العنوان المجتمع الإسلامي ودراسة التخلف الاجتماعي
الكاتب محمود عبدالحميد حسن
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يناير-1988
مشاهدات 94
نشر في العدد 851
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 12-يناير-1988
تعد دراسات التخلف Under
Development
بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإدارية والثقافية، من الدراسات التي
حظيت بغير قليل من اهتمام الباحثين والدارسين على اختلاف اتجاهاتهم الفكرية
ومذاهبهم السياسية، وواجهت أنصار كل اتجاه ومذهب منها من تقديم الحجج والأسانيد
التي يدعمون بها وجهة نظرهم، وفي ذات الوقت يفندون حجج وأسانيد غيرهم، ووسط هؤلاء
وأولئك بذلت عدة محاولات قليلة من جانب المشتغلين بعلم الاجتماع الإسلامي وعلم
الاقتصاد الإسلامي لدراسة ظاهرة التخلف والتنمية من وجهة نظر إسلامية،(1) وقد نشطت
عدة محاولات في السنوات الأخيرة حيال فشل كل من المحاولات الرأسمالية الغربية
والشيوعية الشرقية في تفسير ومواجهة ظاهرة التخلف التي تضرب أطنابها في كثير من
دول العالم الثالث Third World، حتى إن المحصلة النهائية لهذه المحاولات لم
تكن تقليل هذا التخلف، بل في الواقع أدت إلى «تنمية التخلف».
الإسلام ودراسة التخلف:
ينطلق الإسلام في دراسته للتخلف من
وجهة نظر محددة، هي أن الإنسان هو جوهر التخلف وهو وسيلة التنمية، فهو لا يركز على
البيئة الجغرافية ويعزو إليها التخلف.
فالإنسان -من وجهة نظر الإسلام- ليس
أسير البيئة، بل يعدلها ويطورها بما يتفق مع ظروفه(2)، والإسلام لا يرد التخلف إلى
نقص متوسط الدخل الفردي Per Capita
Income بل
يركز على عدالة توزيع الدخل بين الأفراد والجماعات بما يقضي على مظاهر التوتر
والصراع في المجتمع،(3) وهو لا يرد التخلف للعوامل المادية فقط حيث يتحول الإنسان
إلى آلة في دولاب العمل،(4) بل إن الإسلام يدرس التخلف من إطار الإنسان وقيمه
ومثله ومعتقداته الدينية والدنيوية على اعتبار أن الإنسان أهم عنصر من عناصر
التنمية، فلا تنمية تواجه التخلف وتستأصل جذوره إلا بالإنسان، ولا قيمة للتنمية
بدون أن تخدم الإنسان في النهاية، فالإنسان في المجتمع الإسلامي هو وسيلة Aim
وغاية التنمية(5).
هذا ويفسر المجتمع الإسلامي ظاهرة
التخلف في ضوء ما يلي:
1- انحراف القيم والمعتقدات عن الإيمان
الخالص:
يفسر المجتمع الإسلامي ظاهرة التخلف
أولًا في ضوء انحراف قيم ومعتقدات أفراد المجتمع عن الإيمان الخالص بالله وحسن
التوكل عليه، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا
وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ
وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف:96).
فأساس تخلف المجتمع هو البعد عن
الالتزام بالعقيدة السليمة من الأخلاق والسلوك، وعدم اتسام سلوكيات الأفراد في
المجتمع بالصدق والإخلاص والإخاء والتعاطف، وعدم توفر المساواة بين الأفراد
والجماعات في الحقوق والواجبات، وعدم قيام البناء السياسي على أساس العقيدة والشريعة
الإسلامية العادلة، وعدم قيام التنظيم الاقتصادي على أساس مبادئ الإسلام، وعدم
انتهاك حدود حرمات الله.
إن وقوع الإنسان في كل أو بعض الأمور
السابقة يؤدي إلى غضب الله على الإنسان، فالله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ
اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾
(الطلاق:2- 3)، ولكن عدم تقوى الإنسان لله وخروجه على طاعته سبحانه وتعالى يؤدي
إلى أن يسلط الله على الإنسان مظاهر الحرمان والفقر وضيق الموارد وقلة الثمار
وانخفاض مستوى المعيشة، وهذا قول الله تعالى يؤكد هذا المعنى ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ
أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ
نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا
الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ
وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ (الأنعام:6).
2- انخفاض المستوى الثقافي الصحي:
ويفسر المجتمع الإسلامي ظاهرة التخلف
أيضًا في ضوء انخفاض مستوى الإنسان -الذي هو محور اهتمام الإسلام- من حيث التعليم
والصحة والثقافة والوعي العام، فالإنسان الأكثر تعليمًا والأفضل صحة يمكنه أن يقوم
بدوره في مواجهة التخلف وتحقيق التنمية، وذلك من خلال تطوير أساليب الإنتاج وتحسين
الفنون الإنتاجية، ولا شك في أن نقص العلم وانخفاض مستوى الثقافة يؤثر بشدة على
استخدام الأساليب الحديثة الكفيلة بتحسين الإنتاج وتقدم المجتمع، ومن هذا يقول
الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا
يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر:9). ويقول جل
جلاله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا
الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة:11).
وعلى نفس النسق، فإن الإنسان مريض
العقل الذي لا يحسن الطعام ولا يهتم بالتغذية السليمة والوعي الصحي المتكامل، هذا
الإنسان لا يمكنه أن يدرك الإنتاجية القوية السكانية والماهرة ولا يمكنه تحقيقها،
ومن هذا يقول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا
يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف:31)، ويؤكد نفس المعنى حديث الرسول الكريم:
«المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك
واستعن بالله ولا تعجز» رواه مسلم.
3- ضعف أساليب الإنتاج والفن الإنتاجي:
يفسر المجتمع الإسلامي ظاهرة التخلف
كذلك في ضوء عامل مرتبط بالإنسان أيضًا وهو ضعف أساليب الإنتاج Means of Production
والفن الإنتاجي منخفض الكفاءة، وهذا التخلف في أساليب الإنتاج وضعف الفن الإنتاجي
يؤدي إلى انخفاض الإنتاج، مما يؤدي إلى المزيد من تكريس التخلف في المجتمع، وفي
هذا المعنى يقول الله تعالى: ﴿أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ
كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ
قُوَّةٗ وَأَثَارُواْ ٱلۡأَرۡضَ وَعَمَرُوهَآ أَكۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا
وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ
وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ) (الروم:9). ويقول جل علاه: ﴿أَفَلَمْ
يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ
فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ
رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ
بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (غافر:82-83).
4- انخفاض الإنتاجية ورداءة المنتجات:
يرتبط بضعف أساليب الإنتاج والفن
الإنتاجي مسألة أخرى هامة تساعد في تكريس التخلف واستمرار حلقاته في المجتمع، وهي
مسألة انخفاض الإنتاجية ورداءة المنتجات، وهي كلها أمور مرتبطة بحسن الإيمان ونقاء
العقيدة وقوة العلاقة بالله الرازق، وفي هذا يقول تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ
يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا
نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ (الأعراف:58). وعلى
الإنسان أن يبذل جهده في تحسين نوعية الإنتاج تاركًا الناتج ونوعيته بيد الله
القائل: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (الرعد:4).
خاتمة وتعقيب:
من كل ما تقدم يتضح بجلاء أن المجتمع
الإسلامي يدرس ظاهرة التخلف ويفسرها في ضوء عوالم وأمور تتخذ من الإنسان محورًا
لها، الإنسان في عقيدته وإيمانه بالله ومدى قوة أو ضعف هذه العقيدة والإيمان،
والإنسان في مستوى تعليمه وثقافته وصحته، والإنسان في مدى قوة أو بدائية الأساليب
الإنتاجية وفنون الإنتاج، وما يتبع ذلك من انخفاض ورداءة المنتجات، وهكذا يؤكد
الإسلام أن التخلص من حلقات التخلف المفرغة التي يأخذ بعضها برقاب بعض، والانطلاق
إلى التنمية، كل ذلك لن يتأتى إلا بالإيمان الكامل بالله وحسن التوكل عليه، فلو
توكلنا على الله حق توكله لرزقنا كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتعود بطانًا.
الهوامش:
(1) محمد عبد المنعم عفر، التخطيط
والتنمية في الإسلام، دار البيان العربي، جدة، 1985، وأيضًا عبد الهادي الجوهري،
علم الاجتماع الإسلامي، مكتبة نهضة الشرق، القاهرة، 1982.
(2) علي عبد الواحد وافي، ابن خلدون،
سلسلة أعلام العرب، وزارة الثقافة، القاهرة، 1966.
(3) لملاحظة أثر عدم العدالة في توزيع
الدخل على التوتر في المراجع العلمية راجع على سبيل المثال إسماعيل صبري عبد الله،
نحو نظام اقتصادي جديد، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة 1979.
(4) علي لطفي، دراسات في تنمية
المجتمع، المطبعة الكمالية، القاهرة 1974.
(5) عبد الهادي الجوهري، دراسات في
التنمية الاجتماعية، مكتبة نهضة الشرق، القاهرة، 1984.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل