأن الجالية لا تزال طرفاً ضعيفاً في الساحة لم يرتق بعد المرحلة العمل ضمن لوبيات. 
  4. النتيجة.. وبعد: أي مستقبل تؤكَّد بعض الدراسات التي نشرت بعد الاستفتاء على أن محور «نعم» سيتعزز في المستقبل؛ بحيث يتجاوز الخمسين في المائة، وذلك لاعتبارات عديدة منها عامل التبادل الديمجرافي للمقاطعة نتيجة الزيادة في الوفيات في أوساط المسنين الذين يمثلون قاعدة انتخابية هامة المحور ولاء من جهة، وتأهل العديد من الشباب وهم القاعدة الأساسية لمشروع الانفصال الممارسة الحق الانتخابي خلال السنوات القليلة القادمة من جهة أخرى.

 كما أن إمكانية تغيير الدستور لاستيعاب مطالب كيباك أمر صعب الورود أو هو مستحيل ضمن المعادلات القائمة؛ وذلك لأن هذا الأمر يشترط إجماع كل المقاطعات على مبدأ التعديل أو لا ثم إجماعهم على مادة كل تغيير ويرى المتتبعون أنه حتى إمكانية إدخال بعض الإصلاحات على الإدارة الفيدرالية الحالية نحو المزيد من اللامركزية أمر غير وارد هو الآخر وخاصة من جهة الحزب الإصلاحي وهو ثالث حزب في البرلمان الكندي له نفوذ قوي في الغرب الكندي وهو يمثل اليمين.. كل هذه المؤشرات والمعطيات تجعل من المستقبل السياسي الكندي والكيبيكي غير مستقرين وخاصة في المستقبل القريب الذي ستواجه فيه حكومات المقاطعات ومن ضمنها كيباك مشاكل مالية ثقيلة نتيجة خفض الميزانيات ووقف أو خفض التمويلالفيدرالي لبعض القطاعات الحيوية كالصحة والتعليم والحيطة الاجتماعية.

 ضمن هذه المعطيات والمؤشرات الموضوعية وضمن معطياته الذاتية يجب أن يتحدد المستقبل الإسلامي، وتؤكد أغلب الآراء التي استطلعناها أن ما يسع المسلمين كجالية ضعيفة هو عدم الانخراط كثيرا في المجال السياسي والوقوف موقفاً حياديا من قضية المستقبل الدستوري لكيباك وكندا مقابل توجيه الطاقات لبناء الذات من خلال بناء المدارس والمؤسسات الاجتماعية والثقافية وغيرها.. فرغم قناعته بأن المستقبل قد يكون أحسن من الناحية الثقافية ضمن الفيدرالية الكندية، فقد أكد الدكتور بشار الصلح المنتدى الإسلامي الكندي، أنه على المسلمين أن يتجنبوا الصدام مع النزعة الوطنية الضيقة لدى الحزب الكيبيكي دون أن يفهم موقفهم هذا على أنه مساندة مفتوحة للتيار الفيدرالي فنحن مطالبون من وجهة نظر السيد عبد المنعم ساسي، بالعمل على الخروج من كل المعارك الانتخابية القادمة بأقل ما يمكن من الأضرار، لأننا لسنا مرشحين لربح شيء كبير كما أننا لسنا في حاجة إلى استعداء أي تيار معتبراً خفض عدد المهاجرين إلى كيباك خلال السنة الأخيرة أي منذ صعود الحزب الكيبيكي إلى السلطة بنسبة ٤٠ إشارة واضحة إلى كل المجموعات الإيتنية، وخاصة منه الضعيفة إلى إجراءات الحماية التي يمكن أن تتوسل بها حكومة كيباك لضبط وتوجيه أصوات الناخبين في المستقبل.

 لقد أظهرت هذه الانتخابات أن المسلمين لا يزالون على هامش الحدث في المجتمع، وأنهم لم يصلوا بعد إلى أن يصبحوا رقما وطرفًا مهمًّا في المعادلات السياسية والاجتماعية والثقافية وبالتالي فإن هناك عملا طويلا ينتظر المسلمين في هذا البلد لتأهيل أنفسهم للحضور الإيجابي في الساحة في ساحة متحركة جدا وتستقبل وضعيات صعبة ودقيقة للاختيار بين جملة من الخيارات الصعبة التي ستؤثر لا محالة على واقع ومستقبل المسلمين الذين لم يعودوا جملة من الأفراد منحدرين من بلدان مختلفة ويتحدثون لغات ولهجات مختلفة.. لقد أصبحوا الآن كماً معتبراً في المجتمع وما عليهم إلا العمل الجاد من أجل تطوير حضورهم كجالية لها مصالحها الموحدة، ولها مطالبها الواضحة ولها رؤيتها لمساهمتها في المجتمع. إن للمسلمين في هذا البلد مستقبلا يمثله شبابهم من الجيل الثاني المولود في كندا والمتعلم فيها والذين من المفروض أن تضبط السياسات الواضحة لتأهيله لأن يصبح الخط الأول في الدفاع عن الإسلام والمسلمين في هذا البلد إن هذه الوضعية الدقيقة تستدعي من وجهة نظر الجميع المزيد من التضامن بين المسلمين من خلال تجميع طاقاتهم ضمن مجموعة ضغط واضحة يمكن من خلالها المطالبة بحقوقهم ونيل ما أمكن منها.. 

  1. معطيات عامة:
  • نتيجة الاستفتاء: ٤٩,٤ (مع) مقابل ٥٠,٦ (ضد).
  • العدد الإجمالي السكان المقاطعة ۷,۲۰۰,۰00 مليون نسمة.

العدد الإجمالي للناخبين ٥,٠٨٦,٩٧٩ مليون ناخب

نسبة المشاركة في الانتخابات الأخيرة 93,5% وهي أعلى نسبة مشاركة على الإطلاق

 فارق الأصوات ٥٢.٤٤٨ صوتا لصالح (لا)

٢ - التركيبة الإيتنية لمقاطعة كيباك.

٧٥% من الكنديين الفرنسيين.

١٥ % من الكنديين الإنجليز

١٠% من المهاجرين المنحدرين من مجموعات إيتنية مختلفة.

  1. - توزيع الأصوات بحسب الانتماء الإيتني

٦٠% من الكنديين الفرنسيين صوتوا «نعم». 

٩٥ % من المجموعات الإيتنية صوتوا (لا).

١٠٠ % من الكنديين من أصل إنجليزي صوتوا (لا).

 

الرابط المختصر :