العنوان نصف قرن على شهداء تمثيلية «حادث المنشية».. هذا يوم الحداد العام
الكاتب جابر قميحة
تاريخ النشر السبت 25-ديسمبر-2004
مشاهدات 61
نشر في العدد 1632
نشر في الصفحة 40
السبت 25-ديسمبر-2004
بريطانيا خصصت ٥ آلاف جنيه استرليني لمن يأتي برأس فرغلي... فجاءهم عبد الناصر به مجانًا.
الشيخ على الطنطاوي: عبد الناصر ضحى بمن كان أعلم بالشرع الجنائي.
سيظل شهر ديسمبر ١٩٥٤م شهر سواد حالك في تاريخ مصر، وسيظل يوم الخميس التاسع من هذا الشهر نقطة عار في جبين حكومة العساكر التي حكمت مصر، ومازالت تحكمها حتى الآن، إنه اليوم الذي شنق فيه عبد الناصر ستة من أشرف وأنقى رجال هذه الأمة، هم الشهداء، عبد القادر عودة، ويوسف طلعت، ومحمد فرغلي، وإبراهيم الطيب، و هنداوي دوير، ومحمود عبد اللطيف، وكان القاضي الذي أدان هؤلاء المجاهدين الأشراف ضابطًا مجنونًا اسمه «جمال سالم» وطبعًا كان من أجهل الناس بالقانون، مجردًا من أبسط قواعد الذوق واللياقة والخلق والنبالة.
وكانت جريمة هؤلاء الإخوان «التآمر على مصر» وتدبير مؤامرة لاغتيال الزعيم الخالد جمال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية ، وقد ثبت أنها كانت تمثيلية دبرت، ونسجت خيوطها بليل، ووزعت فيها الأدوار، وكان الهدف منها ضرب الإخوان لأنهم كانوا القوة الشعبية الوحيدة التي تمثل العقبة الكأداء في طريق ديكتاتورية عبد الناصر وبطانته من العساكر.
وتحت حبل المشقة دعا عبد القادر عودة ربه «اللهم اجعل دمي لعنة على رجال الثورة» واستجاب الله دعوته، فرأينا ما نزل بهؤلاء من نكبات، وما تعرضوا له من فضائح، وكيف سلط الله بعضهم على بعضهم، وكانوا:
كالنار تأكل بعضها
إن لم تجد ما تأكله.
علي الطنطاوي وبيانه الإيماني
وعلي الطنطاوي «١٣٢٧ ١٤٢٠هـ» «١٩٠٩ – ١٩٩٩م» هو القاضي السوري المشهور، ويوصف دائمًا بأنه: «فقيه الأدباء، وأديب الفقهاء» لأنه يعرض فقهه وفكره كتابة أو حديثًا بأسلوب أدبي طلي راق بليغ، في تدفق لا يعرف التصنع والتكلف والافتعال.
وبعد إعدام الإخوان مباشرة كتب مقالًا طبع في كتيب صغير، وطبع منه أكثر من نصف مليون نسخة وترجم بعد ذلك إلى اللغة الأردية، كما ترجم إلى اللغة الإنجليزية، ونشر في كثير من صحف
العالم، وأذكر أننا ونحن في بداية التعليم الجامعي قرأنا هذا البيان، وكنت أحفظ كثيرًا من فقراته.. ولم أتمكن من قراءته مرة ثانية إلا بعد صدوره بتسعة وأربعين عامًا، أي من بضعة أشهر، منشورًا في الجزء الثامن من «ذكريات» علي الطنطاوي «ص ١٦-٢٢»، وأنا أعد بحثًا عن «الشخصية المكان في ذكريات على الطنطاوي» نشر في مجلة الأدب الإسلامي.
هذا يوم الحداد العام...
كان عنوان البيان «هذا يوم الحداد العام» وقد طبع منه كما ذكرت آنفًا أكثر من نصف مليون نسخة وترجم إلى الأردية والإنجليزية، ولأن أبناء هذا الجيل، أو أغلبهم لم يقرأوه، وكمظهر من مظاهر الوفاء لذكرى هؤلاء الشهداء الأبرار الستة، رأيت أن أقدم قطوفًا من هذا البيان، وكم كنت أتمنى أن أقدمه بتمامه ولكن «المساحة المتاحة» في صحيفتنا هذه تكبح جماح أمنيتي فاكتفي بالقطوف عن الشجرة الوارفة الظلال.
إنه عرس لا مأتم...
استهل شيخنا بيانه استهلالًا أخاذًا بارعًا نصه: «لو كان الأمر إليَّ لما جعلته أمر حداد، بل يوم بشر وابتهاج، ولما صيرته مأتمًا بل عرسًا، عرس الشهداء الأبرار على الحور العين، ولما قعدت مع الإخوان أتقبل التعزيات، بل التهنئات وهل يرجو المسلم شيئًا أكبر من أن يموت شهيدًا؟»
وهل يسأل الله خيرًا من حسن الخاتمة؟ إني لأتمني والله شاهد على ما أقول أن يجعل منيتي على يد فاجر ظالم، فامضي شهيدًا إلى الجنة، ويمضى قاتلي إلى النار، فتكون مكافأتي سعادتي به، ويكون عقابه شقاؤه بي.
عقاب.. وعقاب !!
هذا هو العقاب لا عقابك يا جمال، عقاب الله «الناصر» لأوليائه، القاهر فوق أعدائه، الذي ستقف أمامه وحدك، ليس معك جيشك، ولا دباباتك، ولا سلاحك، ولا عتادك، تساق إليه وحيدًا فريدًا.. فيسألك عن هذه الدماء الزكية قيم أرقتها؟ وعن هذه الأرواح الطاهرة فيم أزهقتها؟ وعن هاتيك النساء القانتات الصابرات فيم رملتهن؟ وعن أولئك الأطفال البرءاء فيم يتمتهم؟ وعن هذه الجماعة الداعية إلى الله، المجاهدة في سبيله، فيم شمت بها أعداء الله ورسوله؟ فعش كيف عشت، وسر مهما سرت، فهل تقدر أن تجد لك طريقًا لا يمر بك على المحشر؟ ولا يقف بك موقف الحساب؟ هل تعرف لك ملكًا غير ملك الله نفر إليه كما يفر المجرم السياسي من دولة أساء إلى حكامها، إلى دولة أخرى تحميه منها؟ وهل تظنها تدوم لك يا عبد الناصر؟ لو دامت لغيرك ما وصلت إليك.
ما أعظم الضحايا!!
يا عبد الناصر.. جزاك الله بما تستحقه!
أوتعرف بمن ضحيت؟ ضحيت بمن كان أعلم المسلمين بالشرع الجنائي في الإسلام، ومن ستحتاج إليه غدًا فلا تجده، ولا تجد مثله، فتبكي عليه حزنًا وأسفًا، ويضحك عدونا شماتة وسرورًا؟ بمن ألف الكتاب الجليل «التشريع الجنائي الإسلامي» الذي ترجم إلى كثير من لغات الناس، وتقرر تدريسه في الجامعات وتزاحم الجميع على تكريم مؤلفه، وبعثوا يطلبونه، فقيل لهم إنه لا يستطيع أن يحضر حفلات تكريم، لأن عبد الناصر كرم علمه وفضله بحبل المشنقة.
با عبد الناصر.. جزاك الله بما تستحق!
ضحيت بسيد المجاهدين الفرغلي، بالشيخ الذي أفزع بريطانيا حتى جعل راديو «فايد» البريطاني، ينادي كل يوم ثلاث مرات بأن من جاء برأسه فله خمسة آلاف، فجاءهم برأسه الناصر.
فيا عبد الناصر جزاك الله بما تستحق...... لقد كانوا جميعًا من أئمة التقى، ومصابيح الهدى، من الذين يقومون الليل يقطعونه تسبيحًا وقرآنًا، ويجاهدون في النهار يملؤونه جهادًا وإحسانًا.
تعذيب.. وتعذيب
وأشهد لقد قرأت أخبار المشركين وتعذيبهم لمن آمن من قريش وما فعل أعداء الإسلام بالمسلمين من الطغاة الجبارين، كهولاكو وجنكيز، وما صنعت محاكم التفتيش في الأندلس، وما تصنع «إسرائيل» في فلسطين في دير ياسين، وقبية ونحالين، فوالله ما آلمني شيء كما آلمني ما صنع عبد الناصر وأعوانه بهذه النخبة الصالحة من المسلمين.
... ولو كان في هؤلاء الشهداء قاتل أو مجرم، وحاكموه محاكمة، ثم عاقبوه قصاصًا، لما اعترضهم أحد، أما أن يكونوا من خيار المؤمنين، وأن يكون ذنبهم أنهم أعدوا السلاح للعدو ويعلم رجال الحكومة، وأنهم دربوا على القتال والتدريب بعلم رجال الحكومة، وأنهم أعلنوا رأيهم في المعاهدة، وحق الرأي واحد من حقوق الإنسان، وأن تحاكمهم هذه المحكمة وليست محكمة فيها قضاة..... وأن يكون الحكم على هذه الصورة فهذه قصة فظيعة فظيعة فظيعة بلغ من فظاعتها أن أجمع الناس على اختلاف البلدان والألسنة والألوان والمذاهب والألوان على استنكارها.
عساكر... بلا فروسية...
ولست أدري كيف يلبس هؤلاء لباس الجند ويحملون شارة العسكرية، وما سلكوا سبل البطولة ولا استثنوا بسنن الفروسية عند الفرسان.
الفارس من يبارز خصمه في الميدان، وينازله مسلحًا، أما الذي يبدي البطولة والخصم أعزل مقيد، وحوله الرهط من الأنصار، وخصمه مفرد، فهذا ليس من الفروسية في شيء.
أما أنتم يا أيها الإخوان
.... أما أنتم يا أيها الإخوان المسلمون، فاعلموا أن المحن تدريب.. وتمرين، وكلما تقدم الجندي خطوة صعب التدريب عليه وقسا، فإذا وصل إلى الفساد فقد بلغ آية القوى، وصار جنديًا كاملًا.
وأنتم بلغتم الغاية اليوم حين امتحنتم الامتحان الأكبر، امتحان الدم، ونجحتم، نجحتم والله، ولم تزعزع المشانق إيمان هؤلاء الإخوان، ولا هزت أعصابهم، ولقد قابلوا الموت مقابلة انحنت إكبارًا لبطولتها وعظمتها، هامات الرجال في كل مكان.
واذكروا أن الشيخ الإمام حسن البنا -رحمه الله - كان قد أنذركم أنها لا تزال أمامكم مصائب شداد، واختبارات صعاب، وقد أقدمتم عليها، وأنتم عارفون بها.
والعاقبة لكم، إنها والله لكم، ولأنكم تمشون على هدى الإسلام، فالمستقبل لكم فلا تزعزعكم الأحداث، ولا تفتنكم عن إيمانكم، على أن تبقوا صفًا واحدًا، لا تفرق بينكم الدنيا، ولا يقسمكم النزاع على الزعامات، وأن تجعلوا إمامكم دائمًا كتاب ربكم.
وبعد.. فيا أهل الشهداء: الصبر الصبر، إن دموع العالم الإسلامي كله قد مازجت دموعكم، وقلوبهم جميعًا قد قاسمت الأسى قلوبكم، وكلهم أخ لكم وصديق، ومأتمكم صار مأتم دنيا الإسلام كلها، والله معكم، والله خير من الجميع.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل