; هل الساحة الإسلامية في مستوى النصر؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل الساحة الإسلامية في مستوى النصر؟

الكاتب د. فتحي يكن

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أغسطس-1998

مشاهدات 76

نشر في العدد 1313

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 18-أغسطس-1998

  • هل الساحة الإسلامية في مستوى النصر؟ السؤال مطروح علينا كأفراد وجماعات.. كدعوة ودعاة.. كجنود وقيادات.. على امتداد الساحة الإسلامية

واجب الولاء لله تعالى أولًا، ثم لدعوته تاليًا، يفرض علينا أن نفكر مليًا قبل أن نجيب، وأن نتجرد لله قبل أن نتكلم، وأن نتحرى الصدق فيما نكتب ونقول، رضيا لناس أم سخطوا.

وحق الدعوة علينا كقيادات، أن نصدق القواعد، كما يقرر الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم فالرائد «لا يكذب أهله». 

كما أن واجب القواعد أن تكون في مستوى الطاعة المبصرة لا الطاعة العمياء، وفارق كبير بين الطاعتين، إذ الأولى هي «طاعة المعروف» والأخرى هي «طاعة المعصية» والأولى هي «طاعة الراشدين» والثانية هي «طاعة الغافلين». 

وعندما نتناول جميعًا قضايانا وشؤوننا وشجوننا بهذه الشفافية والصدقية وروح المسؤولية والموضوعية يمكن -وبتسديد من الله وبتوفيق من عنده- أن نتلمس الأسباب التي تجعلنا في مستوى النظر، وأن نأخذ بها لتبلغه: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ﴾، (الأنفال: ٥٣).

أي نصرٍ أعني؟: النصر الذي أعنيه هو انتصار الحق في مواجهة الباطل، وارتفاع راية الإسلام محل رايات الجاهلية، وإقبال البشرية على دين الله.

إنه انتصار القيم الإسلامية والأخلاق الإسلامية والمبادئ الإسلامية والشريعة الإسلامية، وبلوغها المواقع المتقدمة في المجتمع المدني وفي المؤسسات الخاصة والعامة.

إنه قيام أنموذج إسلامي واحد راشد يترجم الإسلام بلسان حاله الإعلامي والتربوي والاقتصادي، والاجتماعي، والبيئي، والإنساني. 

أنموذج للحرية الحقيقية والعدالة والمساواة الحقيقية. 

إنه انتصار للمصلحة الإسلامية الحقيقية العليا، وعلى حساب مصلحة المسلمين الدنيا، إن الفارق كبير بين المصلحتين. 

فقد يصل المسلمون إلى مواقع القرار، ولكن قد لا يصل الإسلام، وقد يؤثر المسلمون بالإسلام في موقع القرار دون أن يكونوا فيه. 

فالقضية تبقى قضية الإسلام الكبرى، ومصلحة الإسلام العليا، ولو على حساب مصلحة المسلمين.

ضمن هذه الدائرة: وضمن هذه الدائرة بالذات أجدني مطمئنًا، لأن أقول بأننا لم نبلغ بعد مستوى النصر، وإن بيننا وبين هذا المستوى فواصل ومسافات وخبرات واختبارات.. مطلوب منا تجاوزها واجتيازها بنجاح وتفوق وجدارة وأهلية، وصدق الشاعر حيث يقول: 

قد رشحوك لأمر لو فطنت له *** فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

فواصل ومسافات: - مستوانا الإيماني يجب أن يبلغ بنا درجة يجعلنا أوثق بما عند الله مما في يد الناس، أوثق بنصر الله من مكر أعداء الله وأحرص على معية الله من معية سواه.

- أما مستوى تجردنا وإخلاصنا فيجب ألا يقل عن مستوى ذلك الأعرابي الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلًا: «إنني أنزل المنزل أريد وجه الله، وأريد أن يرى مكاني»، فكان الخطاب الرباني قاطع الدلالة على وجوب خلوص الأعمال لله أغنى الأغنياء عن الشرك: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)﴾ (الكهف: 110).

أما الأخوة الإسلامية فهي كذلك اعتراها الوهن، سواء ضمن دائرة الشريحة الخاصة أو الساحة العامة. 

وبذلك حلت الكراهية محل المحبة والخصام محل الوئام والغلظة محل الرفق، والتفرد محل التعاون وتفشي التناكف والتخادع والتماكر والتلفيق والنميمة وكلها حالقة للدين. 

الأخوة الإسلامية ليست كالعضوية الحزبية، والصداقة الشخصية والرفقة المصلحية الأخوة أمانة ووفاء وصدق وصفاء، لا مداهنة ورياء.

الأخوة مرأة تعكس بدقة تقاسيم صورنا وأحوالنا وتساعدنا على إصلاح ما فسد منا وفينا، فإن كنا نحتاج في بيوتنا لأكثر من مرأة لترتيب سخننا، وإصلاح هندامنا، فكيف بما يصقل قلوبنا ويجمل نفوسنا، ويصلح دنيانًا وآخرتنا؟

إن حرصنا على مرأة النفوس يجب ألا يكون أقل من حرصنا على مرأة الوجوه، وشعر اللحى والرؤوس!

وإن الأخوة الصادقة هي هذه المرأة، مصداقًا للحديث: «المؤمن مرأة أخيه».

- أما المستوى التربوي، فإنه في هبوط بسبب اتساع دائرة الهم السياسي، والاستغراق في الهموم الحياتية والدنيوية، ويسبب ضعف فاعلية المحاضن التربوية وعدم خضوع الكبار لها بصورة خاصة. 

وبذلك تنعدم القدوة ويصبح تفلت من هم في المقدمة والقيادة أشد ممن هم في المؤخرة والقاعدة، وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث يقول: «إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة».

- أما واقعنا الدعوي، فإنه يحتاج إلى تفعيل وتطوير على مستوى الخطاب والأداء والأسلوب والآلية والمنهجية ليتمكن من تغطية حاجة الاتساع الأفقي للساحة الإسلامية، والقاعدة أنه بقدر تزايد الطلب يجب أن يتزايد الإنتاج، والطلب على الإسلام اليوم بات عامًا وعالميًا ومتنوعًا مما يفرض الانتقال من دائرة النخبوية إلى دائرة الجماهيرية، ومن الدعوة الفئوية والخطاب الفئوي إلى الدعوة العالمية والخطاب الجماهيري التعددي.

- والواقع التنظيمي الذي ولد من رحم فترة زمنية معينة، وظروف خاصة، ومعارف إدارية وتنظيمية محدودة، يحتاج إلى إعادة النظر جملة وتفصيلًا ليواكب التطور، ويأخذ بكل ما هو متاح لتفعيل الدور الحركي وتجاوز الروتين المهدر للأوقات، والمبدد للطاقات والمضيع للجهود. 

- والواقع العلائقي الذي كان أسير الحذر والشك، وانعدام الثقة بالآخرين كل الآخرين مسلمين وغير مسلمين- يحتاج إلى إعادة نظر- وإعادة صياغة من جديد للعلاقة الإسلامية- الإسلامية والإسلامية- المسيحية والإسلامية- القومية، وعلى المستويات الشعبية والرسمية، بما يحيي الوظيفة الرسالية للحركة الإسلامية، وينتقل بها من حركة قضاة إلى حركة دعاة، امتثالًا للخطاب الرباني «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين».

الرابط المختصر :