العنوان يا لها من هزيمة نكراء!
الكاتب سالم الفلاحات
تاريخ النشر السبت 31-يناير-2009
مشاهدات 73
نشر في العدد 1837
نشر في الصفحة 22
السبت 31-يناير-2009
إنه الانتصار
الثاني للمقاومة الشعبية العربية والإسلامية بعد انتصار يوليو 2006م. وهو صفعة
عميقة نفضت حجرًا جديدًا من أساسات المشروع الصهيوني
- رجع الجنود الصهاينة
فرحين لأنهم فلتوا بجلودهم من شبح المجاهدين الذين كانوا يخرجون إليهم من
الأنقاض المدمرة في جنح الظلام!
- انكسر العدوان
وهُزم العدو الصهيوني.. ولا يجادل في هذا إلا الذين يغلب على
تفكيرهم تراث الخوف وفلسفة الوهن وثقافة اليأس.
الجبن ليس فقط عدم دخول المعركة، أو الهروب منها والحرص على الحياة بأي ثمن؛ بل إن من الجبن أيضًا عدم القدرة على مواجهة الحقيقة، وتسمية الأشياء بأسمائها، بل وقلب الحقِّ باطلًا، والهزيمة نصرًا، والتخاذل حيلة ودهاء، والاستسلام مرونة أو تكتيكًا.
لقد بدأت القوات الصهيونية المعركة وهي مهزومة من أعماقها، وإن كانت تتمنى أن تنسى هزيمتها ولو للحظة من اللحظات، فلم تجرؤ على إعلان هدفها من شن العدوان الجوي أولًا على قطاع غزة، ومتى تعد قد کسبت المعركة أو خسرتها، فعمدت إلى استخدام مصطلحات رمادية غائمة تشير بها إلى أهداف ضبابية لا يمكن قياسها أو ضبطها أو المحاسبة عليها، تمامًا كالخطط البدائية أو المضللة والفاشلة في أي ميدان من الميادين، ليس جهلًا، وإنما خوفًا وجبنًا من النتائج.
هُزمت «إسرائيل»، رغم أنها تملك ترسانة عظيمة من الأسلحة المختلفة؛ الجوية منها، والبرية، والبحرية، وتملك خبرات عالمية في الأسلحة المحرمة دوليًا، وتساندها اقوى دول العالم على الإطلاق، وتقيم معها جسرًا عسكريًا جويا وبحريًا، لم يتوقف قبل العدوان وأثناءه وبعده.. كما أن لها شرطًا ثابتًا على أمريكا، أنها كلما باعت دولة عربية أي نوع من أنواع الأسلحة يجب أن تعطيها مقابله السلاح الأحدث والأعظم وأن تأخذ النسخة السرية من خصائص ذلك السلاح وتفصيلات تامة عنه!
يا له من عدوان!
«دولة» تشن حربًا وعدوانًا على شعب حاصرته برًا وبحرًا وجوًا منذ شهور طويلة، حصارًا قاتلًا شمل أساسيات الحياة وضروراتها الإنسانية بمساعدة دول عربية مجاورة.
«دولة» تشن عدوانًا على جزء من الفصائل الفلسطينية المجاهدة على أرضها وشجرها وهوائها ومائها، بينما الجزء الآخر من هذه الفصائل يضع يده بينها، ويزودها بمعلومات استخبارية دقيقة تتعلق بالأماكن والأشخاص والخصوصيات، وتدل على عورات المجاهدين لحظة بلحظة... وما استشهاد البطلين «نزار ريان» و«سعيد صيام» إلا بجهود «رغالية» عميلة!
«دولة» تشن عدوانها على «حماس» المجاهدة ذات الثوابت الوطنية الراسخة المنطلقة من الخلفية الإسلامية العامة، التي تزداد تجذرًا في ضمائر العرب والمسلمين وشرفاء الناس في الأرض، لطهارتها، ورضوخ قضيتها وعدالتها، ودفاعها المشروع عن الحقوق الوطنية التي تكفلها كل الشرائع المعتبرة.
دخلت حربًا على «حماس» ومن على منهجها في المقاومة، تستجدي عواطف المحتلين والمستوطنين الصهاينة أنها ستقضي على قدرة «حماس» الصاروخية والعسكرية، وامتدادها الشعبي الذي يتزايد بشكل مطرد كلما رأى الناس ممارستها على الأرض!
دخلت لاغتيال قيادات «حماس» العسكرية والسياسية حتى لا يبقى إلا الضعفاء بلا قيادات.
دخلت لكسر إرادة المقاومة الجادة، بل وإنهاء خيار المقاومة من قاموس الناس في غزة وإلى الأبد!
دخلت لطي ملف القضية الفلسطينية بأكمله، بما فيها الضفة الغربية، لجعل هذا العدوان حاسمًا وفاصلًا، يمكنها من قول الكلمة الأخيرة بالطريقة التي تراها هي!
دخلت هذه الحرب، وقامت بهذا العدوان، بعد أن تفاهمت مع دول عربية محيطة ومؤثرة ومعينة، وأمنت جانبها ورد فعلها وسيطرتها على شعوبها، والتزمت بألا تشوش على هذا العدوان، وأن تعطيه الفرصة الكافية!
نفذت هذا العدوان، وأعدت شعبها لتقبل الخسائر البشرية، في سبيل إعادة الهيبة لجيشها، ولمحو العار الذي لحق به في يوليو ٢٠٠٦م، وسخرت كل وسائل الدعاية المحلية والعالمية لتدير المعركة بطريقتها الخاصة.
..
ويا لها من خيبة!
وبعد اثنين وعشرين يومًا من العدوان المتواصل..
ماذا كانت إنجازات العدو الصهيوني؟!
استغرق العدوان على شعب فلسطين ما يقرب من شهر، بدلًا من ثلاثة أيام أو أسبوع كما وعدت بعض العرب قبل العدوان!
استمر إطلاق صواريخ المقاومة وعلى وتيرة واحدة، حتى في أشد مراحل العدوان.
سقط العديد من جنود العدو بين قتلى وجرحى ومرعوبين، في صفوف أفضل قواته تدريبًا وتسليحًا، وهما لواء «جولاني» ولواء النخبة.
دخل العديد من المغتصبين والصهاينة المستشفيات بسبب الخوف الشديد، بالإضافة إلى عدد من الجرحى والقتلى، بالرغم من التعتيم الشديد على تلك الحالات.
عطلت الدراسة، وشلت الحياة اليومية الاعتيادية في العديد من المدن المحتلة في فلسطين.
حيرة وقلق وارتباك لدى القيادة الصهيونية، وحديث عن قرب تحقيق الأهداف المرسومة «غير المعلنة، وغير المعروفة كالعادة»، قبل أسبوع من تاريخ إعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد.
إعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد، بعد اثنين وعشرين يومًا من المحاولات البائسة للجيش الصهيوني.
حصاد جهاد مشرّف
بينما كان المشهد على الجانب الفلسطيني في قطاع غزة مختلفًا. وكانت أهم ملامحه:
-
دفاع المقاومة الباسلة عن شعبها وأرضها.
-
قبولها المنازلة، وهي تعتقد أنها متقدم التضحيات لكنها كانت ترى أن من مات مات شهيدًا، ومن عاش عاش سعيدًا مرفوع الرأس يكمل المشوار، ومن قطعت يده أو فقلت عينه فقد سبقته إلى الجنة وهو في الدنيا.. وكان حصاد الجهاد ۱۳۲۳ شهيدًا، ونحو 5450 جريحًا.. أغلبيتهم من المدنيين، ونسبة كبيرة منهم من الأطفال والنساء.
-
تدمير العديد من البيوت، والمدارس، والمراكز والمؤسسات المدنية، وشبكات المياه والصرف الصحي.
-
استشهاد الشيخ د. «نزار زيان» وعائلة، والقائد سعيد صيام، مع أقرب الناس إليه ... يرحمهم الله جميعًا، فقد فازوا بالشهادة وهم على رأس القيادة.
-
كسر عنفوان العدو المعتدي؛ إذ جرب أقوى ما عنده، ورغم ذلك لم يحقق إلا لعنات ستلاحقه أمام شعوب العالم كله، وأمام ثأر الأجيال في اليوم المشهود.. وأعلن الصهاينة أنهم قذفوا قطاع غزة، بمليون كجم من المتفجرات، واستخدموا نصف سلاحهم الجوي.
-
ازدياد تعاطف شعوب العالم مع «حماس»، ومع حركات المقاومة الجادة التي وقفت مع شعبها، وعرت الذين اختاروا مقاعد المتفرجين، وكشفت المتواطئين؛ الفلسطينيين كانوا أم عربًا!
-
کسبت «حماس» شرعية جديدة إضافة لشرعيتها، هي شرعية المقاومة الصادقة الجادة وقت الشدة؛ إذا استطاع صمود المقاومة وتضحياتها، وصبر الشعب الفلسطيني في غزة أن يجعل له مكانة متميزة في ضمائر شعوب العالم؛ متجاوزًا العرب والمسلمين إلى بقية شعوب الأرض، بما لم يسبق له مثيل منذ بداية الصراع مع العدو الصهيوني، خلال ما يقرب من تسعة عقود.
-
تعرضت المقاومة لضربة، لكنها لم تقصمها، ولم تدمرها، وستقويها إن شاء الله بعد ذلك.. وأقول لشعب «غزة»: لن يغزوكم العدو الصهيوني بهذا الشكل مرة أخرى، واقترب اليوم الذي ستغزو فيه الأمة الإسلامية لتحرير فلسطين أرضها وأهلها ومقدساتها، وما ذلك على الله بعزيز.
صفعة جديدة
هذه هي الهزيمة الثانية للعدو الصهيوني، وهذا هو الانتصار الثاني للمقاومة الشعبية العربية والإسلامية بعد انتصار يوليو ٢٠٠٦م، ولن يكون آخر الانتصارات بإذن الله وهي صفعة جديدة عميقة نقضت حجرًا جديدًا من أساسات المشروع الصهيوني.
ولقد ثبت للقاصي والداني أن ما كان يسمى «خيار السلام العربي» قد مات، وقد داسه العدو الصهيوني نفسه، وأعلن موته.. فلا خيار للأمة إلا المقاومة اليوم وغدًا، وإن أي محاولة لإعادة الحياة إلى تلك المبادرات
«لو قدر لها النجاح» لن تزيد عن الحياة التي يعيشها «أربيل شارون» فلا هو مع الأموات ولا مع الأحياء!!
هزمت «إسرائيل» أي هزيمة، ومهما كانت وسائل تجميل الهزيمة وإعلامها الكاذب المضلل، فقوتها العسكرية الطفيلية أصبحت عبئًا عليها في كل منازلة مع مقاومة أيديولوجية، مهما كانت ظروفها العسكرية وإمكاناتها وحجم محاصرتها والتضييق عليها.. رجع الجنود المعتدون فرحين، لا لأنهم حققوا شيئًا، وإنما لأنهم سلموا بجلودهم ورجعوا لممارسة متعهم بعيدًا عن شبح المجاهدين الذين كانوا يخرجون إليهم من الأنقاض المدمرة وفي جنح الظلام!
انكسر هذا العدوان، وهزم العدو الصهيوني، ولا يجادل في هذا إلا الذين يفكرون بتراث الخوف، وفلسفة الوهن وثقافة اليأس، وأولئك لا خلاق لهم وستتجاوزهم الحقائق وتسكنهم أو تجعل ادعاءاتهم ممجوجة سخيفة.
وصدق قول ربنا العظيم، وله الحمد في الأولي والآخرة: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ﴾ (سورة الأحزب آية:
٢٥).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل