العنوان عماد الدين زنكي وأول صيحة
الكاتب د. هشام الحمامي
تاريخ النشر السبت 12-يناير-2008
مشاهدات 100
نشر في العدد 1784
نشر في الصفحة 66
السبت 12-يناير-2008
من ثمرات التاريخ
من وعى التاريخ في صدره أضاف أعمارًا إلى عمره
يعتبر المؤرخون أن استعادة إمارة (الرها) كان الصيحة الأولى في هزيمة الصليبيين في العالم الإسلامي؛ ذلك أنها كانت أول إمارة صليبية تم تأسيسها (۱۰۹۸م)، تلتها ثاني إمارة بعد عام واحد في بيت المقدس؛ لذلك كان استعادة هذه المدينة (١١٤٤م) بمثابة القطرة الأولى في الغيث الذي جاء بعدها متتاليًا منهمرًا بعد أن امتلأ الأفق في العالم العربي والإسلامي بالإحساس الحقيقي بالخطر الداهم.
الدولة الصهيونية تعتبر أن فترة الحروب الصليبية مادة للبحث والفحص والدراسة لا تنتهي على كل المستويات الاستراتيجية، والسكانية، والاجتماعية، والاقتصادية، والجغرافية، كون هذه الحروب أسست ممالك استيطانية احتلالية دامت قرابة قرنين ثم زالت، وهو الهاجس الذي لا يغادر العقلية الصهيونية أبدًا من عام (١٠٩٧م) تاريخ سقوط العاصمة السلجوقية (أزنك) إلى عام (۱۲۹۳م)، تاريخ القضاء النهائي على الصليبيين في صيدا وصور وبيروت على يد السلطان الأشرف.
حين جاءت الحملة الصليبية الأولى كان العالم العربي والإسلامي في حاله مروعة من التردي والانهيار بين خلافة سنية (عباسية) في بغداد وخلافة شيعية (فاطمية) في القاهرة، وكانت بلاد الشام مسرحًا دائمًا لخلافاتهم ومنازعاتهم التي لا تنتهي، وامتدت قرنًا كاملًا من الكراهية والمرارة والنزاع والتصارع والعداء السياسي والعسكري، إلى أن وقف الصليبيون على الأبواب، وخلال عشر سنوات كان الصليبيون قد أسسوا أربع ممالك قوية (أنطاكية، والرها، وطرابلس، وبيت المقدس).
وتتحرك أحداث التاريخ لتصعد برجل كان الزمان والمكان شديدي الحاجة إليه وهو (عماد الدين زنكي) الذي كان أول من أدرك أن الأمن الاستراتيجي للعالم الإسلامي يكمن في توحد مصر والشام، وهي الحقيقة التي يزيدها التاريخ تأكيدًا كل يوم، فبعد توليته على ولاية الموصل عام ۱۱۳۱م اتجه بعينه صوب حلب، وضمها إليه، وبدأ في ترتيب المنطقة على نحو أشعر معه الصليبيين بالخطر، فدفعوا إمبراطور بيزنطة (الأرثوذكسي) عمانوئيل إلى مواجهته، على رغم الاختلاف المذهبي المرير بينهما، فمعلوم أن الحروب الصليبية خرجت من الكنيسة الكاثوليكية، كما أن العداء معروف بين الكنيستين الشرقية والغربية.
لم تنطل الحيلة على عماد الدين الذي واجه الموقف الجديد هذا بالسياسة والمقاومة، السياسة في دب عصا الشقاق بين هذا الأرثوذكسي الطارئ على المعادلة والكاثوليك لب الصراع وأساسه، والمقاومة باستخدام المجاهدين المتطوعين كرًا وفرًا على «عمانوئيل» فلم يورط نفسه في حرب شاملة معه، تلك الحرب التي كان قد حدد زمانها ومكانها وأطرافها، وتثمر سياسته تلك ثمرتها، فيرحل الإمبراطور الأرثوذكسي تاركًا وراءه كمًا كبيرًا من الأسلحة والعتاد.
وكانت هذه الخطوة في حد ذاتها ذات أثر معنوي هائل على المسلمين، الذين ما لبثوا أن سرت فيهم الروح الجهادية العالية، واستردوا ثقتهم بأنفسهم، وعندها بدأ عماد الدين في الإعداد لضربته المهمة، وفعلها، واستعاد الإمارة الأولى من أيدي الصليبيين بعد استقرارهم فيها أكثر من خمسين عامًا، هو لم يستعد الإمارة فحسب، إنما استعاد للأمة كلها روحها الحقيقية، بعد أن كانت الهزائم تتوالى دون أن يوقفها أحد وكأن الجميع مستلبون، وهو الخطر الحقيقي الذي أدركه الصليبيون فخططوا للخلاص منه شخصيًا، ونجحوا في ذلك بالفعل، ولكن كان السهم قد مرق، وكانت الروح التي استولدها عماد الدين من الرماد قد سرت في أوصال ومفاصل الأمة كلها التي ما لبثت أن عادت لنفسها.
وسيأتي بعده ابنه نور الدين الذي كان (سر أبيه) كما يقولون، ويجمع كل سورية على قلب رجل واحد، ويرسل (شيركوه) قائد جيشه إلى مصر والذي اصطحب معه ابن أخيه (صلاح الدين) وتتوالى الأحداث حتى عام ١١٨٧م، وهو العام الذي يعيه العالم الإسلامي كله جيدًا، عام تحرير الأقصى واستعادة بيت المقدس.
يصف "ابن الأثير" عماد الدين فيقول: "كان شديد الهيبة في عسكره ورعيته، عظيم السياسة لا يقدر القوي على ظلم الضعيف، وكانت البلاد قبل أن يملكها خرابًا من الظلم، وتنقل الولاة ومجاورة الفرنج، فعمرها وامتلأت أهلًا وسكانًا، وكان أشجع خلق الله، وقد تجلت عظمة سياسته بالفعل في موقفين من أخطر المواقف التي حاقت به، الأول حين نأى بنفسه عن الصراع بين الخليفة العباسي (المسترشد) والسلطان السلجوقي (مسعود)، وهو الصراع الذي كاد أن يتورط فيه باعتباره سلجوقيًا، ولكن صدقه مع نفسه ومع ربه ألهمه الصواب، فابتعد عن تلك التوافه والخيبات، وبدا كأنه غائب رغم أنه كان في قلب المشهد.
والثاني حين أدار أزمة دخول الإمبراطور البيزنطي (عمانوئيل) طرفًا في الصراع، وأخرجه منه دون أن يهدر قوته معه، فقد أدرك بسلامة بصيرته أن عداوته طارئة لا مستحكمة كعداوة الصليبيين، ويكون التعامل معه على هذه الخلفية لا سواها.
واستشهد عماد الدين زنكي بيد أحد العملاء بعد أن أطلق الصيحة الأولى التي أسست لما بعدها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل