العنوان تعليق على مقال بين الإنس والجن
الكاتب ناجي الطنطاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يناير-1988
مشاهدات 73
نشر في العدد 852
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 19-يناير-1988
قرأت في مجلة
"المجتمع" العدد (830) الصادر في24 / 12 / 1407 هـ مقالًا لسماحة الشيخ
عبد العزيز بن باز - حفظه الله - بعنوان: (إيضاح الحق في دخول الجني في الإنسي
والرد على من أنكر ذلك)، ذكر فيه سماحته أن واحدًا من أفراد الجن تلبّس امرأة
مسلمة، وأن هذه المرأة حضرت أمام سماحته، وشكت له أمر هذا الجني، وأنها ترغب في الخلاص
منه، فقام سماحته بمخاطبة الجني، وذكره بالله ووعظه، وأخبره أن الظلم حرام.
وقال - سماحته -
إن الجني نطق بلسان المرأة، لكنه كلام رجل، وليس كلام امرأة، وأعلن إسلامه صريحًا
بعد أن أخبر أنه هندي بوذي، وقال إنه خرج منها فارتاحت المرأة منه، وتكلمت بلسانها
المعتاد.
وأورد سماحته
أقوال بعض المفسرين ورجال الحديث عن الجن وأماكن دخولهم في الإنس.
وأنا لا أنكر ما
ورد في الكتاب والسنة الصحيحة عن الجن، مع العلم أن النصوص الواردة في هذا الشأن
منها الصحيح الثابت الذي لا يجوز إنكار صحته، ومنها ما لم تثبت صحته، لضعف سنده؛
ذلك لأن الأخبار عن الجن تدخل في باب المغيبات من العقائد، فما ثبت منها ثبوتًا
قطعيًا آمنا به، أما ما أورده بعض الصوفية من مبالغات فلا حرج على من أنكره.
وقصة هذه المرأة
تُعد من الحالات الفردية الخاصة؛ أي أنها خبر عادي يحتمل الصدق والكذب؛ لأنها
ادعاء من المرأة بأمر من المغيبات لعالم غير عالم الإنس.
فهي تقول إن
الجني دخل بها وتلبس بها، وقولها هذا يحتمل الصدق ويحتمل الكذب، فتُطالب بإثبات ما
ادعت به إثباتًا شرعيًا مستوفيًا شروطه القضائية.
وقد أيدت صحة
دعواها بكلام خرج من لسانها زاعمة أنه كلام الجني، ويقول سماحة الشيخ - حفظه الله
- ما يلي: (سألته عن أسباب دخوله بالمرأة، فأخبرني بالأسباب، ونطق بلسان المرأة،
لكنه كلام رجل وليس كلام امرأة، وأعلن إسلامه صريحًا). انتهى كلامه.
هل يدخل الجن
جسم الإنس وينطق بلسانه؟
وأنا أحب أن
أسأل سماحته كيف عرف أن هذا القول الصادر عن المرأة هو كلام الجني وليس كلام
المرأة؟ إنها نطقت بلسانها فالكلام كلامها، ويجب أن ينسب إليها؛ لأن كل امرئ مؤاخذ
بما يقوله وما ينطق به. ولو أن رجلًا وقف أمام القاضي ونطق بكلمة الكفر والعياذ
بالله فإن القاضي يزجره ويستتيبه (يطلب منه أن يتوب)، ولو أن هذا الرجل قال للقاضي
إنني لست بقائل هذا الكلام، وإنما ألقاه الجني على لساني، فإن القاضي لا يقبل منه
هذا الرد؛ لأن الكلام ينسب إلى قائله الذي نطق به بلسانه، وإن المرء مؤاخذ
بإقراره، وهذه قاعدة معروفة شرعًا وعقلًا وعرفًا.
وقد جاء في حديث
معاذ - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: (كف عليك هذا،
وأشار إلى لسانه، قلت: يا نبي الله، وأنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك،
وهل يكب الناس في النار على وجوههم - أو قال على مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم؟)
(رواه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ثم إن صدور
الكلام المنسوب إلى الجني هو من لسان المرأة يقينًا باعتراف الحاضرين معها وسماعهم
لها، أما نسبته إلى الجني وأنه صدر عنه فهو أمر غير يقيني، وأن القاعدة الشرعية
تقول: (إن اليقين لا يزول بالشك)، وهل تستطيع هذه المرأة أن تثبت بما لا يقبل الشك
أن الكلام الذي نطقت به بلسانها هو كلام الجني؟ وليس بصعب على كثير من الرجال
تقليد أصوات النساء، كما أنه لا يصعب على كثير من النساء تقليد أصوات الرجال.
وقد يقول قائل
إن هذه المرأة من الصالحات، ولا مصلحة لها في الكذب، ونحن نجيبه بأن الطرق الشرعية
للإثبات معروفة، وليس من بينها صلاح المدعي.
وكتب قوم من أهل
اليمن إلى الإمام مالك - رحمه الله - يسألونه عن رجل من الجن يخطب ابنة أحدهم
طالبًا الزواج بها بالحلال، فأجابهم بقوله: (ما أرى بذلك بأسًا في الدين، ولكن
أكره إذا وجدت امرأة حامل وقيل لها من زوجك؟ قالت: زوجي من الجن، فيكثر الفساد في
الإسلام بذلك).
وسئل الحسن
البصري - رحمه الله - عن الزواج بجنية فكتب: (يجوز بدون شهود) ثم محاه وكتب: (لا
يجوز)، ثم كتب تحته: (يُصفع السائل لحماقته).