; العميل..! | مجلة المجتمع

العنوان العميل..!

الكاتب عبدالمحسن حمادة

تاريخ النشر الثلاثاء 15-مايو-1979

مشاهدات 60

نشر في العدد 445

نشر في الصفحة 25

الثلاثاء 15-مايو-1979

كل من يتصفح التاريخ العربي الإسلامي ويطلع على ما فيه من بطولات سيدرك أن هذه الأمة قد توصلت الآن إلى أسوأ نقطة في تاريخها، ومن أبرز مظاهر الانحطاط أن تسمح هذه الأمة لنفسها بأن تسمي الجهاد والكفاح وحشية وهمجية، وأن تسمى الذل والاستسلام تقدمًا وحضارة.

وأن يصبح الإنسان في هذه المنطقة بليد الإحساس، خاصة باتجاه قضايا أمته المصيرية، يرى أمته تنقاد للخضوع والركوع لعدو غاشم مجرم يخطط لخرابها ودمارها، وهو ساكت سكوت الأموات أمام هذه الأحداث الأليمة.

لماذا أصبح الإنسان العربي بليد المشاعر والأحاسيس؟ لماذا لا يهتم ولا يكترث بمصير أمته المظلم والمخيف؟ لماذا لا تهزه الأحداث وتوقظه من سباته العميق؟

إن هذه الحالة المتردية التي تعيشها هذه الأمة جديرة بالتأمل والدراسة والتفكير للتعرف على الأسباب والعوامل التي حولت هذه الأمة المجاهدة المكافحة إلى أمة مهزومة روحيًا وعقليًا وجسديًا. 

لا شك أن هناك عوامل كثيرة ومتعددة أسهمت في هذا التدهور والانحطاط الذي أصاب هذه الأمة، ولكن على رأس تلك العوامل يبرز الدور القذر الذي قام به عملاء الاستعمار والصهيونية.

إن العميل قد يكون من أبناء هذه الأمة، ولكنه شخص تافه، لا دين له ولا مبدأ ولا وطنية، هدفه الوصول إلى أطماعه، ووسيلته في ذلك تنفيذ أوامر الاستعمار والصهيونية. 

فالفكر الغربي والصهيونية العالمية هو النبع الذي يستقي منه العملاء وحيهم وتعليماتهم، فإذا ما أدركنا مدى الكراهية والحقد الذي يكنه هذا المعسكر لأمتنا، أدركنا خطورة تلك المادة التي ينقلها العملاء من ذلك النبع.

فهم لا ينقلون إلينا سوى السموم القاتلة، فهم كالذباب والميكروبات التي تنقل الأمراض والأوبئة لتفتك بجسد هذه الأمة وروحها وعقلها.

وتبدو خطورة العملاء في أن الاستعمار والصهيونية يبذلان شتى الأساليب والمحاولات لتوصيل العملاء إلى مراكز قيادية في المجتمع، ولعل مؤسسات التعليم والإعلام من أهم المؤسسات التي يحرص الاستعمار على إخضاعها تحت سيطرة العملاء، لأن العملاء بعد أن يصلوا إلى قيادة تلك المؤسسات، ويتغلغلوا فيها،  يبدأون بتنفيذ مخططهم الإجرامي المرسوم من قبل الاستعمار، والرامي إلى تحطيم هذه الأمة وإذلالها، وجعلها تتقبل الخضوع والعبودية والتبعية والسيادة الأجنبية، وذلك من خلال المناهج والبرامج التي يبثونها.

ولما كان الاستعمار ينظر إلى الإسلام على اعتباره أحد أهم العوائق التي تمنعه من تحقيق مآربه وأطماعه في الوطن العربي، يعمل العملاء على إزالة هذا المانع حتى تصبح هذه الأمة لقمة سائغة لسادتهم المستعمرين.

فمن تلك المؤسسات التي سُلِّمت قيادتها للعملاء، ترتفع الشعارات المعادية للعربية والإسلام، فلا يُسمع منها إلا ما يلعن ويشتم العربية والإسلام، وفي نفس الوقت تُرفع وتمجَّد الفكر الغربي. 

إنها لا تصف الفكر الإسلامي والثقافة العربية إلا بالتخلف والهمجية، والتشكك في قيمتها وأهميتها والخضوع والتبعية للفكر الغربي، وفتح الباب على نطاق واسع أمام الخبراء والأساتذة الأجانب ليتربى أبناء المجتمع على أيديهم، ويتشربوا فكرهم، وفي نفس الوقت، قد يُسد الباب أمام المواطنين أو يُطردوا من تلك المؤسسات.

ومما تجدر الإشارة إليه أن هؤلاء العملاء، وهم يقومون بهذا الدور المخزي، لا يعملون في الظلام أو الخفاء كما يعتقد البعض، بل إن أهدافهم واضحة ومخططاتهم مكشوفة، اعتقادًا منهم أنهم في مأمن حصين ما داموا تحت حماية ورعاية السفارات الأجنبية التي يعملون لصالحها، فضلًا عن أن المجتمع خالٍ من أي رقابة نيابية أو صحافة حرة، فتحت هذه الظروف الرهيبة والمريبة، يعمل العملاء غير مبالين برضاء الأمة أو سخطها، بل يتصرفون في تلك المؤسسات كما يشاؤون وكأنها قد تحولت إلى ملك لهم، ضاربين بعرض الحائط كل قوانين المؤسسة وقوانين المجتمع وأعرافه وتقاليده.

ولعل هذا الدور الدنيء والقذر الذي يقوم به العملاء يُعَدُّ من أهم العوامل التي أشعلت الثورات في بعض أجزاء من المنطقة بعد أن امتلأ الشعب غيظًا، وهو يرى العملاء يتحكمون في مصيره ويقودونه إلى الذل والعبودية، مما يؤكد أن هذا التخدير الذي يعيشه الشعب ليس إلا حالة سطحية وهمية، تخفي تحتها نارًا تنتظر الشرارة التي توقدها.

الرابط المختصر :