العنوان لماذا تصر أمريكا على الديمقراطية؟
الكاتب غازي التوبة
تاريخ النشر السبت 04-ديسمبر-2004
مشاهدات 106
نشر في العدد 1629
نشر في الصفحة 46
السبت 04-ديسمبر-2004
بنى الرسول صلى الله عليه وسلم نواة الأمة الإسلامية في المدينة من الأنصار والمهاجرين الذين آمنوا بدعوته، واستسلموا لقيادته صلى الله عليه وسلم، ثم استمرت هذه الأمة على مدى القرون التالية حاملة للقرآن الكريم، مطبقة لأحكام آياته، مقتدية بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد تعرضت خلال مسيرتها لمصاعب وتحديات من أبرزها: الثورات الباطنية ومن أبرزها ثورة الزنج، والهجوم التتري الذي أسقط الخلافة في بغداد عام ٦٥٦هـ، والهجوم الصليبي الذي استهدف قلب العالم الإسلامي والذي احتل في غزوته الأولى معظم بلاد الشام.. إلخ لكن الأمة استطاعت أن تتغلب على هذه المصاعب والتحديات وغيرها بفضل الله ثم بفضل حيويتها، وصحة منهجها.
لكن نشوء الطبقة البرجوازية في أوروبا، وارتباطها بالنهضة الصناعية، وتوجهها الاستعماري جعلها تصطدم مرة ثانية مع الأمة الإسلامية، فاستعمرت أوروبا الهند والجزائر ومصر وسورية والعراق وتونس والمغرب.... إلخ ... واختلفت الهجمة الاستعمارية الحديثة عن سابقتها الصليبية باستهداف تغريب الأمة وتغيير بنائها العقائدي والثقافي والسلوكي والنفسي والحياتي والاجتماعي والاقتصادي ..... في حين أن الهجمة الصليبية السابقة في العصور الوسطى كانت عسكرية فحسب، وقد استخدم الغرب أيديولوجيا القومية العربية للتأثير في العرب، وإيهامهم بأن هذه الأيديولوجيا القومية العربية ستخلصهم من التخلف والتأخر والانحطاط، وستنقلهم إلى الاستقلال والحضارة والتقدم، فماذا كانت النتيجة؟
كانت النتيجة فشل القومية العربية في تحقيق الاستقلال والحرية والتقدم، وكانت النتيجة قيام أعتى الديكتاتوريات التي عرفها التاريخ العربي، وانتشار الفقر المدقع في معظم البلدان العربية، وضياع فلسطين والجولان وسيناء، وبروز القطرية ورسوخها، وتأخر البحث العلمي والثقافي... إلخ لكن القومية العربية فشلت في تحقيق الهدف الرئيس لها وهو تغريب المنطقة بدليل قيام الصحوة الإسلامية، وعودة الأمة إلى دينها.
والآن بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في أبريل (نيسان ) من عام ٢٠٠٣م، نجد الحديث الواسع عن حاجة المنطقة العربية إلى الديمقراطية، واعتبارها خشبة الخلاص، وقد أبرزت أمريكا ذلك على لسان مسؤوليها، وقد طرحت عدة مشاريع تحقق ذلك أبرزها مشروع شراكة أمريكا مع الشرق الأوسط من أجل نشر الديمقراطية، والذي طرحه كولن باول في كانون أول «ديسمبر» من عام ٢٠٠٢م، ومشروع الشرق الأوسط الكبير الذي طرحه بوش ثم ناقشته الدول الصناعية الكبرى الثمانية في اجتماعها في أيسلاند من ولاية أتلانتا في حزيران «يونيو» من عام ٢٠٠٤م، كما قدمت كل من فرنسا وألمانيا مشروعين مماثلين لمشروع بوش عن الشرق الأوسط، وكانت تلك المشاريع كلها تركز على الديمقراطية ونشر قيمها وأخلاقها وأفكارها ومضامينها وحقائقها .... فما الهدف من كل ذلك؟ هل صحيح أن أمريكا مهتمة بنشر الديمقراطية في العالم العربي؟ وهل صحيح أنها مهتمة بترسيخ قيم العدالة والحرية؟ هل صحيح أن أمريكا أزالت ديكتاتورية صدام من أجل رفع الاستبداد عن الشعب العراقي وجعله شعبًا حرًا؟
ليس من شك في أن الوقائع تؤكد أن كل هذا الكلام غير صحيح وأن الكلام عن الديمقراطية مقصود منه استخدامها وسيلة منهجية لتفتيت البنية الثقافية للأمة ومن أجل تسهيل تغريبها وهو الهدف الذي فشلت أوروبا في تحقيقه خلال القرن العشرين.
يمكن أن تكون الديمقراطية وسيلة لتفكيك البنية الثقافية لأمتنا بما تشتمل عليه من نسبية الحقيقة، وهي الفلسفة التي تقوم عليها الديمقراطية، وتعني أنه ليس هناك شيء ثابت أو حكم مطلق، وأن كل شيء خاضع للتغيير، ومن ذلك الحقائق والأحكام الدينية والاجتماعية والاقتصادية ... إلخ، وهذا يتصادم مع أحكام ثابتة، فبالنسبة لنا فإن وحدانية الله حقيقة ثابتة إلى قيام الساعة، وكذلك أداء صلاة الظهر أربع ركعات بالصورة التي شرعها الإسلام حكم ثابت إلى قيام الساعة، وأن العلاقة بين الذكر والأنثى يجب أن تكون من خلال عقد الزواج، وأن أية علاقة أخرى من خارج عقد الزواج محرمة شرعًا إلى قيام الساعة، وكذلك أخذ الربا حرام شرعًا إلى قيام الساعة ... إلخ، وجاء ثبات الأحكام السابقة من وجود جوانب ثابتة في الفطرة الإنسانية لا تتغير إلى قيام الساعة، فالإنسان مفطور على العبادة والصلاة وتقديس الرب سبحانه وتعالى ومفطور – كذلك – على الزواج وتشكيل الأسرة، ومفطور – كذلك – على حب المال والشهوات، لذلك جاءت النصوص والأحاديث والآيات والأحكام التي تتحدث عن الله – تعالى – وصفاته، وعن العبادة وكيفيتها، وعن أحكام الأسرة وما ينطوي تحتها من أحكام عن الزواج والطلاق والميراث إلخ... جاءت كلها ثابتة لأنها مستندة إلى جوانب ثابتة لا تتغير في الفطرة الإنسانية، وتحدثت عن ذلك نصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (الإخلاص: ١)، وقوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (النساء: ١١٠). وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾ (البقرة: ٤٣)، وقوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ﴾ (المعارج: ٢٩ - ٣١).
ويمكن للأمة أن تفوت على أمريكا أهدافها من خلال التمييز بين آليات الديمقراطية وفلسفتها، فالآليات التي تشمل محاسبة الحاكم، وتداول السلطة، وإعطاء الحريات الصحفية والانتخابية إلخ.. والفلسفة تعني نسبية الحقيقة كما ذكرنا، ويكون التفويت على أمريكا وإحباط مخططها بالأخذ بالأليات وترك الفلسفة، لأن الآليات لا تتعارض مع قيم أمتنا وثوابت دينها، في حين أن الفلسفة تتعارض معها، إن هذا التمييز هو الذي يجعلنا نستفيد من إيجابيات الديمقراطية ونبتعد عن سلبياتها وأخطارها، ونحبط أهداف أمريكا في منطقتنا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل